فهرس الكتاب

الصفحة 2069 من 3028

الثانية اجتماعية: تتمثل في إعادة الثقة إلى الشرائح المحرومة من المجتمع بالاهتمام بها على مستوى ضمان خبزها اليومي، والعناية بصحتها وتعليمها، والتواصل معها في همومها اليومية.

* الأستاذ جواد بنامغار:

لا شك أن التمسك بالإسلام هو أساس وحدة الشعب المغربي عبر تاريخه كله، وهو أساس الأخوة والتكامل والتضامن بين جميع أفراده، لكن هذا المعنى شابته شوائب مختلفة - على مر السنين - أضعفت من قوته وفاعليته، فلا بد من تكثيف الجهود الدعوية، والتربوية، والعلمية والإعلامية؛ لبناء الإنسان القرآني الذي يجسد الإسلام حقًا على أرض الواقع.

وموازاة مع ذلك لا بد من محاصرة بوادر الخلاف والتفرقة، ومعالجة علل التدين، والتصدي للجهل بالدين الأساس أو تجاهله، وكذا التصدي لموجات الغزو الفكري، والإباحية الأخلاقية. لا بد من مواجهة كل هذا بالدعوة إلى الله ـ تعالى ـ على بصيرة، وعلى نهج الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار البناء مع كل مخلص غيور، والتعاون مع كل ذي نية حسنة تكثيرًا لسواد الخير وأهله، ومحاصرة لأهل البغي والفساد والإفساد.

ولا بد كذلك من نقد ذاتي صريح، وعلاج شامل متكامل؛ ذلك أن كثيرًا من الظواهر الفكرية والاجتماعية تجد لها عمقًا في الذات؛ فهمًا وممارسة وتعاملًا، وربنا ـ تبارك وتعالى ـ يقول: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد: 11] .

( البيان ) : نشكر السادة الأساتذة الفضلاء على قبولهم المشاركة في هذا الحوار العلمي القيم، ونشكرهم كذلك على صبرهم على أسئلتنا، وتفضلهم بآرائهم في كل ما تعلق بكلماتها، وبما وراء كلماتها.

لقد تبين إذن من خلال حديثكم القيم أن الإسلام هو الوعاء الطبيعي لكل نشاط ثقافي أو سياسي يرجى له النجاح في علاج مشكلات الأمة، وأن أي شذوذ عن الإطار الإسلامي إنما هو تحليق خارج سرب الأمة؛ فلا هو يمثلها وإنما هو يمثل نفسه خاصة، وأن الأمازيغية الحرة ترفض أن يتكلم باسمها الماركسيون اللينينيون، أو الفرنكوفونيون الاستئصاليون. وأن أي استغلال علماني لمظلتها إنما مصيره الإخفاق؛ لسبب بسيط هو أنه مناقضة لسنن الحضارة، وأصول العمران، وقواعد الاجتماع البشري؛ فالمغرب المعاصر الذي يستمد وجوده من التاريخ إنما كان يوم كان بهذا الدين؛ فقد تشكلت هويته عبر قرون من التراكم الثقافي والإثني في إطار الإسلام؛ فمنذ الفتح الإسلامي الذي وقع في القرن الأول الهجري، وهو يتشكل عبر تعاقب الدول والأجيال، لينتهي في الأخير إلى هذه الصياغة الحضارية التي مزجت بشكل عجيب ودقيق بين مكونات شتى، فكان هذا البلد كما هو حقيقة: المغرب المسلم! وكذلك هو الحال بالنسبة لدول الغرب الإسلامي عامة: ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا. فليس أحد أقدر على الاضطلاع بمشروع التجديد لثقافته - بمعناها الشمولي - من طلائع الصحوة الإسلامية، لكن إلى أي حد هي فعلًا على صلة وثيقة بهموم الناس وبنياتهم الاجتماعية؟ وإلى أي حد هي جادة في دراسة المآلات الاجتماعية والحضارية لما يقع للأمة اليوم من إعادة تشكيل عولمي؟

تلك أسئلة أخرى، لها قصة أخرى!

(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، جامعة المولى إسماعيل، مكناس، ومراسل مجلة البيان، المغرب.

