فهرس الكتاب

الصفحة 1219 من 3028

ويقول آخر:"حدثت ببيت المقدس مذبحة رهيبة، وكان دم المقهورين يجري في الشوارع، حتى لقد كان الفرسان يصيبهم رشاش الدم وهم راكبون، وعندما أرخى الليل سدوله جاء الصليبيون وهم يبكون من شدة الفرح، وخاضوا الدماء التي كانت تسيل كالخمور في معصرة العنب، واتجهوا إلى الناووس، ورفعوا أيديهم المضرجة بالدماء لله شكرا".

هذا صنيع الصليبيين آنذاك.، فماذا كان بعد ذلك؟ لقد قيض الله لهذه الأمة من حقق لها النصر المبين والعزة الموعودة، وعاد بيت المقدس إلى حصن الأمة وتحت لوائها، ورجع المعتدون أدراجهم خائبين.

الورقة الثالثة: هولاكو في بغداد، وصل بغداد هولاكو خان بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأطاحوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، هم بقية الجيش، كلهم قد صرفوا، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي.. لهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكو خان لعنه الله، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج والمثول بين يديه لتقع المصالحة، فخرج الخليفة في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، وأُحضر الخليفة بين يدي هولاكو، فسأله عن أشياء كثيرة، فيقال: إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته المولى نصير الطوسي الوزير العلقمي، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وحسَّنوا قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى هولاكو أمر بقتله، ويقال: إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي والمولى نصير الطوسي، وكان الطوسي عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت، ليكون في خدمته كالوزير المشير. وقتل الخليفة، فباؤوا بإثمه وإثم من كان معه من السادات والعلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء، ومالوا إلى البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول الشبان (4) [4] .

واستولى المغول على بغداد سنة 656هـ فخربوها، وخنقوا الخليفة العباسي الأخير المستعصم بالله، ونهبوا ما في بغداد من الأموال، وحرقوا كتبها التي جمعها محبو العلم، وألقوها إلى نهر دجلة، فتألف منها جسرٌ كان يُمكِّن الناس أن يمروا عليه رجالا وركبانا، وأصبح ماؤه أسود من مدادها، كما روى قطب الدين الحنفي (5) [5] .

وماذا بعد هذه الصور؟ لقد عادت هذه الوحوش الضارية التي أشعلت النار في المباني، وعاد هؤلاء المعتدون الذين حرقوا الكتب وخربوا كل شيء نالته أيديهم، عادوا وخضعوا لسلطان حضارة المسلمين في نهاية الأمر، حتى إن هولاكو نفسه الذي أمر بهدم بغداد وبجر جثة آخر العباسيين تحت أسوارها بهرته عجائب حضارة الإسلام، ففي المدرسة العربية والإسلامية تمدن المغول، فاعتنق منهم الكثير دين الإسلام.

عباد الله، من خلال الصور المأساوية التي عرضناها والتي تضمنتها الأوراق الثلاث السابقة هل استطاعت هذه المحن تدمير الأمة المسلمة وإنهاءها إلى غير رجعة؟ هل قطعت فيها قوة النهوض من جديد أم أن الأمة استطاعت أن تتجاوز المحن وتجدد شبابها في كل مرحلة؟

أيها المسلمون، نحن على يقين بأن الله سوف يهيئ لدينه من يحمله ويدافع عنه، وأن أسلحة الغزو الفكري والاجتياح العسكري سوف تسقط في يد أصحابه، فقد عجز الغزو الفكري كما فشل الغزو العسكري تاريخيا في تحطيم أفكار الأمة المسلمة وإلغاء شخصيتها الحضارية، وكان القرآن الكريم ـ دستور هذه الأمة وروحها والمحجة البيضاء التي تنير طريقها ـ هو القوة الفاعلة والحصن الثقافي الذي حفظ الأمة من الذوبان والقوة التي تعين على الثبات والمقاومة في حالات الغلبة الاضطهاد.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وأجارني الله وإياكم من عذابه المهين، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

نحمد الله ربّ العالمين حمدَ عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلاة وسلامًا عليه دائمين إلى يوم الدين.

أيها المسلمون، ما أشبه اليوم بالبارحة، انظروا ماذا يجري في ديار الإسلام من نهب وتخريب، لقد عاد أحفاد القرمطي والصليبيون وهولاكو لكي يجدّدوا ما فعله أجدادهم بالمسلمين، ها هي اليوم أمريكا وأذنابها تعيث في أرض الإسلام فسادا. إن أمريكا هذه التي تتبجح بالتقدم والحرية تاريخها أسود دموي منذ نشأتها، وكتب التاريخ الحديث حافلة بالممارسات الإجرامية التي قامت بها الحكومات الأمريكية المتعاقبة ضد الهنود الحمر السكان الأصليين في أمريكا، فقد سبق للحكومات الأمريكية أن عقدت مائة وعشرين اتفاقًا لمسالمة الهنود الحمر ولمصالحتهم، ولكنها نقضت هذه الاتفاقات كلها الواحدة تلو الأخرى، فهذه الاتفاقات أشبه بمسلسل للغدر والخداع، وانتهى الأمر بإبادة وقتل أغلبية الهنود الحمر، وما تبقى منهم اليوم فهم أقلية، وهم معزولون الآن عن المجتمع الأمريكي.

أيها المسلمون، يا من تنخدعون بما يسمّى بالحضارة الأمريكية، لم تأبه أمريكا وحليفتها بإبادة وقتل مئات الآلاف من اليابانيين في نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد جرّبت تأثير القنبلة الذرية على الشعب الياباني، وبالرغم من أن الحكومة اليابانية قد أبدت رغبتها في الاستسلام وقتئذ إلا أن أمريكا قد أصرّت على معاقبة الشعب الياباني، فألقت قنبلتين ذريتين إحداهما على مدينة هيروشيما في شمال اليابان، والأخرى على مدينة ناكازاكي في جنوبها، وكان ذلك في شهر غشت من عام 1945م، ولا تزال الآثار السلبية تظهر على أطفال الشعب الياباني من التشوهات الخلقية والأمراض المستعصية بتأثير إشعاعات القنبلتين الذرتين، ولا زالت هذه الصورة تعرض أمام الأمريكان خاصة في هذه الأيام تذكيرا لهم بالماضي المخزي والأيدي الملطخة بالمذابح والدمار لشعوب العالم. وكذلك الأمر بالنسبة لشعوب الأفغان والفيتنام وكمبوديا والشعب العراقي، حيث استعملت أمريكا في حروبها ضدهم أسلحة الدمار الشامل بما فيها قنابل اليورانيوم، وهذا ما نخشاه اليوم على الشعب العراقي المسلم.

إن الظرفَ العصيب الذي تمر به الأمة الإسلامية في هذه الأيام يدعونا جميعا للاعتبار من التاريخ واستخلاص الدروس والعبر من حديث المصطفى .

عباد الله، إن من نتائج الخطر الأكبر الذي ذكره الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حب الدنيا وكراهية الموت والدنيا ليست هي فقط الدرهم والدينار وإنما هي كذلك الجاه والمكانة والزعامة والكبر والركون إلى النعيم. وتأمل معي ـ أخي المسلم أختي المسلمة ـ قول الرسول: (( فَوَ اللَّهِ لا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) ). من نتائج تعلق القلب بالدنيا ووضعها في أعلى من المرتبة الحقيقية التي تستحقها ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت