والازمات بين الشمال والجنوب لن تنتهي فقد اعلنت وزيرة النقل والطرق في حكومة الجنوب ربيكا قرنق في لقاء جمعها بالطلاب الجنوبيين بولاية تنسي بامريكا ابان زيارتها لها عن اهمية اجراء تعديلات في الحدود بين شمال وجنوب السودان نسبة للمصالح في مصادر الطاقة الموجودة في الجنوب، وهي بذلك تقفز فوق اتفاقية السلام التي تجعل حدود الجنوب هي حدود 1/1/1956م ، ويفهم من قولها ان حدود النفط وحقوله هي حدود الجنوب في وقت قطع فيه النائب الاول للرئيس سلفاكير مارديت ببقاء الحدود وفقًا لـ (1956/1/1) وهو بذلك يتفق مع رؤية المؤتمر الوطني وكل الشماليين ولكن قضية ترسيم الحدود الي باشرت اللجنة المكونة من اجل هذا الغرض عملها باول إجتماع لها الاسبوع الماضي ،وهي لجنة تتكون من 16 عضو وتتكون من ممثليين لحكومة الجنوب ووزارة المالية والعدل والدفاع وممثليين لولايات التماس بالاضافة لخبرا ء ومهنيين .. يعترض هذه اللجنة ومهمتها الجسيمة كما يبدو من تشكيلها ؛أن عقبات كثيرة تنتظرهامنها: حدود منطقة أبيي وتبعيتها ورفض حزب المؤتمر الوطني لتقرير لجنة الخبراء بشأن قضية ابيي باعتبار ان التقرير خارج عن التفويض الممنوح لها وقال د.نافع علي نافع: أن الحكومة ليست معنية به. ولكن الجانب الآخر يصر عليه وخاصة ابناء منطقة أبيي من دينكا نقوك والمنضوين تحت لواء الحركة الشعبية بالاضافة ما تمثله أبيي في مشروع النفط في المنطقة .العقبة الثانية ،اعتبار خط عرض مستقيم هو الحد الفاصل بين الشمال والجنوب ،والمنطقة وتشهد تداخلا بين القبائل الشمالية والجنوبية حتي لا يكاد المدقق يفصل بينها لا جغرافيا ولا عرقيًا ،فولاية اعالي النيل تطل برأسها شمالا حتي لنها تجاور ولاية جنوب كردفان من شرقها وولاية النيل الازرق من غربها ،وهما ولايتان شماليتان ، ومثلها ولاية الوحدة ، وهناك ولاية شمالية تمتد جنوب الخط الفاصل المتفق عليه ، بالاضافة لديار القبائل المعروفة تاريخيا الموزعة بين الجهتين ، وأهمية ترسيم الحدود تظهر في قول تصريح سلفاكير في تصريحات له بمطار جوبا إن ترسيم الحدود سيساعد في تحديد ابار النفط والاحصاء والتعداد السكاني بجانب تحديد المواقع التي ستنسحب منها القوات ا لمسلحة وجيش الحركة كما تنص اتفاقية السلام بالاضافة الي أن يعين علي اجراءات تقرير المصير في اشخاصه وحدوده
ولكن شروع لجنة الحدود قبل الاتفاق علي ابيي علي الأقل قد يفضي الي حرب في تلك المنطقة وقد يؤدي لانهيار اتفاقية السلام تمامًا.
أبوبكر سليمان الشيخ*
دستور السودان مقدمة
شهد السودان منذ استقلاله تجارب دستورية عديدة، تكشف عن حالة الاضطراب التي يعيشها، وأزمة الحكم التي تكتنفه، فقد وضع أول دستور في عام 1956 بُعيد الاستقلال حين اعتمدت الوثيقة التي أعدها ( ستانلي بيكر) دستورا للبلاد،إلا انّه ما لبث أن عطل بواسطة الحكم العسكري الأول في نوفمبر 1958، و عقب ثورة أكتوبر في 1964 ادخلت بعض التعديلات على دستور 1956 ليصبح دستورا للعهد الديمقراطي، وطرحت الأحزاب السياسية حينها مسودة (الدستور الاسلامي ) علي الجمعية التأسيسية لكنها أُجهضت بانقلاب مايو في عام 1969 ، وإبّان (ما يو) اجيز الدستور الدائم [1] الذي تعرض هو نفسه لتعديلات جوهرية [2] تلبية للتوجه الاسلامي الذي تبناه النظام ،وما انتهت (مايو ) [3] الا وألغي دستورها ووضع دستور انتقالي جديد في عام 1986 لكنّه عُطل هو الآخر في 30 يونيو 1989 بقيام ثورة الإنقاذ التي أجازت دستورها في 1998، ومما يجدر ملاحظته أنّ كل عهد ـ سيما العهود العسكرية ـ يبشر بدستور دائم لكن سرعان ما يكون عرضة للتبديل والتغيير والالغاء .
السلام والدستور:
لقد فرض اتفاق السلام ( [4] ) بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان واقعا جديدا عبّر عنه الفريق البشير (باعادة هيكلة الدولة السودانية ) ، ووصفه جون قرنق (بالسودان الجديد) ،والناظر المتأمل في نصوص الاتفاق يجد ما عبّر عنه البشير أو وصفه قرنق أمرا ماثلا شاخصا يكاد أن يتحقق.
لقد قضى اتفاق السلام بوضع دستور يحكم الفترة الانتقالية حتي يكتمل وضع دستور دائم للسودان، وجعل الاتفاق اتفاق السلام نفسه و الدستور الحالي لسنة 1998 مرجعا وأساسا لدستور الفترة الانتقالية، على انه نصّ في حالة تعارض اتفاق السلام مع الدستور الحالي فإنّ نصوص الاتفاق تسود علي نصوص الدستور، وهذا يعني أن دستور الفترة الانتقالية أضحى واضح الملامح، بيِّن القسمات، فالقيد الذي اتفقت عليه الحكومة السودانية والحركة الشعبية (اتفاقية السلام~ودستور 1998) لا يتيح مساحة تذكر لأدنى إضافة أو تعديل تناقض ما اتفق عليه، بل يمكن القول بأن مهمة اللجنة القومية للدستور التي يتوقع تشكيلها لن تتعدي المسائل المتعلقة بفن الصياغة والتبويب.
دستور 1998
يوصف دستور 1998 الذي تضمن (140) مادة بحسن التوبيب مقارنة باتفاق السلام الذي حوي نصوصا كثيرة غاصت في تفاصيل معقدة، فهو يصلح لان يكون إطارا (من حيث الشكل والتبويب) لدستور الفترة الانتقالية الذي يفترض أن تتناول نصوصه الكليات العامة التي تحكم الدولة.وفي ظني أنّ الدستور الحالي سيسود من حيث (الشكل والتبويب ) بينما يسود اتفاق السلام من حيث المعنى و المضمون و ذلك هو الأهم. و ستكون المهمة الأولى للجنة دستور الفترة الانتقالية هي البحث عن النصوص المتعارضة بين اتفاق السلام والدستورالحالي لتقوم بإزالة هذا التعارض وذلك بإحلال ما حواه اتفاق السلام من نصوص.
وسأورد في عجالة أهم النصوص المتعلقة بالمبادئ الموجهة للدولة ( [5] ) في الدستور التي تتعارض مع الاتفاق . و أهمها هو:-
أولًا: اللغة:
نصت المادة (3) من الدستور على أن (اللغة العربية هي اللغة الرسمية في جمهورية السودان ....وتسمح الدولة بتطوير اللغات المحلية والعالمية الأخرى)
أما المادة 2-8-1 من اتفاق قسمة السلطة فقد جاء فيها:-
( تعتبر جميع اللغات المحلية لغات قومية يجب إحترامها وتنميتها وتعزيزها.)
( تكون اللغة العربية بإعتبارها اللغة الرئيسية علي الصعيد القومي واللغة الإنجليزية، اللغتين لأداء أعمال الحكومة القومية ولغتي التدريس في التعليم العالي. )
( علاوة على العربية والإنجليزية يجوز لهيئة التشريع في أي مستوى من مستويات الحكم إعتماد أية لغات وطنية أخرى كلغات عمل رسمية على مستواها.)
( لا يجوز التمييز ضد إستخدام أي لغة منهما على أى مستوى من المستويات الحكومية أو التعليمية..)
ثانيًا: الحاكمية و السيادة
تنص المادة (4) من الدستور الحالي على أن (الحاكمية في الدولة لله خالق البشر والسيادة فيها لشعب السودان المستخلف، يمارسها عبادة لله وحملا للامانة وعمارة للوطن ..وبسطا للعدل والحرية والشوري ...وينظمها الدستور والقانون )
يقابل هذا؛ النص 1-4-1 من اتفاق قسمة السلطة وهو نص يتعارض مع النص المضمن في الدستور ( الإقرار بسيادة الأمة المجسدة لشعبها وبالحاجة إلى الحكم الذاتي لحكومة جنوب السودان والولايات في جميع أنحاء السودان،)
ثالثًا: الدفاع عن الوطن