إنّ النبيّ الكريم أشار في الحديث إلى نوعَين من المتكالبين على الأمة، النوع الأول من المعتدين على الأمة بالقوة والتفوق في السلاح والإمكانيات المادية، والنوع الثاني من الذين يتكالبون على الأمة ليس من باب الاعتداء العسكري والهجوم العدواني، بل من باب استنزاف خيراتها بالحِيَل والطّرق الملتوية وأخذ ما حباها الله به من ثروات من شتى الأصناف والأنواع، وخاصة تلك التي يسيل لها لعاب المعسكر الغربي الأمريكي والمتمثّل في النفط، هذه الورقة التي لم تستطع الأمة إلى حدّ الآن أن تحسن استعمالها واستغلالها. وقد يجتمع الوصفان المذكوران في جهة واحدة كما هو الحال بالنسبة لأمريكا وبريطانيا وأذنابهما التي تسخّر كلّ ما وصلت إليه الآلة العسكرية لديها، وفي نفس الوقت تسعى للسّيطرة على آبار البترول المتواجدة في أفغانستان والعراق غيرهما.
عباد الله، ما السبب في وصول الأمة إلى هذا المنحدر الخطير؟ هذا ما سأله الصحابة للرسول: ومِن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ أي: هل ذلك التداعي لأجل قلّةٍ نحن عليها يومئذ، فيجيب الرسول الأكرم: (( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) )أي: ما يحمله السيل من زبد ووسخ، شبهنا به لقلّة شجاعتنا ودناءة قدرنا ودنو همتنا، (( ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن ) )أي: ليُخرجن الله تعالى المهابة منكم، لا يصبح هناك للأمة هيبة، ولا يبقى منكم خوف أو هيبة لدى العدو، ويقذف الوهن في القلوب وهو الضعف، وكأنه أراد بالوهن ما يوجِبه، ولذلك فسره بحبّ الدنيا وكراهة الموت، قيل: وما الوهن؟ أي: ما يوجبه وما سببه؟ قال الطيبي رحمه الله:"سؤال عن نوع الوهن، أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن قال: (( حبّ الدنيا وكراهية الموت ) )، وهما متلازمان فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين".
أيها المسلمون، إن ما نراه اليومَ من استباحة الأقطار الإسلامية هو من أفظع المنكرات وأشدها. وفي هذه الخطبة نعرض لثلاثة أوراق تاريخية من صفحات معاناة الأمة الإسلامية، ولا نريد بعرض هذه الأوراق المأساوية من تاريخنا أن نقدم إضافات لصوَر المآسي والمعاناة التي نعيشها وألوانا كئيبة من الإحباط اليأس التي تلحق بنا على أكثر من مستوى، والتي أصبحت تملأ علينا حياتنا وترافق طعامنا وشرابنا ويقظتنا ومنامنا وحيثما تلفتنا، ليس هذا هو المقصود، ولو كان هذا هو المقصود لاكتفينا بالصور المأساوية القائمة التي نعيشها صباح مساء، تحملها إلينا أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة عن فظائع يهود وأفاعيلهم في فلسطين وبيت المقدس، وبما يجري على أرض أفغانستان وما يقع في هذه اللحظات على أرض العراق المسلمة، ولاكتفينا باليد المشلولة للأمة إزاءَ هذه المعاناة، ولاكتفينا بالصمت المطبق للأنظمة على ما يجري.
ليس هذا هو المقصود بعرض هذه الأوراق، إنما المقصود هو أن نقول: إن الأمة الإسلامية عانت في تاريخها الطويل من صوَر المآسي والنكبات ما تكفي الواحدة منها لإزالتها من الوجود ومحوها من خريطة العالم، ولكن الأمة المسلمة تاريخيا تحقَّق لها من عوامل الصمود الاستمرار وعدم الذوبان والاضمحلال في أيام الغلبة والانكسار قد يقلّ عن عوامل القوة في أيام الفتح والانتصار. والله تعالى يقول في محكم كتابه العزيز: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] . إن هذه الأوراق التاريخية ليست لمزيد من اليأس، وإنما معالجة لليأس والسقوط والقنوط.
الورقة الأولى: كانت عن مسير القرامطة إلى مكة، وما فعلوه سنة 317هـ، فقد حج بالناس في هذه السنة منصور الدّيلمي، وسار بهم من بغداد إلى مكة، فسلموا في الطريق، فوفاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرا، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرح حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام يوم التروية الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول:"أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا"، فكان الناس يفرّون منهم، فيتعلّقون بأستار الكعبة، فلا يجدي عنهم شيئا، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتَلون في الطواف، وقد كان بعضهم أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف.
فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثير منهم في أماكن من الحرم وفي المسجد الحرام، لم يغسّلوا ولم يكفّنوا ولم يصلَّ عليهم لأنهم محرِمون. وهدم قبّة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها وشقها بين أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه فسقط على أم رأسه فمات إلى النار، ثم أمر بأن يقتلع الحجر الأسود، فجاء رجل فضربه بثقل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ وأخذوا الحجر الأسود معهم حين راحوا إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة (1) [1] . وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع أنهم كفار زنادقة، فماذا كانت النتيجة؟ لقد احترقت الورقة القرمطية وعاد المسلمون إلى الاعتزاز بإسلامهم، وكانت المشروعية العليا في حياتهم للكتاب السنة.
الورقة الثانية: الصليبيون في بيت المقدس، ملكوها ضَحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان من سنة 492هـ، وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين، وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، وأَخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة، وأخذوا تنورا من فضة، وأخذوا القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلا، ومن الذهب نيفا وعشرين قنديلا، وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء (2) [2] .
ويقول أحد الصليبيين حكاية عن قومه:"كان قومنا يجوبون كاللبوات ـ جمع لبؤة ـ التي خُطفت صغارها الشوارعَ والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، فكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربا إربا، وكانوا يستبقون إنسانا، وكانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة.. وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعة ذهبية، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث.. ثم أحضر بوهيموند جميع الذين اعتقلهم في برج القصر، فأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعافهم، وبسَوق فتياتهم وكهولهم إلى أنطاكية ليبغوا فيها.. لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، فكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهنالك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة.. وأراد الصليبيون أن يستريحوا من عناء تذبيح أهالي القدس قاطبة، فانهمكوا في كل ما يستقذره الإنسان من ضروب السكر والعربدة" (3) [3] .