(*) «الظهير البربري» الذي أصدره هنري يونسو بتاريخ 32/21/2531هـ الموافق 8/4/4391م كان يقوم على عزل مناطق العرف البربري عن الإدارة السلطانية القضائية والتعليمية، وتخصيصها بمحاكم عرفية لا ترجع في أمورها إلى أحكام الإسلام، بل إلى عرف القبائل! وبقي الظهير الاستعماري كذلك حتى ألغاه السلطان محمد الخامس الذي أعلن في مهرجان شعبي عقد بمدينة الخميسات: (أن ما أطلقت عليه فرنسا(مناطق العرف البربري) هي سياسة قد أقبرت وألغيت نهائيًا، ولم يبق العمل بها جاريًا في المغرب الحر الموحد والمستقل)، وبدأت بعد ذلك سلسلة من النصوص التشريعية تصدر على التوالي في الجريدة الرسمية، فكان أول ظهير شريف صدر منها هو الظهير رقم 1-1-0 - 56 - 1 المؤرخ بـ 42/7/5731هـ، الموافق 7/3/6591م، وهذا الظهير هو الذي ألغى الظهير البربري

من المسؤول عن تغريب الأدب وتذويب هوية الأمة الثقافية؟

محمد عبد الشافي القوصي (( *) )

منذ عقود خلت احتدمت المعركة بين «الحداثيين» و «المحافظين» وكانت ـ بالفعل ـ معركة حامية الوطيس بين دعاة الخروج على النص الحضاري (لغة وتراثًا وشعرًا) ، وبين رعاة هذا النص الذين رأوا فيه هويتهم فتمسكوا به، ووجودهم فدافعوا عنه في شجاعة وقوة.

واكتسب «الحداثيون» من خلال الزخم الإعلامي الوافد، والواقع العربي المعقد، اكتسبوا بريقًا في عصر «صناعة النجوم» ، لكنهم لم يكسبوا شرعية رغم كتائبهم المدججة بالمال والسلاح، فلم تتبلور لهم ملامح، ولم تتحدد لهم قسمات، بل هي نسخ مكرورة تزداد مع الزمن انغلاقًا رغم ادعاء التفتح، وغموضًا رغم كثرة ما شرحوا متونهم وفسروا رؤاهم في قصائد الشروح والحواشي، والتربيع والتدوير، لقد ظلوا رغم ما يملكون من قوى مادية يحسون بغربة في المسافة، وضيق في المكان، فصبوا غضبهم على التراث، وعلى قدراته في طبيعة الأرض التي ازدهر عليها، بالرغم من أنهم جميعًا ـ بالرغبة أو بالإكراه ـ أبناء هذا التراث، إن لم يصبهم من خيره وابل فطل.

لقد كانت لهم غاية لا صلة لها بجوهر الشعر ولا بالوعي النقدي التابع له؛ إنها دعوة إلى مقاطعة التراث، وقطع اللسان العربي، وإعلان الحرب على الخليل في عَروض لم ينشئها هو، بل كان كاشفًا عنها بأذن موسيقية بلغت شأوًا دونها معامل الصوتيات المعاصرة بآلاتها المبتكرة وعلومها المستحدثة. إنها دعوة إلى القطيعة بين الإنسان في حضارتنا وبين انتمائه، فهم يرمون صلتنا بالتراث ـ بل صلة شعراء التفعيلة بالتراث ـ بأنها علاقة عقائدية.. ليس هذا فحسب؛ بل إن مجرد عودة شاعر التفعيلة إلى الشعر العمودي في إحدى قصائده يعتبرونها جريمة لا تغتفر وعثرة لا تقال!

يقول ناقد همام من قادتهم عن الشاعرة العراقية «نازك الملائكة» التي مارست التفعيلة في فترة معينة ثم عادت إلى «الخليل» مرة أخرى، يقول عنها: «إنها تتجه بخطى واسعة نحو نهاية الشوط، إلى الخاتمة الأسيفة لهذا التيار السلفي الجديد، وهي التحجر والجمود، واحتلال جانب المحافظين لحركة التجديد الحديثة في الشعر العربي، إن خطواتها التقليدية تقودها بالرغم عنها إلى حافة اللاوجود الشعري الذي أصاب المحافظين السالفين؛ حيث كتبت أحدث قصائدها في العمود الخليلي كاملًا غير منقوص» .

وهكذا أصبحت كتابة القصيدة في العمود الخليلي كاملًا غير منقوص ردة عن الرؤيا الحديثة للشعر، ونقيضًا للتطور، وسلفية فكرية..!

وهذا الذي دعا نزار قباني ليقول: «إن الفخ الخطير الذي وقعت فيه حركة الحداثة هو اعتقادها أن موسيقى الشعر نظام استعماري قديم لا بد من الانقلاب عليه» .

وبعد مرور نصف قرن من الزمان، لم يظهر بين «الحداثيين العرب» أديب في قامة المنفلوطي أو الرافعي، أو روائي مثل باكثير أو نجيب الكيلاني، أو شاعر مثل حافظ أو ناجي أو الزهاوي... بل كان (الشعر الحر) أكبر همهم ومبلغ علمهم وآخر دعواهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت