أرأيت أيها الأخ المبارك كيف استغل دعاة الضلالة هذه المكيدة الإبليسية بالإفساد في الأرض والكفر بالله جل جلاله والتلاعب بالأديان وتغييرها على حسب أهوائهم واستحساناتهم وأغراضهم المتنوعة، ولهذا قال إمام دار الهجرة في زمانه الإمام مالك بن أنس رحمه الله كلمة عظيمة: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح أولها) لقد صلح حال أولئك عندما تركوا ما كان عليه آباءهم وأجداهم وراءهم ظهريا، وانشغلوا بما ينفعهم من ميراث محمد .
وستعود للأمة عزتها المسلوبة،ويرجع إليها مجدها الأثيل، ونصرها على الأعداء، إن تمسكنا بما تمسكوا به واعتصمنا بما اعتصموا به قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [النور:55] .
آلا إنها دعوة لأهل الإسلام جميعا إلى أن يتمسكوا بميراثهم الحقيقي كتاب الله وسنة رسوله آلا إنها دعوة إلى التكاتف على تحقيقهما في جميع المجالات التشريعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية و جميع جوانب الحياة.
آلا إنها دعوة للحذر من كل ما يخالف ذلك أو يفضي إلى التباسه أو التشكيك فيه.
آلا إنها دعوة لتصحيح المفاهيم فالميراث الحقيقي الذي يجب الاعتناء به وإحيائه وتكريس الجهود من أجله ميراث محمد ، اتباع منهاجه والسير على طريقه الذي لا سعادة للبشرية إلا به ولا عزة إلا بالتمسك بجانبه.
(1) انظر أساليب الغزو الفكري ص78
(2) جريدة الندوة في عددها الصادر في 24/6/1380هـ والقائل هو مصطفى أمين . وانظر في عددها الصادر في 24/5/1387هـ بقلم صالح محمد جمال .
(3) الرد على مصطفى أمين ص548 من المجموع المفيد .
(4) الخطب المنبرية (3/85-86)
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1055)
محمد بن عبد الله الهبدان
الرياض
جامع العز بن عبد السلام
الخطبة الأولى
أيها الأخوة في الله: إن شريعة الإسلام، مبنية بناء متينا حكيما، لأنها من العزيز الحكيم الحميد، فهي أثر من آثاره سبحانه وتعالى، وكل صغير وكبير في هذه الشريعة موضوع في موضعه تماما، فكما أن خلق الله تعالى لا تفاوت فيه، فكذلك أمره سبحانه لا تفاوت فيه، فكل أوامره عدل، وكل أمره قد تنزل على وفق العلم التام، والحكمة البالغة ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير فالذي خلق هذا الإنسان هو الذي أنزل له ما يصلحه، ويرعى حقوقه تامة من غير نقصان.
فما من مصلحة في الدنيا و الآخرة إلا وأرشدت إليه ودلت عليه، ولذا اعتنت الشريعة بحفظ الضرورات الخمس والتي هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.
فحياة البشر في الدنيا لا تستقيم إلا بحفظ هذه الضروريات والتي اتفقت عليها الأديان السماوية، وأقرت بها الأمم الماضية، وإذا فقدت تلك الضرورات فإن حياة الناس لا تستقيم، وأمورهم لا تنتظم، ويحصل من الفساد بقدر ما انتقص من هذه الضرورات، وبفواتها تفوت النجاة في الآخرة، ويرجع الناس بالخسران المبين.
وإن إدراك المسلم لهذه الضرورات الخمس، يُكوّن لديه القناعة الكافية في دينه وشريعته، فيسعى جاهدا للالتزام بأحكامها، والحذر من مخالفتها، ويرفض الاستعاضة عنها، ويمتنع من التهرب منها، أو التحايل عليها، لما سيعود عليه من نتائج وخيمة، وأضرار جسيمة، كما أن معرفة هذه الضرورات تعطى المسلم مناعة كافية ـ خاصة في وقتنا الحاضر ـ ضد الغزو الفكري، والتيارات المستوردة، والمبادئ البراقة، والحقوق المزعومة، التي يستتر أصحابها وراء دعايات كاذبة، وشعارات خادعة.
أيها المسلمون: لقد اهتمت الشريعة بحفظ تلك الضرورات اهتماما بالغا، فأوجب الإسلام على الناس حفظ الدين بالعمل به، والدعوة إليه، والحكم به، ولهذا شُرِع الجهاد في سبيل الله لحفظ الدين، والقضاء على من وقف في وجهه من المعاندين.
هذه الغاية التي من أجلها يقاتلُ المسلمون ويجاهدون، وهي ما عبر عنها ربعي بنُ عامر، وهو يخاطبُ رستم، قائدَ الفرس، بكل ثقة واقتدار. (لقد ابتعثنا اللهُ تعالى لنُخرِجَ من شاء من عبادةِ العباد، إلى عبادةِ الله وحده، ومن ضيقِ الدنيا إلى سعتهِا، ومن جورِ الأديان، إلى عدل الإسلام) .
ومن هنا ندرك الغاياتِ العظيمة، التي من أجلها شُرع الجهاد، وجُعِلَ ذروةُ الإسلام، ولم يكن الجيش الإسلامي جيشًا يتشفى بقتلِ خصومهِ، وإذلالهِم لأن الجهادَ في الإسلام، لم يكن بدافع حقدٍ يملأ القلوب، ولا رغبةً في الاستعلاء، ولا الاستكبار في الأرض، ولم يكن يعرف سياسةَ الأرضِ المحروقة، بل كان جيشا نظيفا شجاعا.. لا ترضى له عدالةُ الإسلام، وشموخُ الإسلام، وسماحةُ الإسلام، وعظمةُ الإسلام، لا ترضى له أن يقتلَ شيخًا كبيرا، أو امرأةً ضعيفة، أو يفجع أمًا بوليدها، أو يهدمَ صومعةً لعابد، روى مسلم في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: (( اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ) ) [رواه مسلم] .
ولما بَعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيدَ بنَ سفيان، قال له: (إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً، وَلا صَبِيًّا، وَلا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا، وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ، وَلَا تَغْلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ) [رواه مالك في الموطأ] .
قارن بين هذه الصورةِ المشرقة، لجهاد المسلمين، وبين قتالِ الكفارِ وأهدافهِم وغاياتهِم، وتأملْ تاريخهَم الأسود، الملطخَ بالدماء والأشلاء، فهم الذين شنَّوا هجماتهِم البربرية، على الأممِ المستضعفة، في مشارقِ الأرضِ ومغاربهِا، وجاسوا خلالَ الديار، يبحثون عن أسواقٍ لبضائعهِم، وأراضٍ لمستعمراتهِم، واستبدوا بمنابع الثروةِ دون أهلهِا، وأخذوا يفتشون، عن المناجمِ والمعادن، وعما تغلُه أرضُ اللهِ الواسعة، من الحاصلات التي يمكنُ أن تكون غذاءً لبطونِ مصانعهِم ومعاملهِم، يبحثون عن كلِّ ذلك، وقلوبهُم كلُها جشعٌ وشره، إلى المالِ والجاه، وبين أيديهِم الدباباتُ المدججة، وفوق رؤوسهِم الطائراتُ المساندة، ووراء ظهورهِم عشراتُ الألوف من العساكر المدربة، يقطعونَ على البلاد، سُبَلَ عيشهِا، وعلى أهاليَها طريقتهَم إلى الحياةِ الكريمة، يريدون بذلك، أن يهيئوا وقودًا، لنيران مطامعهِم الفاحشة، التي لا تزيدها الأيامُ إلا التهابا واضطراما .فلم تكن حروبُهم في سبيل الله، وإنما كانت في سبيل شهواتهِم الدنيئة، وأهوائهِم الذميمة.