وعلى مدى هذا التاريخ الطويل لاختيار الأقباط الأغلبية لدين الإسلام ولغة القرآن, عاش الأقباط الأقلية في كنف الأحكام القرآنية والتشريعات الإسلامية, لهم ما للمسلمين وعليهم ماعلى المسلمين, إن دفعوا الجزية دفع المسلمون الزكاة, وإن دفعوا الضرائب دفعها قبلهم المسلمون, فغالبًا ما كان الأقباط الأقلية هم المسؤولون عن جبايتها وتحصيلها بل وتنميتها للحاكم المسلم وإصدار الأحكام الجائرة بسجن المسلمين ومصادرة حميرهم ونساءهم لحساب الحكام الظالمين, أزمنة يعمها الوئام والسلام, وأزمنة يعمها الخراب والدمار, وأزمنة يعلو فيها شأن الأقلية وينحط فيها شأن الأغلبية, وأخرى يعلو فيها شأن الأغلبية وينحط فيها شأن الأقلية, ظروف وأحوال تعاقبت وتوالت بحلوها ومرها, لكنه الشعب بأهليه أبدًا لن يستطيع البراءة من أصوله, ولن ينقى دم النصراني ولن ينقى دم المسلم من دم أجدادهما الوثنيين والكفرة والمشركين والموحدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وإذا كان للفراعنة فضل عمل لصناعة التاريخ وحضارته, فهو فخر للأقباط الذين خالفوهم في عقيدتهم أو الذين ظلوا عليها, لا حق لطائفة من الأهلين أن تستأثر به, أو تنسبه إلى نفسها, أو تزايد عليه, أو تدعي الانتساب إليه دون طائفة أخرى.
وإن كان لأجدادنا الفراعنة سوء عمل أو ضلالة اعتقاد, فليس مكرمة لطائفة ارتضت عملهم أو اعتقادهم على طائفة أخرى لم ترتض هذا العمل أو ذاك الاعتقاد.
ومن نعمة الله على الأقباط ـ كما أشرت من قبل ـ أنهم لمّا تنصروا في القرون الأولى للميلاد, فإنما اعتنقوا نصرانية رافضة للفرعونية الوثنية بمعابدها وهياكلها وأصنامها وطقوسها, فحطموا الأصنام واحتلوا المعابد واستبدلوا الهياكل, رافضين كل صورة من صور الشرك بالله التي كان عليها الفراعنة ومن ورثوهم من الرومان والبيزنطيين.
فلما أسلم الأقباط واعتقدوا برسالة التوحيد, وأعلنوا الشهادة بأنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, فإنما رفضوا الشرك بالله, ونبذوا الأصنام, وحرّموا السجود لغير الله والتزموا بشريعة الله في الزواج والطلاق والحدود والمعاملات, دون المساس بعقائد الآخرين أو التعدي عليها, وإلا ما بقي من تراث هذه العقائد الفرعونية ما يشهد عليها اليوم, ولا من تراث اليهودية ما يحفظ عليهم أمانهم, ولا من كنائس النصارى وأديرتهم ما حافظ لأهلينا منهم على دينهم ودنياهم, شركاء لنا في التاريخ والحضارة والوطن.
وليس من نافلة القول, أو قفزًا على أحداث تاريخ الأمة, أن نسبة عدد النصارى بجميع طوائفهم ظلت ثابتة لم تتغير منذ قرن كامل من الزمان, وهي بالضرورة هكذا منذ ثلاثة عشر قرنًا, حيث بلغ عددهم في أول إحصاء سكاني أعده عام 1897 الاحتلال الإنجليزي: 609511 نسمة, بنسبة 6.26 % من مجموع عدد السكان, وفي الإحصاء الإنجليزي للأعوام 1907, 1917, 1927, 1947, على الترتيب, كانت 6.3%, 6.6%, 6.76%, 7.6%, وهي أعلى نسبة للنصارى في المائة عام المنصرمة, أصبحت في إحصاء عام 1986, مع عوامل الهجرة المتزايدة وشبه المنتظمة 5.8%, وهي النسبة التي عليها عدد الأقباط النصارى في مصر الآن ( عام 2003 ) , بما يساوي أربعة ملايين نسمة, من بينهم3.1 مليون أرثوذكسي بنسبة 4.46 %, بحسب أدق الأرقام الإحصائية المتوفرة بالجهاز المركزي للإحصاء, ومعهد الإحصاء بجامعة القاهرة.
