السبب الثاني: الهزيمة النفسية باستحالة تحرير الأقصى إلا بسلام والخوف من الترسانة النووية. وفي هذا ضعف لقضية الإيمان. إنّ كثيرًا من الناس يظنّ أنّ إسرائيل وأمريكا بقوتها الموجودة اليوم لا تُهزم. وفي هذا ضعف في الإيمان والتوكل. وما أنّ أمريكا سيّدة العالم اليوم فإنّ للكون ربًّا وإنّ للوجود قاهرًا وينبغي أن نلحظ أمرًا مهمًا ـ يا إخوان ـ لما تعنتت قريش وهي تقرأ أخبار الهالكين من الطغاة برّأت نفسها ـ وكذلك كثير من الناس يبرئون اليهود ـ فأقول بقول الله تعالى (أكفاركم خير من أولائكم أو لكم براءة في الزبر. أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر) .
ثم لا بد من ملاحظة في هذه الهزيمة, إنّ السلام الذي تم في الحديبية كان بعده إعداد, وإنّ المستسلمين اليوم لا يُعدّون. فلوا قالوا نسالم ونهادن ويدرّبون الأمة يعدون الجيوش والأسلحة لقلنا: إنهم يهادنون لمصلحة ولكنهم يهادنون هزيمةً ولا يُرتّبون في زمن الهدنة نتيجةً إيجابيةً. وفي هذا دلالة على بطلان الاستدلال بالحديبية.
ما الذي تم بعد الحديبية؟ أتى النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة ومعه أقل من ألف أتى بعد عامين بعشرة آلاف؛ فدلّ على أنها كانت تُراعي مصالح الأمة.
فعقْد هدنة أو مصالحة أو معاهدة بدون رؤية مستقبلية ممن يحملون هم القضية هذا يعتبر من العبث.
والدليل على أنها هدنة ليست لليقظة وإنما للنوم السماح لإسرائيل لاختراق المجتمعات قيميًا وثقافيًا عبر التطبيع.
السبب الثالث: التفريق بين أمريكا وإسرائيل باعتبار أنّ أطراف القضية ثلاثة: اليهود والعرب وأمريكا راعية للسلام وهذه قسمة ضيزى. أطراف الصراع اليوم طرفان: طرف عربي وطرف إسرائيلي بروتستانتي. ولا طرف ثالث. فالزعم بأنّ أمريكا طرف ثالث زعم باطل. والتفريق بينها وبين إسرائيل لا مكان له. والدليل أنّ إسرائيل تُمنع سفاراتها في الدول وتُفتح سفارات أمريكا, هنري كسنجر الذي رعى السلام الأول في كامب ديفيد, لما دخل البلاد استقبله القادة في مصر بالضم والتقبيل حتى قال آنذاك في مذكراته وكتب هذا إلى الرئيس نيكسون قال: (استقبلوني بالضم والتقبيل حتى شككت في نفسي أني امرأة) .
ولذلك فإنّ أول رئيس لأمريكا توماس ديغرسون 1879م قال: (إني إذا لم أسمح لإقامة وطن لإسرائيل في بيت المقدس أخون ديني) لأنّ المذهب النصراني البروتستانتي في أمريكا هو مذهب (مارتن لوثر) الذي أمر قبل العودة إلى العهد الجديد بالعودة إلى العهد القديم التوراة. فهي قراءة توراتية في الإنجيل. يؤمنون بما يؤمن به اليهود من ملك من نسل داود منتظر وإلى غير هذا.
مكاسب إسرائيل من السلام؟
وكنت أود ـ كما ذكر الدكتور عبد الله الزبير ـ أن تناقش الاتفاقيات اتفاقيةً اتفاقيةً. ولكن يبدو أنّ الزمن لم يسع.
مكاسب إسرائيل من السلام:
[1] الاعتراف: إنّ مجرد المصالحة مع إسرائيل اعتراف وإكساب لها للشرعية؛ لأنّ إسرائيل أحيانًا تسعى إلى السلام وفي سعيها ترجو مكاسب.
[2] الاستقرار لمرحلة كبرى (من النيل إلى الفرات) .
[3] اختراق المجتمعات وقيم وأخلاق الشعوب.
[4] الانفتاح اقتصاديًا والترويج للاستثمارات واستقطاب رؤوس الأموال والانفتاح السياسي.
[5] الاستنزاف لأمريكا وكسب الدعم العسكري والصفقات المرئية والغير المرئية.
فإذا تنازلت إسرائيل حسب رغبة أمريكا فإنّ هذا تنازل مشروط تكسب من ورائه؛ فدلّ على أنّ لإسرائيل خمس مكاسب: اعتراف واستقرار واختراق وانفتاح واستنزاف.
