وأما قتالهُم ضد المسلمين على وجهِ الخصوص، فلسنا بحاجةٍ أن نستعرضَ صفحاتٍ من الماضي، فهاهي حملتهم الجديدة، تجري فصولُها الساعة، على أرضِ الشيشان، والتي يعجز المدادُ..أن يصفَ هولَها وبشاعتَها..قد تكالبَ الأعداءُ جميعا،يرمونها عن قوسٍ واحدة، تأملْ ما يجري على أرضِ الشيشان، حين تغيبُ القيمُ السامية، التي من أجلهِا شُرِع القتال، منذ ما يقاربُ سبعةَ أشهر، والروسُ الملحدين، يرتكبون أبْشَعَ الجرائم، ضد شعبٍ محاصرٍ أعزل، يُقصفُ بالطائراتِ والصواريخ، ويُدكُ بالمدفعيةِ الثقيلة، حتى مَلئتْ الجثثُ الشوارع، وضاقتْ بها المقابرُ الجماعية، وأهريقتُ الدماءُ في كل مكان، واختلط دمُ الطفلِ الرضيع بدم أمهِ الثكْلى، وهتكت أعراضُ النساء، ولا مست صرخاتهنُ أسماعهَم، لكنَّها لم تلامسْ نخوةَ المعتصم، فأين حقوق الإنسان!! وأين المواثيق!! وأين العهود!!
أيها الأخوة في الله: ومن الضرورياتِ التي فرضهَا الإسلام، لرعايةِ حقوقِ الإنسان.. حفظُ النفس، فحرمَ الاعتداءَ عليها، وكَفلَ للمظلومِ أن يأخذَ حقَه، يقولُ اللهُ تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بحق، ومن قُتِل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا [الإسراء:33] . فالحياة هبةٌ من الله، لا يجوزُ أخذهُا إلا بشرعٍ من الله! فكيف إذا كان المقتولُ مؤمنا، فإن الأمرَ أشد..قال تعالى: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنمُ خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا [النساء:93] . وقال: (( لزوال الدنيا أهونُ على الله، من قتل مؤمنٍ بغير حق ) ) (1) [1] ).
إن نظرةَ الإسلام، لحفظِ حياةِ الإنسان، تختلفُ عن النظرةِ الغربية، والتي تدعى الحفاظَ على حقوقِ الإنسان، والواقعُ يُثبتُ خلافَ ذلك، ماذا فعل اليهودُ في الأرضِ المحتلة!! والصربُ في أرضِ البلقان!! والهندوسُ في كشمير!! فعندما استباحتْ الحضارةُ الغربية، قتلَ المئاتِ والألوفَ والملايينَ من أجلِ الأطماعِ والمصالحِ المتصارعة، لم تُجِزْ تلك الحضارةِ الجوفاء، إعدامَ القاتل، الذي يقتلُ عمدًا بغير حق، تحت ادعاءِ حقِ الحياة!!
فَهْمٌ مضطرب، وقوانينٌ متناقضة، وممارسةٌ فاسدة.
إن أممَ الغرب، التي حرمتْ قتلَ الفردِ المتعفنِ المعادي للمجتمع، المتعدي على غيرِه، أباحتْ وشجعتْ، قتلَ الآلافِ من البشرِ الأبرياء، أباحتْ قتلَ الأطفال والشيوخ والنساء، إنه في كلِّ يومٍ، تتقدمُ صناعةُ الأسلحةِ تقدمًا مخيفا، هذا التقدم الذي يفخر به الغرب، هو تقدمٌ في طُرِق الفتك الجماعي بالبشر، وأعلنوا أخيرًا عن قنابلَ تَفتكُ بالبشر، وتقضي على الحيوان، وتبقى على البناءاتِ والمنشآت، فما أهون الإنسان في الحضارة المادية؟!!
أيها الأخوة في الله: وقد أمر الله تعالى بحفظ النسل، وشرع لذلك الوسائل الكفيلة بحفظه فرغب في كثرته، ورغب في النكاح الذي به يحفظ النسل شرعا..فالإسلام لا يحارب دوافع الفطرة، ولا يستقذرها، إنما ينظمها ويطهرها، ويرفعها عن المستوى الحيواني، ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية.
فالزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، ولذا لم يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء، فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامدا غير مضطر، إن الإسلام يريد مجتمعا طاهرا نظيفا، وفي الوقت ذاته ناصعا صريحا، مجتمعا تؤدى فيه كل الوظائف الحيوية، وتلبى فيه كل الدوافع الفطرية، ولكن بغير فوضى ترفع الحياء الجميل، مجتمعا يقوم على أساس الأسرة الشرعية المتينة القوائم، وعلى البيت العلني الواضح المعالم، مجتمعا يعرف فيه كل طفل أباه، ولا يخجل من مولده، لا، لأن الحياء منزوع من الوجوه والنفوس، ولكن لأن العلاقات الجنسية قائمة على أساس نظيف صريح، طويل الأمد، واضح الهدف، يرمي إلى النهوض بواجب إنساني واجتماعي، لا لمجرد إرضاء النزوة الحيوانية، والشهوة الجنسية! يقول الله تعالى: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغي وراء ذلك فأولئك هم العادون. أين هذه الأحكام التي خففت من هذه الآفة الخطيرة في المجتمع المسلم، من حال الأمم الغربية، ومن جرى على شاكلتهم، حالة يندى لها الجبين، وتنذر بالويل، وضياع المجتمع بانتشار الأوبئة فيه، الأخلاقية والبدنية، ترى النساء شبه العاريات، ينزوين في جوانب الأزقة مع شدة المطر والبرد، ينتظرن من يتقدم ليطلب مضاجعتهن مقابل دريهمات، وترى الفاحشة التي تهدر كرامة الإنسان، كرامة الرجل والمرأة، ترتكب علانية في أماكن عامة، على صورة تستحي منها الحيوانات، أليست إهانة بشرية مريعة أشكال الدعارة وأرقامها المتعاظمة !!انحطت الأخلاق وعدم الحياء حتى أباحوا اللواط والسحاق.. وأصبح للوطيين جمعيات وأحزاب، وسنت من أجلهم القوانين، ووضعت التشريعات مخالفة لسنن الله، وسنن الفطرة، حتى أقروا شريعة زواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم بل هم قوم عادون، فأين كرامة الإنسان!! وأي حرية هذه!! وأي حقوق تلك!! فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
أقول قولي هذا فإن كان حقا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني والشيطان واستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية
أيها الأخوة في الله: ومن الضروريات التي اهتم الإسلام بها لكفالة حق الإنسان في الحياة حفظ المال، فالمال قوام الحياة، ولا قيام لإنسان ولا بقاء له إلا بالمال، فهو الطعام والشراب والسكن والعدة والعتاد. وقد وصفه الله بذلك بقوله: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا [النساء:5] .
وقد شرع الله سبحانه من التشريعات ما يكفل الحفاظ عليه، وتنميته بكل وسيلة صالحة، فالمال لله تعالى هو مالكه سبحانه، يقول الله تعالى: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم وقال: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فمادام المال، مال الله، فهو خاضع إذن لكل ما يقرره الله بشأنه بوصفه المالك الأول، سواء في طريقة تملُكه، أو في طريقة تنميته، أو في طريقة إنفاقه، وليس واضع اليد حرا في أن يفعل به ما يشاء، وقد حرم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال: (( إن أموالكم عليكم حرام ) ) [رواه البخاري ومسلم] .
ويشمل هذا كل طريقة لتداول الأموال بينهم لم يأذن بها الله، أو نهى عنها.. ومنها الغش والرشوة والقمار واحتكار الضروريات لإغلائها، وجميع أنواع البيوع المحرمة ـ والربا في مقدمتها ـ فهو أشد الوسائل أكلًا للأموال بالباطل.. كما أن الشريعة نهت عن الاعتداء على المال فقال تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا [المائدة:38] .