إن التراث هو الهوية الثقافية للأمة، والتي من دونها تضمحل وتتفكك داخليًا، وقد تندمج ثقافيًا في أحد التيارات الحضارية والثقافية العالمية القوية . . وبالنسبة للمسلمين فإنهم يتعرضون لهذا التفكك ويندفعون بقوة مطردة نحو التيارات العالمية المتباينة، ويمكن أن نتلمس أسباب ذلك أو بعضها في طبيعة التراث من ناحية، وفي طريقة الإفادة منه ثانيًا، وفي القيم العامة التي تحكم إلى حد ما ـ ولو على صعيد القيادات الفكرية ـ عملية التفاعل معه ثالثًا .
فأمَّا طبيعة التراث، فإن معظم التراث الإسلامي يتمثل في المكتبة العربية والتي ترجع بدايتها إلى فجر التاريخ الإسلامي؛ عندما قامت حركة التدوين في القرن الأول، ثم انتهت إلى التصنيف في القرن الثاني، وازدهرت كثيرًا في القرن الثالث ثم الرابع، ولا يعني ذلك غمط جوانب التراث الأخرى حقوقها أو التقليل من آثارها، فإن الأعراف الاجتماعية والتقاليد الخلقية تتوارثها الأجيال اللاحقة وتكتسبها من الأجيال السابقة، وكذلك فإن المخلفات المادية المحفوظة توضح المستوى الحضاري للأمة ومدة تنوع نشاطها في الماضي، ولكن من الواضح أن المكتبة العربية هي أهم جوانب التراث الإسلامي، وقد كتبت معظم المؤلفات بلغة أدبية رفيعة مما يرتفع بالذوق الأدبي والثروة اللغوية للقارئ؛ الذي لابد أن يتمتع بمستوى لغوي وثقافي مناسب؛ ليتمكن من الإفادة من المكتبة العربية (الكلاسيكية ) .
وإذا كانت هذه الظاهرة من مزايا التراث ـ وهي كذلك فإنها تؤدي إلى العزلة بينه وبين الجماهير التي تحتاج إلى تيسيره وتوطئته؛ إذ ليس من المعقول أن نطالب الجمهور الواسع بالارتفاع إلى المستوى الفني اللازم للتعامل مع التراث في الوقت الذي نعرف تمامًا أن معظم الأكاديميين يلقون صعوبات شتى في هذا المجال؛ بل أن معظم المحاضرات في الأقسام الأدبية المتخصصة لا تُلقى باللغة العربية الفصحى!!.
إن عملية نقل التراث إلى الأجيال المعاصرة ليست سهلة، فإن احتمال التحريف المتعمد للقيم التراثية يعتبر من أبرز الأخطار التي اقترنت بما تم في هذا المجال؛ بسبب الغزو الثقافي الذي تعرضت له أرض الحضارة الإسلامية، والذي أدى إلى إحلال قيم ثقافية جديدة تتصل بالحضارة الغربية ولا ترتكز إطلاقًا على جذورنا الثقافية.
إن التيسير المطلوب والتوطئة المقصودة؛ تحتاج إلى أقلام تؤمن بعقيدة الأمة الإسلامية، وتُقِرُّ بجدوى تجديد روح الأمة وقيمها بالارتكاز على جذورها الحضارية والثقافية. ومن دون ذلك لن يكون التيسير إلا تشويهًا منظمًا وتخريبًا مقصودًا، ولن يثمر في تعميق الوحدة الثقافية للأمة بل سيزيد في الفصام، ويقوي التشتت والإحساس بالضياع وفقدان الهوية.
نعم، إن ثمة صحوة لابد من الاعتراف بها ومن تقويمها ..صحوة نحو إحياء التراث تختلف عن حركة (( الرينيسانس ) )الأوروبية بكونها تلتصق بالجذور القريبة، ولا تعاني من مشكلة حذف مرحلة تاريخية معينة كما حدث لحركة الإحياء الأوروبية؛ إن هذه النظرة الإيجابية التي تتسم بها حركة الإحياء الإسلامية الحديثة ذات أثر عميق في التعامل مع التراث . .
ولعل من المظاهر القوية لهذه الصحوة: الإقبال الكبير على تحقيق النصوص التراثية ونشرها، تتعاون في ذلك المؤسسات الجامعية والعلمية والتجارية . . ورغم أن ذلك يتم بصورة عشوائية إلى حد ما؛ من حيث عدم الوضوح الاستراتيجي، وعدم تقديم الأولويات، بل عدم الاتفاق على قواعد نشر محددة، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى تكامل المكتبة العربية القديمة؛ مما يهيئ المجال أمام الباحثين للقيام بدورهم في التحليل والتركيب؛ بغية وصل الحاضر بالماضي، وفي الوقت نفسه دفع الحاضر إلى الأمام للِّحاق ببقية المتسابقين بالاعتماد على تقوية الجذور وتحديد الهوية خوفًا من الضياع في حلبة السباق . .
فلا بد أن تكون معالم الطريق واضحة، وأن تكون خُطا الأمة ثابتة واثقة، وأن يسودها روح التحدي للتخلف والتمرد على الواقع.
فالطفرات هي الوسيلة الوحيدة للَّحاق بالآخرين فضلًا عن سبقهم، وما دام الأمر كذلك فلا بد من دراسة التاريخ الحضاري العالمي وخاصة فترات الأزمات العصيبة التي مرت بالأمم، ولابد من أن تتحول الدراسات إلى روح عامة في الأمة ولا تقبع في مدارج الأكاديميين أو على رفوف المكتبات
ضرورة ترشيد حركة التحقيق العلمي للمخطوطات
لقد دخل إلى ميدان النشر تجار الكتب والطفيليون، فتم إخراج الكثير من المؤلفات بصورة سقيمة مليئة بالتحريف والتصحيف فضلًا عن الأخطاء الطباعية، وامتلأت جيوب هؤلاء بالمال على حساب التراث ومحبيه، حتى إذا اهتم العالم المتخصص بنشر كتاب ما بصورة علمية، وأمضى شطرًا من حياته في خدمته؛ وجد أن السوق تعاني من سياسة الإغراق التي يستخدمها التجار بحيث لا يجد لكتابه مشتريًا بعد أن اقتنى الناس نسخهم قبل صدور طبعته، ولا يكتفي التجار بذلك، بل هم يلاحقون كتابه حتى إذا رأوا نشره مجديًا اقتصاديًا حذفوا اسم المحقق وطبعوه، وأحيانًا صوروه وباعوه بثمن أقل؛ لأن كلفة التصوير وإمكانات الناشرين أقوى من المؤلف مما يُمكِّنهم من خفض الكلفة كثيرًا.
إن الطريق السليم لإنقاذ حركة النشر يتمثل في دعم المؤسسات المعنية لها بواسطة الترشيد العلمي أولًا، ثم التبني للنشر ثانيًا، ثم التكفل بالتوزيع ثالثًا، بحيث لا يتدخل المحقق في أعمال الطباعة والتسويق، وإنما تنحصر جهوده في التحقيق العلمي للكتاب وتسليمه للمؤسسة التي تتولى مكافأته وإخراج كتابه وتسويقه، ولا يقتضي ذلك أن يتضخم جهاز المؤسسات؛ إذ يمكن أن تتعامل مع دور النشر وفق شروط مناسبة، وسوف تكون أقوى بكثير وأقدر على فرض شروطها من المحقق.
إن مشاكل الكتاب كثيرة، وقد استمرت معاناة المؤلفين والمحققين منذ مطلع هذا القرن دون أن تتمكن الجهات المتخصصة من القيام بالمحافظة على حقوقهم المعنوية والمادية وحل المشكلات التي يعانون منها، وأبرزها: جشع معظم الناشرين، وقدرتهم على ابتزاز المحقق بحيث ينالون معظم الربح، ولا يبقى له إلاَّ اليسير. وكذلك (( الروتين ) )القاتل في المؤسسات الرسمية وعدم ارتفاعها إلى مستوى المسؤولية. ثم عدم وجود اللوائح القانونية الكافية لحفظ حقوق التأليف والتحقيق.
وكثيرًا ما يتولى إدارة هذه المؤسسات رجال لا علاقة لهم بالعلم ولا بالكتاب.
إن كثيرًا من الكتَّاب يركزون على ضرورة إخراج المخطوطات إلى حيز المطبوعات محققة بصورة علمية (مع عدم الاتفاق على الشروط العلمية المطلوبة أو تفاصيل المنهج المراد اتباعه ليكون التحقيق علميا ً) ، وهذا الهدف وإن كان مطلوبًا؛ لكنه ينبغي أن يسبق بدراسات تفصيلية لسائر المخطوطات، وجدولتها حسب الفنون أولًا، ثم حسب الأهمية ثانيًا، مع بيان مدى خدمة كل مخطوطة للفن الذي أُلِّفت فيه. إن هذه الدراسات ينبغي أن تتقدم تحقيق المخطوطات، لأنها الطريقة الوحيدة لترشيد عمل المحققين، وإبعاد حركة التحقيق عن السقوط في المتاهات، والتخبط بين ملايين المخطوطات، وإخراج بعضها وإهمال بعضها الآخر دون انتقاء علمي مبني على دراسات عميقة متخصصة . .