فهرس الكتاب

الصفحة 2953 من 3028

حسب نبوءة الكتاب المقدس عندهم، ليستعيد الحكم للمسلمين، لكن البشرى الأعظم آتية من رب موسى وعيسى ومحمد وبوش وأعوانه المخنثين؛ {ألا إن نصر الله قريب} . *

حكاية أمة اسمها"مصر"

بقلم

أبوإسلام أحمد عبدالله

ليس من الصواب أن ننسلخ من تاريخنا العريق إلى أجدادنا الفراعنة, سواء الموحدين منهم أو الوثنيين أو الذين اعتنقوا المجوسية أو اليهودية أو النصرانية, وسواء الذين اعتنقوا نصرانية روما االبيزنطية, أو نصرانية خاصة بهم في الأسكندرية, بغض الطرف عن تلك النصرانية التي جعلت من المسيح عليه السلام"إلها", ومن أمه"أم الإله", أو تلك التي رفضت ألوهية المسيح وعُذب أهلها من أجل ذلك حتى الموت, فيما يعرف بالنصرانية الآريوسية كما عُرفوا بالموحدين.

إن هؤلاء جميعًا وغيرهم من أصحاب العقائد والطوائف والملل والنحل الوثنية والكفرية والشركية والموحدة, كلهم يشكلون نسيج أجدادنا الأقباط, الذين استقبلوا الفتح الإسلامي, أو الغزو العربي ـ كما يحب أهلنا نصارى مصر أن يقولوا ـ

وبغض النظر عما إذا كان أجدادنا الأقباط قد استقبلوا هذا الفتح بالدفوف, أو هذا الغزو بالحراب, فإن الإسلام حط بجناحية على بلاد الأقباط, وفرض قوانينه وعرض بضاعته, بما فيها من ترغيب وترهيب, وعطاء وأخذ, وعدل وقهر, ومصحف وسيف, فالمهم والحاصل والمحصلة والنتيجة النهائية, أن الأغلبية الغالبة من أجدادنا الوثنيين والكفرة والمشركين والموحدين, قد اختاروا الإسلام والتوحيد عقيدة لهم, وارتضوا محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين نبيًا لهم, فمنهم من قبلها خوفًا وطمعًا, ومنهم من قبلها خشية الموت جوعًا, ومنهم من قبلها رغبة في الجنة, ومنهم من قبلها خلاصًا من الظلم الكنسي الذي كان متسلطًا على الرقاب آنذاك باسم المسيح الرب, أو الإله المصلوب, ومنهم من ارتضى الإسلام دينًا لأنه كان بلا دين, أو ليعفي نفسه من دفع الجزية, أو انبهارًا بقوة المسلمين, أو حبًا فيمن انتصر على عدوه, أو شغفًا بعقيدة جديدة تخلصة من إشكاليات عقيدته السابقة, أو ارتقاء في الفهم الإنساني والتحول من عبادة رب متعدد الوجوه والأشكال والمشيئات والإرادات, إلى رب واحد, تتسق إرادته ولا تنفصل عن مشيئته, في كلية بغير تجزيء, وهيمنة بغير تعارض, أو أن الله هداه حبًا في الإسلام, واجتذابًا نحو الإيمان بوحدانية الله الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

وبقدر ما كان تعدد الديانات والعقائد والملل والنحل والطوائف, وبقدر ما كانت الصراعات تعم المجتمع الذي تحكمه سلطة أجنبية, جاءت من الجنوب الأروبي لتحتل الشمال الأفريقي وتنشر فيه دعوة النصرانية بحسب معتقداتها المتأثرة بالديانات اليونانية والرومانية الصنمية, ثم الفرعونية الوثنية في آن واحد, بقدر هذا وذاك, كانت أيضًا تتعدد الجيوش والملوك في ولايات مصر من الشمال إلى الجنوب, وكانت أيضًا تتعدد لغاتها ولهجاتها ولكناتها وحروفها, كسوق كبير لا صاحب له.

حتى اللغة التي تسمى بالقبطية نسبة إلى الوطن الذي سكنه أجدادي ولم يرتضوا به بديلًا, حتى هذه اللغة, كانت تنقسم إلى سبع لغات مختلفة, لا يفهم أصحاب اللغة الواحدة منهم, أصحاب اللغة الأخرى, كما كانت توجد اللغة العربية التي كانت تتكلم بها الأعراب الذين هاجروا إليها قبل الفتح الإسلامي بحثًا عن الرزق والتجارة فاستوطنوها.

في ضوء هذه الصورة المتعددة الألوان والأشكال, والمتباينة في تجانسها الاجتماعي, والمتجانسة برغم تباينها البنيوي, من حيث الموطن الأصلي والعقيدة واللغة واللون والرائحة, هؤلاء الذين هم في جملتهم أقباط مصر, هم الذين تحولوا إلى عقيدة الإسلام, باستثناء عدد قليل, اختار البقاء على أديان آبائنا السابقين.

هؤلاء الذين هم في جملتهم أقباط مصر, لما اختاروا الإسلام دينًا, أصبحت لغتهم الأولى بعد مرور قرن ونصف القرن من الزمان, هي لغة القرآن الذي آمنوا به, رسالة من عند ربهم الواحد, غير المتعدد, أو المتجزيء, أو المتجسد في صورة صنم, أو بقرة, أو كبش, أو شمس, أو صليب.

هذه الأغلبية الغالبة التي اعتنقت الإسلام دينًا واتخذت من العربية لغة عبادة ومسجد ومئذنة, كانت قبل يوم أو أسبوع أو شهر أو عام واحد من هذا الحدث التاريخي العظيم, هي الأغلبية الوثنية أو الكافرة أو المشركة أو الموحدة بحسب المفهوم الفرعوني.

ثم كان هذا الجيل الأول نفسه الذي رحب بدعوة عمرو بن العاص, هو أبناء وأعمام وأخوال وآباء وأمهات الجيل التالي في عهد الإسلام, وكانت الآلاف من الأسر الجديدة, خليطًا من هذه الديانات والعقائد والملل والنحل واللغات, بعضها من بعض, نسيج واحد في أفراحها ومآتمها وأعيادها وعاداتها وتقاليدها, من الصعب أن تمايز بين طائفة وأخرى, حتى مرت السنون, وتشكلت الأسرة المسلمة ذات الجذور المختلفة, والأسرة النصرانية ذات الجذور المختلفة أيضًا, أمة واحدة اختار أهلها الانتساب إلى الدين الجديد الوافد من بلاد العرب, إلا قلة من أبناء وأهل نسيج هذه الأمة, أبوا أن يغيروا دينهم واختاروا أن يحتفظوا بعقيدة أجدادهم وما وجدوا عليه آبآئهم, تلك العقيدة الوافدة من بلاد روما وبيزنطه والفرنجة.

ووفقًا لمصالح هذه الأمة التي اختارت غالبيتها العظمى عقيدة التوحيد, واحترامًا لأواصر الدم التي تربطها بالأقلية التي اختارت البقاء على التثليث وعبادة الصليب, عاش الأهلين أقباطًا لا يختلف فيهم القبطي النصراني عن القبطي المسلم, إلا بدار عبادته وكيفية صلاته, فاحتفل المسلمون الرافضون للتثليث بأعياد أهلهم من النصارى عادة لا عبادة, واحتفل النصارى الرافضين للتوحيد بأعياد أهلهم من المسلمين عادة لا عبادة, يعمهم السلام والأمن والغنى والعدل إن عمَّ, ويعمهم الرعب والخوف والفقر والظلم إن عمَّ, يشارك المسلمون في جنازات النصارى, ويشارك النصارى في جنازات المسلمين, يتعاونون في البناء, ويتساهمون في الأفراح, الموتى موتى للجميع, والمولودون مولودون للجميع, وكم من نصراني اختارت له أمه اسمًا مسلمًا, وكم من مسلم اختارت له أمه اسمًا نصرانيًا, إن شب حريق في بيت أطفأه الجميع, وإن فاض النيل زرعوا وحصدوا أو ارتحلوا, وإن جف تكافلوا وتصادقوا بالبر والإحسان, كلهم أقباط, احتار علماء الأجناس في تصنيفهم, وفشلوا في التمييز بينهم.

وشاء الله لأجدادنا منذ أن فرطوا في فرعونيتهم الوثنية واستبدلوا بها عقيدة النصرانية الموحدة ثم المثلثة, ألا يحكموا البلاد يومًا واحدًا, إذ منذ أن باعوا أصنامهم الفرعونية المحتشمة وآلهتهم المتوحدة, في أسواق فلسفة روما المتناحرة وأوثانها العارية المفضوحة, خيانة أو انبهارًا زائفًا, تسلم الرومان والبيزنطيين الحكم, وسقطت امبراطوريات الفراعنة إلى غير رجعة, وظل حكم اللاتين في البلاد قرونًا, يقهر ويظلم ويعذب ويسرق ويقتل ويذبح في أجدادنا, فكأنهم استبدلوا مقصلة فرعون بمحارق قيصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت