إن القاعدة التي يتحقق بها نصر المسلمين واحدة على مر العصور والتاريخ، يلخصها قوله تعالى: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? [ العنكبوت: 69 ] ، وقوله عز وجل: ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي َلا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ? [ النور: 55 ] .
فكلما غرق المسلمون في شهواتهم وملذاتهم وابتعدوا عن طريق الهداية والرشاد، تخلى الله عنهم، فانهزموا وضاعت عزتهم وأمجادهم. وكلما تمسكوا بحبل الله المتين، كلما كان النصر على الأعداء قويا مؤزرا بمشيئة الله. القضية تتلخص في مدى قرب المسلمين من الله وبعدهم عنه سبحانه.
إن التفسير الإسلامي للتاريخ منبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان، فهو يقوم على الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، كما أنه مبني على دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يجعل حركة التاريخ الإسلامي ذات طابع متميز عن حركة التأريخ العالمي، لأثر الوحي الإلهي فيه. [7]
عبد الله بن رواحة يحسم القضية في معركة مؤتة، وهي معركة غير متكافئة بكل المقاييس: مجاهد واحد من المسلمين يقاتل أمام سبعين من المشركين!! ولكن عبد الله بن رواحة، الذي فهم السنّة الربانية جيدا يقول:"إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون: الشهادة! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واحد. فانطلقوا بنا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور عليهم، فذلك الذي وعدنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان"!! [8]
لكن إذا كنا نتحدث الآن عن سنن الله في الكون، فمن سننه سبحانه وتعالى أن أمة الإسلام أمة لا تموت، فهي الأمة التي ستشهد على بقية الأمم يوم القيامة. إذا كان الحال هكذا، فلابد لهذه الأمة من قيام بعد السقوط الذي تهاوت فيه الآن. وهذا ما يدفعنا للتفاؤل والعمل من جديد بغية تحقيق الصعود الموعود!!
يجب أن يكون التوغل في التاريخ لاستخلاص العبرة واستحضار الفكرة. إن الدراسة المتأنية للتاريخ تكشف لنا جوانب عظمة كثيرة لأمة الإسلام، يحاول أعداؤنا طمسها وتشكيكنا فيها. إن القارئ لتاريخ المسلمين يجد رجال المسلمين حملوا أعباء إبلاغ دين الله عز وجل إلى العالمين بقوة ورجولة. وقد شاركهم في ذلك الأطفال، الذين قاموا بأدوار كبيرة وكثيرة في سبيل تحقيق ذلك الأمر. حتى ليصدق قول القائل فينا الآن:
أطفالنا بالأمس كانوا رجالا
فلماذا أصبح رجال اليوم أطفالا؟!
20 من المحرم عام 1426 ( الموافق في تقويم النصارى 19 من فبراير عام 2006 ) .
[1] كيف نكتب التاريخ الإسلامي، محمد قطب، دار الشروق، ص: 23-24.
[2] ذكر أستاذنا الدكتور طه عبد المقصود عبد الحميد أبو عبية في رسالته القيمة: مقدمة لدراسة التاريخ الإسلامي، من إصدار دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع أربع عشرة ثمرة يجنيها الدارس لعلم التاريخ، فأبدع وأجاد وأفاد. فأنظره غير مأمور.
[3] أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ: منهج كتابة التاريخ الإسلامي، لماذا؟ وكيف؟، جمال عبد الهادي محمد مسعود ووفاء محمد رفعت جمعة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ص: 17.
[4] كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص: 28.
[5] الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي، فريق البحوث والدراسات الإسلامية بمؤسسة اقرأ، المجلد الأول، ص: 222.
[6] أطفال الصحابة رضي الله عنهم، د/ مصطفى مراد، ص: 65.
[7] فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح، علي محمد الصلابي، مؤسسة أقرأ، ص: 11؛ نقلا عن: إعادة كتابة صدر التاريخ الإسلامي، د/ أكرم ضياء العمري، ص: 3.
[8] الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي، المجلد الأول، ص: 52.
كتبه
بندر بن محمد الرباح
عضو الدعوة والإرشاد بالقصيم
المقدّمة
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى
آله وأصحابه وسلم .
أما بعد:
فإنه لما كان المسلمون يجمعهم كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتجمعهم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانوا أمة واحدة قوية وعزيزة ورائدة.
ولكن لما اتصلت هذه الأمة بالأمم الأخرى ذات الأنماط الحضارية المختلفة، فإن هذه الأمة قد تأثرت بكيد أعدائها من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والملاحدة حتى أصبح المتأثرون بفكر أولئك الأعداء أمة داخل الأمة الإسلامية.
وما لذلك من سبب سوى البعد عن منهج الله الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هداية ونورًا وإخراجًا للناس من الظلمات إلى النور.
وهذا البحث يتناول جانبًا مهما وخطيرًا من جوانب هذا التيار الفكري الذي وفد على الأمة الإسلامية واستهدف إبعادها عن عقيدتها وربطها بالفكر المهيمن في هذا العصر البعيد عن هدي الله ومنهج رسوله e.
وهذا التيار الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو تيار"العلمانية"ذلك المصطلح الغربي الذي يوحي ظاهره أن طريقة الحياة التي يدعو إليها تعتمد على العلم وتتخذه سندًا لها ليخدع الناس بصواب الفكرة واستقامتها. حتى انطلى الأمر على بعض السذج وأدعياء العلم فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره، وقد أوصلهم ذلك إلى البعد عن الدين بعدًا واضحًا.
هذا وقد جعلت البحث في مقدمة وفصلين وخاتمة:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع وخطة البحث.
الفصل الأول: تعريف العلمانية وأسباب ظهورها، وآثارها في الغرب وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف العلمانية.
المبحث الثاني: أسباب ظهور العلمانية.
المبحث الثالث: آثار العلمانية في الغرب
الفصل الثاني: في عوامل انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي وأبرز دعاتها وآثارها على العالم الإسلامي
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: عوامل انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي
المبحث الثاني: أبرز دعاة العلمانية في العالم الإسلامي
المبحث الثالث: آثار العلمانية السيئة على العالم الإسلامي
الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
الفصل الأول:
تعريف العلمانية وأسباب ظهورها
وآثارها في الغرب وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف العلمانية.
المبحث الثاني: أسباب ظهور العلمانية.
المبحث الثالث: آثار العلمانية في الغرب
المبحث الأول: تعريف العلمانية.