إننا نذكّر من ابتلي بمشاهدة هذه المحرّمات والمداومة عليها بتقوى الله وطلب التوبة بإخلاصٍ حتى يعينه الله، وعليه بالدواء الناجع الذي تطيب به القلوب القاسية وهو ذكر الله تعالى وكثرة قراءة القرآن؛ فإنه سبب لحياة القلوب، وهجره سبب لخرابها، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] . كما أن صدق التضرّع واللجوء إلى الله ودوام الإنابة واستحضار عظم الجناية وذكر الموت وأهواله أسباب معينة على التوبة لمن أراد استدراك ما فاته.
أما أنت أيها الأب والولي، يا من جلب هذه الأجهزة إلى منزله أو استراحته بلا ضبط وتركها لتضيّع أهلَ بيته ويرضى لهم مثل هذه الخبائث التي تفسِد الدين والخلق وتتجاهل التوجيه الأبوي والتعلم المدرسي، ألا تتذكرون ـ معاشر الآباء والأمهات ـ حديث رسول الله: (( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) ). اتقوا الله فيمن تحت أيديكم من أولاد وزوجات، واعلموا أنها أمانة عظيمة أنتم مساءلون عنها يوم لا يجزي والد عن ولده، يومَ تذهل كلّ مرضعة عما أرضعت.
تذكر ـ أخي الأب ـ يوما تحتاج فيه إلى مثقال ذرّة من حسنة، فإذا بك تُسأل عن أسباب فسادِ أولادك، يومَ يتعلقون فيه بك ويأخذون بتلابيبك يقولون: يا ربّ، لقد أضاع الأمانة وتسبّب في ضياعنا، وأنت لا تستطيع المدافعة عن نفسك، فأقرب الناس لك خصماؤك الذين ظننت أنك تسعِدهم في الدنيا بجريمة عرض هذه المحرمات عليهم، يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:11-16] . نسأل الله أن يرزقنا العافية والنجاة لنا ولأهلينا وأولادنا ووالدينا.
البدار البدار ـ أيها الآباء ـ بتطهير منازلكم من كل هذه المنكرات.
أما أنتم أيها الشباب، فاعلموا أنكم مساءلون عن أوقاتكم وأعماركم وأموالكم التي تبذلونها في هذه المشاهدات وتلك الاتصالات، وإن الأمة تنتظر منكم الكثير، فهداكم في الحياة أسمى من هذا العبث. واعلموا أنكم مستهدَفون من أعدائكم لاختلالكم، وإن المرءَ يحشر يومَ القيامة مع من أحبّ، فهل تحبون أن تحشروا يوم القيامة مع نبيّكم وصحابته الكرام أم مع من أعطيتموهم محبّتكم وعِشقكم مع فسقةِ هذه القنوات، فتصبحوا كما وصف الله جل جلاله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات:22-24] ؟!
إنها مطالبة للمسؤولين بمنع المشاركة وإلغاء أسباب هذه الاتصالات المحرمة والوسائل المفضية إليها، كما أنها دعوة للكتاب والمثقفين والدعاة الناصحين لحمل هموم مجتمعهم والكتابة عنها ونقدها وبيان زيف مثل هذه الممارسات الإعلامية وبيان خطرها وسوء تغريبها، ولا بد من السعي لإثارة البدائل المناسبة الموافقة للشرع والخلق. واعلموا أن العلاج ليس صعبا حين تصدق النفوس وتحسن النوايا في أمّة متكاتفة متعاونة على البرّ والتقوى.
اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا وجميعَ المسلمين وأصلِحهم وردّهم إلى الحق ردّا جميلا. وصلّ اللهم وسلّم على نبيّنا محمد.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3542)
محمد بوهو
آزرو إقليم إفران
مسجد الراحة
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، اتقوا الله حق التقوى، فتقوى الله نورٌ في القلب وذخرٌ في المنقلَب، وهي خير شيء نلقى به الله تعالى يوم لا ينفع مال وبنون إلا من أتى الله بقلب سليم، واعملوا جاهدين لنيل رضاه، وتذكروا أنكم بين يديه موقوفون، وسوف تحاسبون، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، واتقوا يوما ترجون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون، فكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
عباد الله، أيها المسلمون، عن أبي عبد الله ثوبان بن مجدد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ) )فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يا رسول الله؟ قَال: (( بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ ) )فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: (( حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) ).
أيها المسلمون، إن هذا الحديث النبوي الشريف هو من دلائل نبوة محمد عليه الصلاة السلام، وهو مما نطق به المصطفى الأمين مند ما يزيد عن أربعة عشر قرنا، وهو لا ينطق عن الهوى بل هو الوحي الرباني الذي يوحى. كشف الحقّ تبارك وتعالى حجابَ الغيب لنبيه الكريم في مسألة نعيش تداعياتها في هذه الأيام العصيبة التي تمر بها الأمة الإسلامية.
نعم ـ أيها المسلمون ـ إن الأمم الكافرة قد تداعت وتكالبت على الأمة، فقوله: (( يوشك الأمم ) )أي: يقرب فِرق الكفر وأمَم الضلالة (( أن تداعى عليكم ) )، تتداعى بأن يدعو بعضهم بعضا إلى الاجتماع لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال، (( كما تداعى الأكلة ) )وهو جمع آكل، أي: أن الفئة الآكلة أيضا يتداعى بعضهم بعضا, (( إلى قصعتها ) )الضمير للأكلة أي: التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوا وصفوا، وكذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعبٍ ينالهم أو ضرَر يلحقهم أو بأس يمنعهم. الله أكبر، صدقتَ يا رسول الله، فإن ما عليه الأمة الإسلامية الآن ينطبق عليها كلامك الشريف.
عباد الله، أليس هذا الذي نعيشه في هذه الأيام، أليس هذا هو واقع أمة الإسلام في السنين الأخيرة؟! أين الخيرية التي وُصفت بها الأمة؟! أين عزة الإيمان التي كان على الأمة أن تتصف بها في كل آن وحين؟! أين وأين؟!
قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، وقال عز وجل: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] .