والله ـ سبحانه ـ يوضحها ـ حقيقة ناصعة حيث يقول [ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم] ثمَّ ذكر أوصافهم [يحبهم ويحبونه] [أذلة على المؤمنين] [أعزة على الكافرين] [يجاهدون في سبيل الله] [ولا يخافون لومة لائم] ثمَّ بين ـ عزَّ وجل ـ أنه [ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] المائدة [54]
أي ورب إنها سنَّة في الأرض كونية لا تتبدل ولا تتغير، وقد قيل:
لئن لم يكن في الأرض أوس وخزرج فلله أوس قادمون وخزرج
لكن علينا أن لا نمني أنفسنا بالنصر والتغني بأمجاده، قبل أن يأتينا وأن ننطلق في هذا الوجود بكل همَّة عليَّة، وعزمة عمرية، لنشر دين الله والتصدي للمردة المحتلين وليكون عملنا أكثر من كلامنا وشكاوينا، فوالله إننا في هذه الأيام نتوق إلى ألسن بكم وأيد وضاح، ونحن في وقت معامع وصولات، وقعقعات وجولات، ولسنا في وقت الآهات والحسرات، فلنخرج من عزلتنا وانكفاءنا على أنفسنا إلى مواطن العز والإباء، ومصانع الرجال، فالعزلة في وقتنا هذا ما هي إلا عمل البطالين أو الجبناء، وقد قيل: إيقاد شمعة خير من لعن الظلام.
وقد روى التابعي الفقيه الشعبي أن رجالًا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبًا يتعبدون، فبلغ ذلك عبدالله بن مسعود، فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم [ماحملكم على ما صنعتم؟ قالوا: [أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد، فقال عبدالله: لو أنَّ الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان سيقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا] الزهد لابن المبارك/ صـ 390
فرحم الله الفقيه ابن مسعود، ونحن نقول: لو أنَّ الناس انكفؤوا على عزلتهم، أو مشاريعهم الخاصة من زواج ووظيفة وعبادة، فمن سيقاتل العدو وينازل الطغاة المعتدين، وخاصة أنَّ عندهم الشيء الكبير من المخططات الخبيثة؛ للاستيلاء على أكبر قدر يمكن على المنطقة الإسلامية،فإن علموا منَّا ضعفًا وتقوقعًا على أنفسنا فإَّن العدو لن يرحمنا بل سيلتهمنا لقمة سائغة ولات حين مناص.
آن الأوان لأن نخاطر بالدم من لم يخاطر بالدما لم يسلم
فمزيدًا من التفكير الجاد العملي العميق، وإجالة النظر في كتب التاريخ، والاستفادة من تجارب الماضين واللاحقين، وقد قيل رحلة العظيم تبدأ بفكرة، ونحن في وقت صعب، ومنحنى خطير، وأمة الإسلام تلتهب حريقًا، وتضطرم نارًا، فإن كنا من أبناءها الصادقين فلنبذل لها الكثير، ولنجاهد بأيدينا وأموالنا وألسنتنا وتفكيرنا وبكل شيء نقدر عليه، فإنَّه:
ذروة الدين جهاد في الصميم فلنجاهد أو لتلفظنا الحياة
ورحم الله ابن القيم حين كتب: [وجزى الله من أعان على الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا] أعلام الموقعين [4/ 216 ـ 217] فأدرك يا ابن الإسلام أمتك، وأسرج حصانك، وشد السير، وصح في الآفاق صيحة ذلك الداعية العراقي ألا أيُّها الجيل السَّري [إنَّ العالم الإسلامي يحترق فمن استطاع أن يطفئ الحريق ولو بدلو من الماء فليفعل] فياأهل السنَّة لبُّوا لبيك اللهم لبيك.
وأخيرًا
[يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون* وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إنَّ الله مع الصابرين] الأنفال [46]
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،،
والحمد لله رب العالمين.
بقلم/ خباب بن مروان الحمد
السبت 8 شوال 1425 هـ - 20 نوفمبر 2004 م
أولا: ما هو الغزو الفكري؟
الغزو الفكري: هو مصطلح حديث يعنى:' مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخري، أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة'. وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المسارب الخفية في بادي الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس، تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منه أن تكرهه.
