فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 3028

إنَّ المثقف عليه أن يعي ضرورة انسجام ظاهره وباطنه مع بعضهما البعض ، أمَّا إن كان ظاهره يخالف باطنه أو العكس ، فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى انفصام بالشخصيَّة ، ويعني ذلك أنَّ المثقف لم يتشرَّب حقيقة الثقافة ومعانيها.

2ـ التكامل والتوازن ، فالمثقف المسلم رجل متوازن في ثقافته ، متكامل في بنائه الثقافي والمعرفي ، فلا يقتصر على فن أو ثقافة بعينها ، بل يأخذ من كل فن شيئًا ، وإن أحبَّ أن يتخصَّص في علم فليأخذ من هذا العلم كل شيء ، كما يقوله الإمام أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ .

وليعلم أنَّ هذا البناء المتواصل في ثقافته ، سيعود بالدرجة الأولى على تكامل شخصيته ، ويعرف أنَّ وراءه علمًا ومعرفة وثقافة كثيرة يجهلها ، فكلَّما اتسعت دائرة المعلوم كلَّما اتسع من وراءها دائرة المجهول ، وقد أحسن من قال:

كلَّما أدَّبني دهري *** أراني نقص عقلي

وإذا ما ازددت علما *** زادني علمًا بجهلي

3ـ الصبر والمثابرة على نيل الثقافة ، فالثقافة تؤخذ من المهد إلى اللحد ، ومن المحبرة إلى المقبرة ، ولا يزال المرء يتعلم ويتثقف حتَّى إذا ظنَّ أنَّه لا يحتاج إلى العلم والثقافة والادَّخار المعرفي فقد جهل كما قاله علماؤنا.

وقد قال تعالى: ( والله أخرجكم من بطون أمَّهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) وهذه الثلاثة ( السمع ـ الأبصار ـ الأفئدة) هي الأدوات التي تنال بها الثقافة وتستوعب ، والتي حثَّ الله ـ سبحانه ـ على الارتشاف من قبلها لأي ثقافة أو معلومة تهم المرء المسلم.

فعلى من يريد استقاء الثقافة ، والارتشاف من بحرها المائج ألاَّ يقنط ولا يمل بل يصبر ويصابر ، ويجتهد في نيل المطالب الثقافية العلى ، ومرامي المعلومات العليا ، ليقوى باعه ، ويصلب فكره ، وتُصقل نفسه ، وقد سئل أديسون ـ مخترع الكهرباء ـ كيف نلت العلم والمعرفة فقال: 99% عرق جبين ، و1% ذكاء .

لقد تعلَّم هولاكو من نملة وتثقَّف منها المضي والإصرار على نيل الهدف المرسوم ، فقد كان جيشه من أقوى الجيوش في عصره ، إلاّ إنَّه في معركة من معاركه التي خاضها هُزِمَ جيشه فرجع كئيبًا يائسًا ، وجلس يفكر في خلوة بينه وبين نفسه وهو جالس على الأرض ، وفي وقت تفكيره عن أسباب الهزيمة ، التفت عن يمينه فرأى نملة واقفة على صخرة ملساء وكلَّما صعدت انزلقت مرّة أخرى وتواصل صعودها وانزلاقها مدَّة 17 مرَّة، فتحرَّكت همَّة هولاكو وقال: ( لن أجعل هذه الحشرة الحقيرة تكون بهمَّتها أفضل منِّي) فقام وأكمل قتاله وهزم عدوَّه الذي كان يحاربه .

فالقضيَّة تحتاج لمثابرة ومواصلة ، وبذل وعطاء من قبل نفسك ، لترى ما لديك من معلومات تفرحك وتسعدك إن احتجت إليها .

4ـ الإيجابيَّة والفاعليَّة في العمل لهذا الدين ، والعملية في تطبيق الأفكار لتكون غير مختزنة في العقل ، بل تكون منتقلة ومتدحرجة (من عالم الأفكار إلى عالم الأشياء) كما كان يعبِّر الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله عن ذلك في الكثير من كتبه.

والإشكالية في كثير من مثقفينا المسلمين قلَّة اندماجهم في عالم الواقع ودنيا الناس ، بل حديثهم وكلامهم مع النخب المثقَّفة ، وأحيانًا ينشغلون في جدل لا طائل من ورائه.

5ـ الاستقلاليَّة والبعد عن العصبيَّة الضيِّقة العمياء ، التي تعطي للمثقف ضيقًا في الأفق ، واضمحلالًا في التصور ، والسطحيَّة في الرؤية ، وقد شاهد بعضنا كيف أنَّ جماعة النور في تركيا تحظر على أتباعها والمنتمين لها ألاَّ يقرءوا إلاَّ في كتب قادتها ، فصارت في رؤاها وتصوراتها غير منضبطة ، ممَّا أدَّى لبعض منتسبيها إلى أن يستقلَّ عنها ليكمل بناءه الفكري ، وطوابقه الثقافيَّة.

ومن الاستقلاليَّة أن يكون المثقف حرًَّا في آرائه بدون تأثيرات داخليَّة أو خارجيَّة أو جانبيَّة ، فله رأيه الخاص المنطلق من عمق معرفته ، وقوَّة ثقافته ، وسعة إدراكه ، فلا يكون للسلطة مثلا تأثير على رأيه ، ولا يكون لعوام الناس والجماهير الحاشدة تأثير على رأيه مادام أنَّه مبني على المنهجيَّة والموضوعيَة تحت ضابط الكتاب والسنَّة المطهرة.

6ـ المنهجيَّة والموضوعيَّة والبعد عن العشوائيَّة والمزاجيَّة ، مع عمق التحليل، وأن تكون له عقلية التصور الناضج لآليات المعرفة والثقافة ، لتكون آراؤه ذات ضبط وانضباط ، بلا شطط أو انفراط .

فمهم للمثقف أن يكون ذا معرفة بأصول التخطيط ، وهندسة الأفكار ، وإدارة نظم المعلومات ، ليستوي باعه ، وتنضح معرفته.

ومن الحسن أن يربِّي المثقف في شجرة المعارف التي ينمِّيها في شخصيته ، مهارة التحليل والتركيب في عقليته ، وكيف يستقي المعلومة ، ومن ثمَّ يحلِّلها ويفقِّطها إلى عدَّة تراكيب ، ويفهم كل معلومة على حدة ، ومن ثمَّ يعيد بناء المعلومة في ذهنيته بالشكل الصحيح لتكون مبنيَّة ومستوعبة بتفكر وتدبر.

أمَّا أسلوب التلقين الببغائي فإنَّ هذا أمر لا يصنع تلك العقليَّة المبدعة ، ذات النهج الموضوعي ، والفهم العميق ، بل لابد أن يمتلك المثقف العقلية التي تهتم بفرز الأفكار ودراستها ، واستخراج الحسن من الرديء الذي يلفًّها ، وقد قيل الإمام أبو حاتم الرازي: إذا سمعت فقمِّش ، وإذا حدَّثت ففتِّش .

7ـ القراءة الواسعة في كتب المعارف والمعلومات بشتَّى أنواع العلم من شريعة وعلوم عربية ولغوية وفلكيَّة وهندسية وفكرية وتربوية ونفسية واجتماعية وتجارية وصناعية وطبية وعلوم الطاقة والتاريخ والجغرافيا وعلوم الأرض إلى غير ذلك من علوم رب الكون ، أو معارف الأرض التي اكتشفها بنو الإنسان.

ومن الجدير بمكان التذكير بأنَّ المثقف ليس شرطًا أن يكون جامعيًا فإنَّ 90% من حاملي الشهادات الجامعية غير مثقفين ، وقد نجد هناك من لا يحمل شهادة جامعية وعنده من العلم والثقافة أضعاف ما لدى بعض من يتَّسم بالثقافة والمعرفة من حاملي الشهادة الجامعيَّة ، وليس هذا يعني عدم أهميَّة نيل الشهادة الجامعية فإنَّ هذا أمر لا يُجادلُ فيه !

إنَّ من المهم مواصلة اطِلاع المثقف على كنوز المعلومات ، وذخائر الكتب ، وزيارة قلاع المعرفة ، والاطِّلاع على ما فيها من كتب ومخطوطات .

وحقًَّا فإنَّه كما قيل: (أمَّة اقرأ لا تقرأ) فقلَّة قليلة من الناس هي التي تقرأ ، وما دمنا نطلب ثقافة تزداد ولا تضمحل ، فيتأكَّد الحث على المواصلة في الاستقاء المعرفي والثقافي ، وعدم الإبقاء على المعرفة الذاتية التي أخذها الإنسان بعد برهة من الزمن ، فالعلم البشري كثيرًا ما تتغيَّر أسسه وقواعده ومعلوماته ، فما البال بالثقافة فمن المؤكد أنَّ شيئًا منها سيتغيَّر فترة بعد أخرى ، ومن جميل الأقوال: إن الطبيب الذي لا يقرأ ويتابع الجديد في اختصاصه يصبح نجارًا !

8ـ المحافظة على الهويَّة الإسلاميَّة ، والاعتزاز بهذا الدين العظيم ، فقد رأينا كثيرًا من المثقفين العرب ، يكفرون بهويتهم ، وينقلبون على واقعهم الإسلامي بالهمز واللمز ، بل ويذوبون في المشروعات الغربيَّة المناهضة للمشروع الإسلامي.

فمن المهم ألاَّ يكون المثقف متشبهًا بأعداء الإسلام ، بل يعتز بهويته وقيمه وخصوصياته ، ولا يرتضي التهجّم المناوئ للثقافة الإسلاميَّة أو أن تخترق حصونها ، أو تهدد قلاعها.

ومن المزعج أن نجد بعض المثقفين المنتسبين للدين الإسلامي يمالؤون كفَّة أعداء الإسلام ، ويكونون مروجين ومؤيدين للفيل الأمريكي كحال أبي رغال مكَّة الذي مهَّد لجيش أبرهة الثرى لهدم الكعبة الشريفة بحجج ساقطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت