فهرس الكتاب

الصفحة 2476 من 3028

وليد الطيب*

الكفران الثقافي (لا سبيل للقلم أن يضئ إن لم يُقدِّم، وأصحاب الأقلام عندنا أكثرهم شباب وفي عمرهم بقية يستطيعون معها أن يُقدِّموا.. فنحن في سباق مع الغرب، وإن شئت قلت: صراعٍ.. يريد الغرب ليبقي حيث كان وحده.. يحول دون أي قادم، يذيع النكر عنا كل مكان في القارة(الإفريقية) ومقاتلها كثيرة؛ إن يقظت لها الأقلام عندنا لا تسب ولا تفحش، ولكن ترد الفرية بالحقيقة).. هكذا سطَّر قلم الأستاذ جمال محمد أحمد - الأديب السوداني المعروف والدبلوماسي النابه - أثناء حديثه عن دور الإعلام والمفكرين في ردم الهوة التي صُنعت بين العرب والإفريقيين؛ فحالت بين اللقاء العربي الإفريقي الذي كان من المتوقع - إن حدث والأجواء صحيحة والنوايا قد خلصت من الشكوك - أن يغير مسار التاريخ في معنىً من المعاني.. سطر ذلك الأستاذ جمال قبل أكثر من ثلاثين عامًا خلت، ولكأنه يُبصر خلال خُلل الزمن لأيامنا هذه.. حيث الصراع العربي الإفريقي علي أشده قد انتقل من تباعد بين الأقطار والدول إلي الصراع الدموي بين بعض أبناء الوطن الواحد.. وما دارفور إلا آية من آيات ذلك الصراع، لتنطلق بعد النزيف الدموي بدارفور - بل قبلها - ألْسِنَةٌ وأقلام تَسْلِق العرب والثقافة العربية بألسنة حِداد، وقد تورط في ذلك من كنا نظنهم أحكم فكرًا.. من أمثال الأستاذ كمال الجزولي المحامي الذي كتب من قبلُ مقالات عددا، رافضًا أن يكون التعليم في جبال النوبة باللغة الإنكليزية.. وعددٍ آخر من المثقفين انقلبوا علي وجوههم ليكتبوا عن: استبداد الثقافة الإسلامية العربية، أو هيمنة المستعربين، وأحيانًا عن مأزق المستعربين والهجنة. هي موجة رأوها عالية فامتطاها نفر من هؤلاء المثقفين!.. ونفر آخر لما رأي واقع التنوع الشديد في بلادنا وتعقيداته ركب موجة الهجوم علي الثقافة الإسلامية العربية، وظن أن في ذلك نجاة لوطن يكاد أن يتمزق.. وهو وهم عريق؛ إذ مثَّلت الثقافة الإسلامية العربية بطابعها السوداني عامل إثراء للحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في السودان، وعامل وحدة وطنية، ورباطا قوميا شديد الأثر منذ توقيع اتفاقية (البقط) بين العرب (الخُلَّص) (الصحابة) والنوبيين (الخُلَّص) .. ويظن أعداء بالثقافة الإسلامية العربية في أيامنا الحاضرة أنها تمت بين عرب (خُلَّص) ونوبة (خلّص) .. وهنا نقول: إن صح خلوص العرق في الجيش النوبي ونقائه من غيرهم فإنه لا يصح علي الجيش الإسلامي آنذاك فهو خليط من عرب عرباء ومصريين أقباط ورومان أسلموا بل ونوبة من أحفاد ترهاقا وجنوده من الذين استوطنوا مصر وأسلموا مع أهلها يوم دخل مصر الإسلام وأخلاط أخري جمعها نهر الإسلام العريض، لتتقدم الثقافة الإسلامية، الوسط، المتسامحة؛ لتصبح بعد قليل هي الثقافة المركزية بعد أن كانت ثقافة أقلية وافدة، وهي مسألة جديرة بالدراسة والتحليل. وينتهي الأمر بعد قرون إلي أن يكون رسل تلك الثقافة هم الإفريقيون أنفسهم كما في حالة عمارة دنقس.. (دنقس) اسم إفريقي أصيل و (عمارة) عربي أمويٌ يتلألأ، هذا الاسم المزيج لم يكن يشعر حامله بالصراع أو التشتت في تعريف ذاته: أنْ من هو؟! أو حسب المصطلح المولَّد (الهوية) . ليمضي دنقس وأحفاده عبر التاريخ رسلًا لهذه الثقافة يحملونها إلي الناس بإحسان.. وسلطنة الفونج هي أول صورة.. وتَخَلُّقٍ لدولة سودانية حقيقية موحدة في تاريخ السودان القديم ولسان حالهم:

إنا بني حسن قد دلت فصاحتنا =أنا إلي العرب العرباء ننتسب

إن لم تقم بينات أننا عرب =ففي اللسان بيان أننا عرب

ثم تأتي المهدية لتمثل لحظة النضج السوداني لتلك الحركة الفكرية الثقافية، الاجتماعية والسياسية، لتتناغم معها كل قوي السودان آنذاك بأجناسها المختلفة في معترك قومي رسالي واحد.. لتمثل المهدية حالة مفاخرة قومية تاريخية نلجأ إليها - جميعا - كل ما أصابنا القرح في حرياتنا أو العدوان علي قوميتنا، ونغني لها نحن الجيل الحاضر من أقصي اليمين إلي طرف اليسار البعيد.. ودور المهدية في توحيد البلاد تحت ألق هذه الثقافة يتضح لنا من رسالة المهدي رحمه الله للعربان يدعوهم لحسن الجوار مع الشلك، وللإلفة معهم بعد أن جاءه زعماء الشلك، وأسلموا، وبايعوا.. جاء في الرسالة (إن الكير شيخ جبال جنقاي وأهاليه قد حضروا عندنا سامعين طائعين لأمر الله ورسوله، وأمرناهم أن يرحلوا من محلهم، وينزلوا مع السياق، وأنه واجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤلفهم، ويستجيرهم بحسب الجوار والإلفة حسبما أوصى الله ورسوله على المؤلفة قلوبهم، وألزم من تعليمهم شرائع الدين) .

قد يكون مفهومًا الهجوم على الثقافة العربية ومهرجاناتها من أصحاب الثقافات الإفريقية من أمثال (الفريد) رئيس فرقة كواتو وغيره لو قدمت الثقافة العربية بطابع قومي متطرف كما كان سائدًا في عقود سابقة كما في قول الأستاذ علي ناصر (العروبة نفسها عندنا دين نحن المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين لأنها وجدت قبل الإسلام والمسيحية في هذه الدنيا) أو قول الأستاذ تيمور - على فضله - (لئن كان لكل عصر نبوته المقدسة فإن القومية العربية هي نبوة هذا العصر في مجتمعنا العربي) .. إن هاجم هؤلاء الغزاة مثل هذه المفاهيم لحاربناها معهم ولرمينا معهم بالحجر تلك الخطيئة القومية.. ولكن من غير المفهوم أن يزاوج بين الإسلام والعروبة، ثم يعادى هذا المزيج الثقافي الذي الإسلام لُبُّه وأساسه، والعربية حامله وأداته عِداءًا لا رفق معه، ولا رحمة فيه، ولا منتهى له إلا إن يركم الإسلام والثقافة العربية في مزابل التاريخ أو تنبذ في متاحفه الأثرية.. إن ذلك لا يمكن فهمه، ولا فهم أن يصدر من عاقل يبصر الأثر التاريخي لهذه الثقافة الإسلامية العربية ذات الطابع القيمي الإنساني العميق، ولا فهم أن تأتي هذه الجملة من سوداني وطني يعلم دور هذه الثقافة في سودنة هذا السودان. وقد فضح د.عبد العزيز حمودة - صاحب المرايا - هؤلاء في كتابه القيم (الخروج من التيه) بقوله: [إن التنصل من الانتماءات القومية هو في ظل بريق الثقافات العالمية القائمة أو القادمة وهو علي وجه التحديد ما يريده المعسكر الغربي اليوم بقيادة الولايات المتحدة واللافت للنظر أن ذلك الهدف كان خافيًا علي البعض حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولايمكن أن يكون خافيًا علي أحد بعد تكفل اليمين الأمريكي المتطرف برعاية حملة التشكيك في الثقافة العربية، وإقناعنا بالتخلي عنها بإعتبارها ثقافة متخلفة: ترفض التحديث، وتقاوم العصرنة. وعلي المتشككين أن يعودوا للمقالات المتوالية التي يكتبها (فوكاياما) و (هنتجتون) في العامين الأخيرين التي تؤكد -- وبصراحة مطلقة -- ما يمكن أن يكون قد خفي عليهما في كتابيهما (نهاية التاريخ) و (وصراع الحضارات) من ضرورة تبني النموذج الحضاري الغربي باعتباره (النموذج النهائي) والأمثل، وهذا هو المقصود (بنهاية التاريخ) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت