فلما جاءت دعوة المسيح عليه السلام, ضعيفة خجلى, اشتعلت الفتنة الكبرى بين أجدادنا, فإذ بالأغلبية خائفة من مزيد الطاغوتية, أو راضية بما هي عليه, أو مستسلمة لضعفها الذي أصبح من مكونات دمائها الفرعونية, مكتفية بتوكيل حكامها في الاستمتاع بخير البلاد ونهبها إرضاء للرب فرعون الذي كفاه عطاءًا أن يمنح آبائنا القهر والذل وطول العمر في الكد والكدح وبناء قصور الفراعنة الصغار وتشييد مقابر الفراعنة الكبار, تحت لسعات السياط وزمهرير الشتاء وقيظ الحر, فداءًا لبناء حضارة الخلود والبقاء.
جاءت دعوة المسيح عليه السلام, ضعيفة خجلى, مع مرقس الآتي هو الآخر من روما, وانشق الأجداد إلى طائفتين في مواجهة العقيدة الجديدة, فمنهم من قبلها خوفًا وطمعًا, ومنهم من قبلها خلاصًا من الظلم الروماني الذي كان متسلطًا على الرقاب, ومنهم من قبلها لأنه كان بلا دين, أو شغفًا بعقيدة جديدة تخلصه من إشكاليات عقيدته السابقة, أو رقيًا في الفهم الإنساني والتحول من عبادة أرباب متعددة الوجوه والأشكال والمشيئات والإرادات, إلى رب واحد, تتسق إرادته ولا تنفصل عن مشيئته, في كلية بغير تجزيء, وهيمنة بغير تعارض, أو أن الله هداه حبًا فيما سمعه عن معجزات المسيح عليه السلام.
وبقدر ما كان تعدد الطوائف, وبقدر ما كانت الصراعات تعم المجتمع الذي تحكمه سلطة أجنبية جاءت من الجنوب الأروبي لتحتل الشمال الأفريقي, وتنشر فيه دعوة الوثنية اليونانية والرومانية كبديل حضاري لوثنيتنا الفرعونية, بقدر هذا وذاك, كانت أيضًا تتعدد الجيوش والملوك في ولايات مصر من الشمال إلى الجنوب, وكانت أيضًا تتعدد لغاتها ولهجاتها ولكناتها وحروفها, كسوق كبير لا صاحب له.
ترقب أجدادنا الأقباط طويلًا أن يحررهم الرسل الذين بشروا في طول البلاد وعرضها بدعوة المسيح, وأن يحولوهم من صنمية روما ووثنية الفراعنة إلى وحدانية الإله.
نعم, كانت تلك هي دعوى مرقس الرسول الآتي مكلفًا من المسيح عليه السلام, ينشر بين أجدادنا الأقباط؛ أن الله واحد أحد فرد صمد, ويدعو إلى هدم الأصنام والمعابد.
نعم, هكذا تؤكد جميع كتب العقيدة والتاريخ التي يتداولها نصارى زماننا اليوم في الشرق والغرب, ويقولون أنهم بذلوا دماءًا غزيرة من أجل القضاء على الأصنام الفرعونية, ومحاربة عبادتها, ومقاومة الحكام الذين يفرضون الوثنيتين؛ الفرعونية واليونانية على أجدادنا, ولهذا كان عصر الشهداء الذي تحتفل به الكنيسة حتى يومنا هذا.
لقد بذل أجدادنا الأقباط الذين اعتنقوا النصرانية الموحدة, مئات الأرواح حربًا على الفرعنة والفرعونية, ولم يكن لهم مطمعًا ولا رجاءًا ولا دعوة غير محاربة الفرعونية والأصنام والفراعنة والرومان.
كانت الآمال كبيرة أن تتطهر مصر من أرجاسها وأوثانها, وعفوًا, فليست هذه هي تعبيراتي, إنما أنقلها نصًا من كتابات جميع باباوات مصر منذ"مرقس"في القرن الأول, حتى"شنودة"في القرن الواحد والعشرين بحسب التقويم الصليبي.