أودّ بعد ذلك أن أُناقش الورقة في بعض النقاط.
قول بعض المفسرين بأنّ آية: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) منسوخة يخالف ما عليه الفقهاء كما ذكر صاحب الورقة. وذكر الحافظ ابن حجر أنّ الصلح مع الأعداء إلى يوم الدين. والدليل حديث البخاري (ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم) أو في رواية الإمام في المسند (من الشمال) وهذا في أعقاب نزول المسيح وفتح القسطنطينية والملحمة الكبرى. فدلّ على أنه ممتد.
هنا مسائل فقهية ينبغي أن تناقش:
طلب الصلح من المسلمين ينبغي أن يُحرَّر: في حالة الطلب عن جهاد الدفع فإنه يمكن في حالة جهاد الطلب أن يطلب المسلمون صلحًا وإن كان الأصل كما ذُكر أن لا يطلب المسلمون الصلح. ولكن في حالات جهاد الدفع فهنا ينبغي أن يكون في الأمر تفصيل.
السلام في حالة جهاد الطلب واسع, وأما في حالة جهاد الدفع فالجهاد متعين والدفع واجب إلا في حالات الضرورة أو المصلحة. ينبغي أن توضح الورقة بصورة أوضح. فمثلًا إذا قال الدكتور عبد الله الزبير: إنه ليس هناك ضرورة, فقد يرى آخر من أهل العلم أنّ هناك ضرورة. فما هو الفيصل؟ وما هو الفارق بين الضرورات والحاجيات مع استصحاب الواقع وتنزيل هذه القضية.
طلب الصلح من الأعداء ذهب إليه السرخسي من الأحناف في المبسوط ونسبه إلى الشيباني وإلى أبي يوسف القول بأنه يجوز الابتداء به، وذلك في حالة الدفع مستدلّين بقصة غطفان وإن كان ابن القيم يرى أنها مراوغة ولم تكن مهادنة بدليل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صرفهم وقال بعد قول السعدين: (لا نطيهم إلا السيف) (اذهبوا فليس لكم عندي إلا السيف) وإن كانت مراوغة فإنّ فيه معنى السلام. وعرض النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرض إلا أمرًا مباحًا لا يتعارض مع الشريعة.
الحديبية يستدل بها كثير من الناس على الصلح الموجود اليوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مفاوضًا ذكيًا وكان يضع نصرة الأمة نصب عينيه. فهل المفاوض اليوم يضع ذلك أمام عينيه الإجابة لا. النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء الحليس بن علقمة استفاد من التناقضات الثقافية والاجتماعية الموجودة في معسكرات الخصوم بعرض الهدْي على الحليف حتى رجع وكاد أن ينقض حلفه مع قريش. هل المفاوضون يجلسون على طاولة المفاوضات بهذه الصورة؟
وينبغي أن يُضاف ضابط هو (أن تكون بنود الاتفاقيات بيّنة واضحة لا لبس فيها ولا غموض) وقد ذكره مجموعة من الفقهاء منهم الحنابلة وهنا لا بد أن نحكم على الاتفاقيات السرية بالبطلان.
فالآن الاتفاقيات بعضها سري وبعضها علني فلا بد أن تكون العبارات في المعاهدات بيّنة.
ذكر الدكتور عبد الله الزبير الأمان الذي يُعطَى بصورة السلام لأقليات موجودة في المجتمعات المسلمة. وهذا محدد كما ذكره الشيخ صدّيق حسن خان في الروضة الندية أنه يجوز لأفراد المسلمين أن يعطوا الأمان لأفراد. ولا يجوز أن يُعطى هذا للكيانات وللتجمعات قال (هذا للإمام علي سبيل الاجتهاد وتحري المصلحة. ولو جُعل للآحاد لصار ذريعةً لإبطال شعيرة الجهاد) . وهذه نقطة مهمة.
وأكتفي بما قيل, واسأل الله تعالى أن يبارك في الجميع
وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشيخ محمد عبد الكريم*
مقدمة
الحمد لله الذي وهبنا العزّة والتمكين، يوم اعتصمنا به وعبدناه، وأعذر إلينا إنذارًا فمسّنا بسياط الذلة والهوان لمّا تمردنا على شريعته وعصيناه، الذي جاد علينا بفائض أنعُمِه فركنّا إلى الفانية ونسيناه، أتقن صِنعته، وأحكم شِرعته، وأوصانا بحبله المتين وعُراه، فالتهينا بما دونه فلم نستمسك به وهجرناه. فغفرًا غفرًا ربّاه.
والصلاة والسلام على رسول الهُدى، ونبي التُّقى، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن والاه، واقتفى أثره، واستنّ بهداه. أمّا بعد.