ومن المؤلم أن نرى مثقفين ينتمون للإسلام ، من أشدِّ الناس طعنًا في خاصرة المسلمين ، مع انعدام المحافظة على خصوصيات المسلمين ، واستقطاب الوافدات الغربيَّة المغايرة للمنهج الإسلامي، ولهذا فإنَّا نجد بعضهم يناكف الجدل، ويلاسن المحافظين على هويَّة الإسلام بقولهم: ليس هناك شيء اسمه الغزو الفكري بل ما يسمَّى بذلك فهو وهم لا حقيقة له ، ولا ينبغي في نظرهم أن نعبأ بهذه المصطلحات ؛ لأنَّنا بنظرهم نعيش في قرية واحدة و كل يستقي من الآخر، ويرتشف ويمتزج مع ثقافته!
ولو نظرنا في ثقافة وتاريخ غيرنا من الأمم الكافرة لوجدنا أنَّهم من أحرص الناس على هويتهم ، فمثلًا بعض الدول الأوروبيَّة لم تدخل إلى الآن في الاتحاد الأوروبي بسبب محافظتها على هويتها وخصوصياتها.
وهاهم اليابانيون حين ضربتهم أمريكا بالقنبلة النووية ودمَّرت ناجازاكي وهيروشيما ، رأوا أنَّ من أسباب ضعفهم عدم قدرتهم على مواجهة الأمريكان ، وقلَّة المعلومات التقنيَّة التي لديهم ؛ فأرادوا تحقيق المناعة واستقطاب المعلومات التي يجهلونها فأرسلوا البعثات للتعلم في بلاد الغرب والنهل من علومهم الطبيعية ، حتى يرجعوا إلى اليابان وينقلوا على أرضها تلك التجارب الغربية الطبيعية فتنهض دولتهم ، وحين بعثت أول بعثة يابانية إلى دول الغرب رجعوا إلى بلادهم متحللين من مبادئهم ، ذائبين في الشخصية الغربية ، فما كان من اليابانيين إلاَّ أن أحرقوهم جميعًا على مرأى من الناس في طوكيو ، ليروا عاقبة من تنكر لأمته وقيمه ، ولم يرعَ المسؤولية التي أنيطت به ، وبعد ذلك أرسل اليابانيون بعثة أخرى ، وأرسلوا معها مراقبًا يراقبهم أولاَّ فأول ، من ناحية ثباتهم على عقيدتهم وخصوصياتهم البوذية ، ومراقبة انهماكهم في استقطاب واجتذاب المعلومات التي يجهلونها لينقلوها في واقع بلادهم ، وتمضي الأيام وتكون اليابان من أكبر الدول التقنية في العالم أجمع ، بل والمنافسة والمسابقة لأمريكا وأوروبا في كثير من التخصصات التقنية.
فهل يعي مثقفونا أهمية المحافظة على الخصوصية والهوية الخاصَّة بالأمة الإسلامية ، ويرعوا هويتهم حقَّ رعايتها ؟!
9ـ الشعور بهموم الأمَّة المسلمة ، والاعتناء بشأنها العام ، والانضواء تحت رايتها ، والعمل على تحريك واقعها لإيجابيَّة فعَّالة ، مع مناصرة المثقف لثقافة المقاومة ، و المجاهرة بأهميَّة مواجهة المحتل الذي يضرب بأطنابه يومًا بعد يوم في ديار الإسلام ، وفضح مخطَّطاتهم ، وتبيين سبيلهم الإجرامي ، ومكافحة كيدهم ، والمجاهدة له جهادًا كبيرا.
وإذا كان جان بول سارتر يقول: مهمَّة المثقفين الأولى إزعاج السلطات والطغاة، فإنَّه سبحانه وتعالى يقول: (وجاهدهم به جهادًا كبيرًا) ويقول: ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرّض المؤمنين على القتال) .
فالمثقف يتبنَّى المقاومة ، وينضوي تحت لوائها لعلَّه يكون من أنصارها بالحجَّة والبيان ، إن لم يكن من أنصارها بالسيف والسنان ، وقد كان رسول الهدى عليه الصلاة والسلام يقول لحسَّان بن ثابت: ( اهجهم وروح القدس معك) ويقول: ( إن شعرك أشد عليهم وقعًا من وقع النبال) فإنَّ لحديث ولكتابة المثقف المسلم الملتزم صدى قويًا وكبيرًا في هذه الأيام عبر وسائل الإعلام بكافة أطيافها.
10ـ التواصل مع الغير أو الآخر مع الحصانة الفكرية الراسخة عنده ، وبناء ثقافة الممانعة والمناعة في تكوينه الفكري ، وهذا ما يؤكِّد أهميَّة تلقي العقيدة تلقيًا أوَّليًا قبل نيل أيَّة ثقافة ، وذلك لأنَّ كثيرًا من المثقفين تكون القاعدة الصلبة العقدية لديهم ضعيفة ما يؤدِّي إلى الوقوع في مزالق فكرية خطيرة.
