أيها المسلمون، إذا اقترب رأس السنة الميلادية ترى الناس يستعدون لها باقتناء الهدايا والمأكولات والمشروبات الحلال والحرام والملابس ولُعب الأطفال، فيزدحمون أمام أبواب المتاجر وعلى الحلاقين ومحلات التصوير، أما إذا حلت الليلة الموعودة سهروا إلى وقت متأخر من الليل في الفنادق والبارات وفي الشوارع والبيوت على الخمر و الرقص والرجس والغناء، ومع البغايا على الزنا والمنكر، وهذه أمور محرّمة دائما، وتزداد حِرمة ونكارة وشناعة حين تُقتَرف تقليدا للنصارى، وعامة الناس يُحْيون هذه الليلة بتناول الحلويات وتبادل الهدايا والتهاني والتبريكات وإقامة الحفلات وتزيين الدور والمحلات بالأضواء الكهربائية والصوَر وكلمات التحية المكتوبة المحبوبة ومتابعة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة المسمومة التي تواكب هذا الحدث الصاخب العاطب، حيث تنظم سهرات الغناء والرقص والفحش والمجون لإغواء المشاهدين وإفساد المستمعين، زاعمة أن ذلك لإسعادهم والترويح عنهم، فترى في هذه الليلة المسهورة المسعورة المنكرات والفواحش والفواجع، ترى الخمر يباع ويُشْرب علانية، يسيل وديانا، وترى الزناة مفضوحين، وتسمع المعربدين يصيحون كالكلاب، يقلقون الناس ويسبّون ويشتمون، ويتلفّظون بالكلام الساقط الهابط، وترى القبلات والعناقات، وتسمع الموسيقى الصاخبة المائعة التي تُؤَرّقُ العيون الهاجعة وتؤذي أصحاب القلوب الخاشعة، وترى الشرّ أينما وليت بوجهك، ترى الناس يَختمون سنتهم الميلادية المنقضية بالشر، ويبدؤون الجديدة بالمنكر والضلال، يقع كل هذا تحت حماية ومراقبة من كلّفوا بتحقيق الأمن في البلاد وحماية الرذيلة وحراسة الأراذل، كي تمرّ الليلة في تمام المعصية دون إزعاج من أحد. فكم يقع في هذه الليلة من مصائب وحوادث وأضرار ومعارك بين السكارى النُّدماء، فتسيل الدماء وتسقط الأرواح وتهتك الأعراض وتضيع الممتلكات وتقع عمليات السرقة والنهب!
أيها المسلمون، إن هذه محرمات وضلالات حرمها الشرع الحنيف، وحذر منها علماء الإسلام من جميع المذاهب، وأفْتَوْا بتحريمها، لما فيها من تشبّه بالكفار والضالين، يقول الله جل شأنه في سورة المائدة: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77] ، ويقول الله عز وجل في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] ، ومعنى الولاية المذكورة في الآية إظهار النصرة والمحبة والاتباع والتقليد لهم في منهاج حياتهم. عن النبي أنه قال: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )رواه أبو داود عن ابن عمر، وقال عليه الصلاة والسلام: (( لتتبعن سَنَن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ) )، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (( فمن؟! ) )رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري.
فيجب على المسلمين مقاطعة هذه المنكرات والابتعاد عنها وعدم الاحتفال برأس السنة الميلادية، بل واعتبارها يوما عاديا من أيام الله؛ لأنه ليس من أعياد المسلمين، ويجب حثُّ الأبناء والأهل والجيران على الابتعاد عن كل ما يُرتَكَب فيها وإظهار شناعة ذلك وإبراز سلبياته وأضراره على الدين والأخلاق والحياة، ويجب على المسلمين أيضا أن لا يكونوا إمّعات لا إرادة لهم، إن أساء الناس أساؤوا، وإن أحسنوا يحسنوا، بل عليهم أن يوطنوا أنفسهم، ويستقيموا على دينهم، ولا ينحرفوا مع المنحرفين، كما روي عنه عليه أزكى الصلاة والتسليم أنه قال: (( لا تكونوا إمّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أحسنوا، وإن أساؤوا أن لا تظلموا ) )رواه الترمذي عن حذيفة وقال:"حديث حسن غريب". والإمّعة هو من لا رأي له حيث يقلّد كل أحد دون أن يستعمل عقله، ولكثرة ما يقول: أنا مع الناس سمي: إمّعة.
أيها المسلمون، كان رسول الله يحرص كل الحرص على أن تخالف أمته اليهود والنصارى في كل شيء، حتى قال عنه اليهود أنفسهم: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! رواه مسلم عن أنس. وإذا كان اليهود والنصارى يتجاهلون أعيادنا ومناسباتنا ولا يحتفلون بها، بل يستهزئون بها، فما بالنا نحن نحتفل بمناسباتهم ونحييها على سنتهم؟! ولم يرض عنا النصارى يوما من الأيام ما رضُوا عنا في هذا الزمان مصداقا لما أخبر به الحق سبحانه: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] . ولقد صدق الرسول عليه السلام حينما أخبر بظهور المقلدين من أمته فقال: (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ) )، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (( ومن الناس إلا أولئك؟! ) )رواه البخاري عن أبي هريرة.
فكيف يَصحّ في عقل مسلم أن يوافق هؤلاء الضالين في غيهم ويشاركهم في احتفالاتهم وموبقاتهم في بيته ومتجره أو يذهب إلى بلادهم في رحلات سياحية عابثة يضيع فيها المال والأخلاق فيعود فاسدا خاسرا؟! قال عبد الله بن عتبة:"ليتَّق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر".
إن المنهزمين من بني جلدتنا يندفعون إلى تقليد الأوروبيين في كل عاداتهم، فترى المترفين في رأس السنة يهتمون بها اهتماما بالغا، فيلبسون أفخر الألبسة ويتناولون أشهى الأطعمة والأشربة ويتبادلون أثمن الهدايا وأجمل التهاني والتحيات والتبريكات ويأخذون لأطفالهم صورا مع (بابا نويل) بقناعه الكاريكاتوري ولحيته البيضاء وجبته الحمراء وعصاه الطويلة للتبرُّك، الأمر الذي يدل على مسخ الشخصية وذوبانها والانهزامية والتزعزع في العقيدة والدَّوران في فلك التّبَعية الذليلة العليلة للحياة الغربية المادية الطاغية الباغية، وهذا ما لا يرضاه لنا ديننا الحنيف النظيف.
ها أنتم ـ أيها المسلمون ـ سمعتم توجيهات من كتاب ربكم وسنة رسولكم فيمن يقلد اليهود والنصارى في بهتانهم، فماذا أنتم صانعون؟! هل ستستمرون في الاحتفال بضلالهم أم مطلوب منا الأخذ بأيدي إخواننا المنخدعين بالنصارى المتابعين لهم وإسداء النصح لهم وحثهم على اتباع الشرع الحنيف وصراط الله المستقيم؟!
فلا بد من تصحيح تصورنا، ووقفة تأمل فيما نحن سائرون فيه، لا بد من مراجعة النفس وإرغامها على اتباع منهج الله وطريق الحق، فلا عزة لنا ولا كرامة لنا إن نحن سرنا في درب الظالمين والمغضوب عليهم وتنكبنا طريق الصالحين والمنعم عليهم.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4927)
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، لقد ظهر علينا في الآونة الأخيرة مصطلح جديد، كثر تداوله عبر وسائل الإعلام المختلفة، من إذاعة وصحافة وتلفزة وفضائيات وعلى الشبكة العنكبوتية، ومع الأسف صار يستخدمه أيضًا عدد من الدعاة والكتّاب المسلمين، ألا وهو مصطلح:"الآخر". وأصبحنا نسمع عن أهمية الحوار مع"الآخر"، وعن ضرورة الاعتراف بـ"الآخر"، وعن سماع وجهة نظر"الآخر"، ونحو هذه العبارات. ومن أجل"الآخر"عقدت ندوات ومؤتمرات.