وهو داء عضال يفتك بالأمم، ويُذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها، والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها، ولا تدري عنه؛ ولذلك يصبح علاجها أمرًا صعبًا، وإفهامها سبيل الرشد شيئًا عسيرًا.
ثانيًا: هل يتعرض المسلمون لهذا النوع من الغزو؟
نعم يتعرض المسلمون عامة ومنهم العرب لغزو فكري عظيم، تداعت به عليهم أمم الكفر من الشرق والغرب ومن أشد ذلك وأخطره:
-الغزو النصراني الصليبي.
-الغزو اليهودي.
-الغزو الشيوعي الإلحادي.
أما الغزو النصراني الصليبي: فهو اليوم قائم على أشده، ومنذ أن انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين الغازين لبلاد المسلمين بالقوة والسلاح؛ أدرك النصارى أن حربهم هذه- وإن حققت انتصارات فهي- وقتية لا تدوم، ولذا فكروا في البديل الأفضل، وتوصلوا بعد دراسات واجتماعات إلى ما هو أخطر من الحروب العسكرية، وهو أن تقوم الأمم النصرانية فرادي وجماعات بالغزو الفكري لناشئة المسلمين؛ لأن الاستيلاء على الفكر والقلب أمكن من الاستيلاء على الأرض،
فالمسلم الذي لم يلوث فكره لا يطيق أن يري الكافر له الأمر والنهى في بلده، ولهذا يعمل بكل قوته على إخراجه وإبعاده ولو دفع في سبيل ذلك حياته وأغلى ثمن لديه، وهذا ما حصل بعد الانتصارات الكبيرة للجيوش الصليبية الغازية.
أما المسلم الذي تعرض لذلك الغزو الخبيث فصار مريض الفكر عديم الإحساس، فإنه لا يري خطرًا في وجود النصارى، أو غيرهم في أرضه، بل قد يري أن ذلك من علامات الخير، ومما يعين على الرقى والحضارة.
أما الغزو اليهودي: فهو كذلك لأن اليهود لا يألون جهدًا في إفساد المسلمين في أخلاقهم وعقائدهم. ولليهود مطامع في بلاد المسلمين وغيرها، ولهم مخططات أدركوا بعضها، ولا زالوا يعملون جاهدين لتحقيق ما تبقى. وهم وإن حاربوا المسلمين بالقوة والسلاح، واستولوا على بعض أرضهم، فإنهم كذلك يحاربونهم في أفكارهم ومعتقداتهم؛ ولذلك ينشرون فيهم مبادئ ومذاهب ونحلًا باطلة: كالماسونية والقاديانية، والبهائية، والتيجانية، وغيرها، ويستعينون بالنصارى وغيرهم في تحقيق مآربهم وأغراضهم.
أما الغزو الشيوعي الإلحادي: فقد استطاعت الأحزاب الشيوعية وغيرها أن تتلقف كل حاقد وموتور من ضعفاء الإيمان، وتجعلهم ركائز في بلادهم ينشرون الإلحاد، وتعدهم وتمنيهم بأعلى المناصب والمراتب، فإذا ما وقعوا تحت سيطرتها؛ أحكمت أمرها فيهم، وأدبت بعضهم ببعض، وسفكت دماء من عارض، أو توقف، حتى أوجدت قطعانًا من بنى الإنسان حربًا على أممهم وأهليهم، وعذابًا على إخوانهم وبنى قومهم، فمزقوا بهم أمة الإسلام، وجعلوهم جنودًا للشيطان يعاونهم في ذلك النصارى واليهود بالتهيئة والتوطئة أحيانًا، وبالمدد والعون أحيانًا أخرى؛ ذلك أنهم- وإن اختلفوا فيما بينهم- فإنهم جميعًا يد واحدة على المسلمين، يرون أن الإسلام هو عدوهم اللدود؛ ولذا نراهم متعاونين متكاتفين، بعضهم أولياء بعض ضد المسلمين.
ثالثًا: الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره:
هي كثيرة، ومنها:
1 -محاولة الاستيلاء على عقول أبناء المسلمين وترسيخ المفاهيم الغربية فيها: لتعتقد أن الطريقة الفضلى هي طريقة الغرب في كل شيء سواء فيما يعتقده من الأديان والنحل، أو ما يتكلم به من اللغات، أو ما يتحلى به من الأخلاق، أو ما هو عليه من عادات وطرائق.