وجدير بالذكر, أنه كما احتضن المسلمون أهلهم النصارى طوال هذه القرون الطويلة, بغض النظر عن فترات الصراعات التي كان يصنعها الغرب أو أعوانه,أو التي تردت فيها أحوال الأمة كلها, فإننا نجد أيضًا أن الكنيسة الأرثوذكسية الأم في مصر, قد احتضنت أبنائها الذين تخلوا عنها واعتنقوا طوائفًا نصرانية أخرى تجاوزت الثمانين طائفة في مصر, فلم تمارس ضدهم عنفًا أو قهرًا, بغض النظر عن فترات الصراعات التي كان يصنعها الغرب أو أعوانه, أو التي تردت فيها أحوال الكنيسة الكبرى.
ومن غرائب إحصاء عام 1986, الذي أشرفت عليه عشر مؤسسات دولية, من بينها الأمم المتحدة, أن عدد الوفيات وعدد المواليد ومتوسط الأعمار ونسبة الذكور والإناث والمؤهلات العلمية والأمية وعمر الزواج وعمر الوفاة ونسبة الزواج, بل ونسبة الطلاق, كادت أن تكون متطابقة تمام التطابق, بما يدل على وحدة نسيج الأهلين بحسب قوانين الله في خلقه كافة.
وكم من فتنة مرت بها مصر وانتهت, وكم من صراعات بلغت ذروتها حتى يتصور المرء أن مصر انقسمت على نفسها أو أكلت أبنائها, ثم يهدأ كل شىء وتدور عجلة الحياة, كما لو لم يكن قد حدث شيئًا.
وإذا كانت النصرانية هي المعول الأول في تاريخ مصر لهدم الفرعونية وأصنامها وتحويل معابدها إلى كنائس وأديرة, نصرة لدينها وإرضاء للطاغوت الأكبر في روما حينذاك, فيكون خيانة لله ثم للنصرانية وللوطن, أن تكون النصرانية اليوم هي المعول الأول في تاريخ مصر لهدم عقيدة الإسلام, نصرة لدينها وإرضاء للطاغوت الأكبر في روما أو أمريكا, لأن الأقباط الأوائل قديمًا هم الذين اختارت أغلبيتهم نصرانية روما, أما أقباط الحاضر فقد اختارت أغلبيتهم إسلام محمد صلى الله عليه وسلم, فكما احترمت أقلية الأوائل عقيدة الأغلبية, يجب أن يكون حال أقلية الحاضر اليوم من احترام عقيدة الأغلبية, خاصة وأن ديمقراطية طاغوتيّ الماضي والحاضر, في روما وواشنطن يتغنون بها ويعرفونها في أبسط معانيها بـ"حكم الأغلبية", ولا يقبل العقل, وليس المسلمين من الهوان, أن يفرطوا في أصول دينهم ويحجبوا الإسلام عن أبنائهم, ليرتع المتطرفون في كنائسهم, دعاة للشرذمة, والعنصرية, واستجداء الفتن, وإثارة الطائفية بين أبناء الوطن الواحد.
فليهديء النافخون في الرماد من روعهم, وليكف الراقصون على جراحنا من هذيانهم, ولتبق الأمة المصرية بأهليها وعقيدتيها, في كنف الإسلام وأمنه, كما كانت منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان, ولن يحفظ أمان الأقباط النصارى بين الأقباط المسلمين في مستقبلهم, إلا بما حفظه لهم الله في ماضيهم, وكما للفتن صانعوها, فإن لوأد الفتن رجالها ومصلحوها, حفظ الله مصر للمصريين وحفظ للمصريين مصرهم, أقباطًا مسلمين أو أقباطًا نصارى.
ذلك هو مختصر (حكاية أمة اسمها"مصر") , فإن كان لأحد قول عليها, فمرحبًا بالحوار, لكنه أبدًا أبدًا لا صمت في مواجهة الغوغاء, وإن كان لأحد صوتًا عاليًا يمكنه من التشويش على الحق, فيقول تعالى:"إن أنكر الأصوات لصوت الحمير", ولتبق مصرًا مسلمة حكامًا ومحكومين, بالحق يكون الحكم وبالحق يكون القضاء, وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عضو نقابة الصحفيين المصرية
رئيس مركز التنوير الإسلامي
رئيس تحرير صحيفة بلدي
رئيس تحرير شبكة (www.baladynet.net)
بقلم
أبوإسلام أحمد عبدالله