ومن جميل ما أوصى به شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذه الإمام ابن القيم قوله: (لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلاَّ بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه) .
نعم ... من الحسن أن يكون لدى المثقف عقلية الاستيعاب لفكر الآخرين ، والارتشاف من علومهم ، والاستقطاب من أفكارهم ، ريثما أنَّه من المهم أن يكون على حذر من الوقوع في انحرافاتهم ، فيكون حاله كمن يبني قصرًا ويهدم مصرًا .
ومن هذا القبيل ما ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد أنَّ ابن المبارك كان خارجًا للجهاد في سبيل الله ، وكان يتأسَّى على الأيام التي فوتها بقرض الشعر ، ويقول فوَّتنا أيامًا في قرض الشعر ونظمه وتركنا هذا العمل العظيم ـ يقصد الجهاد في سبيل الله ـ ثمَّ مرَّ بجانبه سكران ، قد رفع صوته يغني قائلًا:
أذلني الهوى فأنا الذليل * وليس إلى الذي أهوى سبيل
فأخرج ابن المبارك رزنامجا ( أي ورقة) فكتب البيت ، فقال له أصحابه: أتكتب بيت شعر سمعته من سكران ؟! فقال: أما سمعتم المثل: ربَّ جوهرة في مزبلة!
وصدق ! فلا يضر أن يأخذ الإنسان من علوم غيره ومن أفكارهم مع ما عند بعضهم من فساد في الفكر وخلل في الاعتقاد وقصور في السلوك .
وقد أخذ أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ آية الكرسي من الشيطان ، وحين علم رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بذلك قال: صدقك وهو كذوب.
وكفى بقوله عليه الصلاة والسلام: ( الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها كان أحق الناس بها) أخرجه الترمذي.
11ـ المثقف صاحب فكر وهدف ، باحث عن الحقيقة شجاع في اكتشاف المجهول ، لا يرديه قول قائل ، ولا تخذيل مخذل ، بل يجهد نفسه للوصول إلى المطلوب ، ليحقق طموحاته وأهدافه ، وقد قيل:
وما نيل المطالب بالتمنِّي * ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
12ـ المواكبة للعصر ، والوعي لظروفه ، وتقديم الإسلام بلغة يفهمها أهل العصر بدون غلو وشطط ، أو تخاذل وغلط .
لعل هذه بعضًا من صفات المثقف الحريص على شخصيّته لتتوائم مع فكره وسلوكه ، والله من وراء القصد ، وهو الهادي إلى سواء السبيل .
دور المثقف .... جهود لا ركود
خباب بن مروان الحمد
كتبت في حلقة سابقة حول صفات المثقف ، مبينًا بأني أقصد مخاطبة المثقف المسلم ، وذكَّرت بأهمِّ الصفات التي يتأكد على المثقف المسلم أن يتحلَّى بها ، حتَّى يكون متميزًا عن غيره من المثقفين العاديين ، وهذه الحلقة مكمِّلة وموضحة لدور المثقف ومسؤوليته تجاه نفسه وأمَّته ومجتمعه ، والله من وراء القصد
إن المثقف الحق هو من يقوم بدوره كاملا وذلك عبر التحمل والأداء فإن قيمة المعلومات التي اختزنها والمعرفة التي أتيح له الاضطلاع عليها = لن تظهر إلا حين يؤدي زكاة ما جمعه وما اكتنزه من ثقافة امتدت على طول سنوات الخبرة في جامعة الحياة ، ولن يشفع له أنه قارئ نهم أو مطلع بل عليه أن يعطينا ثمار معرفته وإلا كان علمه مما يتعوذ منه فقد استعاذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من علم لا ينفع .
إنَّ للمثقف دورًا كبيرًا في واقع الناس ودنياهم ، لأنَّ المثقف الذي جمع من المعلومات قسطًا كبيرًا ، ينبغي ألاَّ يقتصر على الجمع والاستقصاء والارتشاف والاستقاء للمعلومات فحسب ، بل يطمح بأن يكون له دور ريادي في إصلاح الواقع الذي يعايشه ، وعدم اعتزاله ، وفي هذا المقال أستكمل الحديث موضِّحًا لدور المثقف في المجتمع...
ووظيفته في بثِّ أفكاره ...
ومسؤوليته أمام الله حول المعلومات والعلم الذي استقاه ، و كيف يبلوره لواقع عملي
وما دور المثقف في الأزمات والملمَّات التي تقع على الأمَّة المسلمة