لكن النصرانية لم تجد النصرة من الله, لتعم بلادنا وتتولى سلطان الحكم وتنتقل بمصر إلى حيث أراد المسيح عليه السلام, برغم أن غالبية أجدادنا الأقباط قد اعتنقوها, وارتضوها دينًا لهم, لكن ويا للأسف الشديد لم تكن نصرانية عيسوية, ولم تكن أبدًا نصرانية ربانية, إنما بررت غاية كهنتها الوسيلة فضلوا عن الحق, وابتدعوا نصرانية أو نصرانية مشوهة, خليط من الربانية والفرعونية والرومية, كما هي في أيامنا, نصرانية تواؤمية ترضي كل الأطراف, ولذا لم يُمَكّن الله لأجدادنا النصارى منذ خيانتهم لأصولهم الفرعونية وتسليمهم للاستعمار الروماني وخلط دينهم بدينه, لم يمكنهم الله منذ ذلك التاريخ, ولم يمكن من بقوا على هداهم حتى يومنا هذا من حكم مصر ولو لليلة واحدة, برغم ما بذلوه من دماء وأرواح وحروب ومعارك ودمار.
حتى أتى الإسلام, لا ليواجه الفرعونية التي يُتهم المسلمين اليوم بمحاربتها, فيصمت النصارى أو يمارسون دور القاتل الذي يسير في جنازة مقتوله, فلا يكتفون بالصمت, إنما نجدهم في كل مكان اليوم يولولون حزنًا وأسفًا على تاريخ وحضارة الفرعونية التي تولوا هم إفنائها, وقتل كهنتها, وذبح بقايا حكامها, وسرقة معابدها (نعم سرقة والوثائق لدينا لمن ينكر) , وتحويلها إلى كنائس وأديرة وقصور للباباوات والرهبان تمارس فيها المنكرات, ولا أجد حرجًا مما أقول, فالتاريخ بين أيدينا مكتوب بأيدي كنسية, يقول ذلك عن أجدادنا عندما تحولوا من الفرعونية إلى الرومانية ثم إلى النصرانية المهجنة.
أتى الإسلام, لا ليواجه دين النصرانية التوحيدي, ولا حتى التثليثي, فلم يكن لواحدة منهما ذكر أو وجود في حكم البلاد, ولا سلطان لها ولا عزوة, بل حتى التاريخ لم يكن فيه نصيب للنصرانية المصرية, بعد أن تنازلت عنه طوعًا وخيانة لروما وبيزنطة بمباركة الكهنة والقسس والرهبان الذين جعلوا من قسطنطين الوثني الملحد قديسًا للنصرانية, وجعلوا من صليبه صنمًا يعبد, ولم يكن قبله في دين أجدادنا النصارى صليبًا أو وثنًا.
جاء الإسلام في مواجهة الامبراطورية الرومانية الوثنية الكافرة القاتلة المعذبة والطاردة والقاهرة لنصارى مصر المحتلة.
لذا يكون من السخف أن يناقش واحد من نصارى زماننا؛ ما إذا كان نصارى مصر قد واجهوا جيوش المسلمين من عدمه, لأنهم (وهم أجدادنا) لم يكن لهم في الأمر عير ولا نفير, إن خربت البلاد أو هزمت أو انتصرت فإن الرومان المحتلين كاتمين أنفاسهم, مستعبديهم كما استعبدهم أجدادنا الفراعنة من قبل.
لكن الله شاء ومشيئته فوق كل مشيئة, أن ينصر أقباط مصر بالإسلام, فيعيد البلاد إلى أهلها, ويحرر أجدادنا كهنة الكنائس من أسرهم, ويعيدهم إلى شعبهم, دعاة للنصرانية لا للإسلام, وأن يكون حاكم البلاد على دين أغلبيتهم, ومثلما هي سنن الله في خلقه جميعًا, كانت سننه جل وعلا في حكام الأقباط المسلمين, فكان منهم العادل وكان منهم الظالم, وكان منهم الغالب وكان منهم المغلوب, وكان من نصيب الأقباط جميعًا ـ مسلمين ونصارى ـ في ظل عقيدة الإسلام أن ينالوا شرف العادلين والغالبين, وأن يبتلى الأقباط جميعًا ـ مسلمين ونصارى ـ بظلم الظالمين والمغلوبين, منذ ولاية عمر بن الخطاب حتى يومنا هذا.
وكما كان في التاريخ خونة من الأقباط النصارى, كان هناك خونة من الأقباط المسلمين, وكما كانت الفتن والضلالات تنتشر بين الأقباط الأقلية ( النصارى) , كانت الفتن والضلالات تنتشر بين الأقباط الغالبية ( المسلمين ) , وكما كان من بين الأقباط الأغلبية رجال بذلوا الدماء والمال من أجل حماية الأمة وأهلها, كان من الأقباط الأقلية رجال بذلوا الدماء والمال من أجل حماية الأمة وأهلها, وكذا كان المخربون والمنافقون والعملاء والمدلسون والمرتشون, وكان أيضًا الباذلون الصادقون المخلصون الداعون إلى الفضيلة.