أما الدكتور نصر حامد أبو زيد فقد تحدّث في كتابه"نقد الخطاب الديني"عن النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في عدة مجالات منها: صفات الله وفي مجال آخر هو الحسد والسحر والجن والشياطين، وقد اعتبر أنّ الألفاظ الأخيرة مرتبطة بواقع ثقافي معين، ويجب أن نفهمها في ضوء واقعها الثقافي، وإنّ وجودها الذهني السابق لا يعني وجودها العيني، وقد أصبحت الآن ذات دلالة تاريخية، والدكتور نصر حامد أبو زيد في كل أحكامه السابقة ينطلق من أنّ النصوص الدينية نصوص لغوية تنتمي إلى بنية ثقافية محدودة، تم انتاجها طبقًا لنواميس تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي، وهو يعتمد على نظرية عالم اللغة"دي سوسير"في التفرقة بين اللغة والكلام، وينتهي الدكتور نصر حامد أبو زيد إلى ضرورة إخضاع النصوص الدينية إلى المناهج اللغوية المشار إليها سابقًا.
أما الدكتور محمد شحرور في كتابه"الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة"فقد اعتبر أنّ جميع النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجال الحياة الاجتماعية: كالنكاح، والطعام، وفي مجال الحدود: كحد السرقة، والزنا، والحرابة، والقتل، العمد الخ ...، وفي مجال الأحكام: كتوزيع الميراث، وأخذ الربا الخ ... اعتبر جميع تلك النصوص خاضعة لاجتهاد رسم له حدين: أدنى وأعلى، وقد اعتبر أنّ سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي اجتهاد محمد -صلى الله عليه وسلم- لتطبيق حدود الإسلام ضمن بيئة الجزيرة العربية، وبالتالي فإنّ تطبيقه لها ليس ملزمًا لنا في شيء.
لاشك أنّ نسبية الحقيقة هي الناظم الذي يشمل كل تلك الطروحات بدءًا من تشكيك طه حسين في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وفي واقعة بنائهما الكعبة، ومرورًا بربط الدكتور حسين أحمد أمين لحد السرقة بظاهرة الأملاك المنقولة، وباعتبار الدكتور نصر حامد أبو زيد السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظًا ذات دلالات تاريخية، وانتهاء باعتبار الدكتور محمد شحرور جواز تأرجح الحدّ بين اجتهادين أعلى وأدنى ... ولا أريد أن أكرر الحديث عن الخصوصية التاريخية التي جعلت ثقافة الغرب تقوم على نسبية الحقيقة، ولا أريد أن أفصل مناقشة رأي كل كاتب فيما يتعلق بالنصوص القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي تعرّض لها؛ فقد فعلت ذلك في مواضع أخرى أو فعل غيري ذلك، ولكني أردّ موجزًا مختصرًا فأتساءل: هل يجوز لطه حسين أن يرد نصوصًا قطعية الثبوت قطعية الدلالة في شأن وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وفي شأن بنائهما الكعبة من أجل وجود أساطير مشابهة قبلها الرومان عن بناء روما من قبل بإينياس بن بريام صاحب طروادة اليوناني؟ لماذا يربط الدكتور حسين أحمد أمين بين حدّ السرقة والأموال المنقولة، ولا يربط ذلك بفعل السرقة الشنيع وما يشتمل عليه من ترويع وتخويف واعتداء على المسروق وما يصوره من طمع السارق ودناءته وتطلّعه إلى ما في يد الغير بغير حق مشروع؟ لماذا يعتبر الدكتور نصر حامد أبو زيد الكلمات: السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظًا ذات دلالات تاريخية؟ فهل نفى العلم بشكل قطعي وجود حقائق عينية لتلك الألفاظ حتى نعفي عليها ونعتبرها ألفاظًا لا حقائق لها وذات دلالات تاريخية؟ لماذا يُخضع الدكتور محمد شحرور كل الألفاظ القرآنية للتحليل اللغوي المعجمي مع أنّ الإسلام أخرج كثيرًا من الألفاظ من معناها اللغوي وجعلها مصطلحات أعطاها معاني أخرى أمثال: الصلاة، الزكاة، الإيمان، الكفر، الحدّ الخ ...، وعليه أن يحترم هذه المصطلحات عند أيّ بحث علمي؟
والآن أعود إلى نسبية الحقيقة التي تتصادم مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يؤدي إلى ثبات الحقيقة، وأتجاوز الظروف التاريخية التي جعلت نسبية الحقيقة جزءًا أساسيًا من ثقافة الغرب والتي تختلف عن ظروفنا التاريخية وأتساءل: هل حقًا ليس هناك ثبات في الحقيقة؟ ومن أين جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ثقافتنا الإسلامية؟ وما سنده الواقعي في صيرورة الكون؟
لقد جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يشير إلى ثبات بعض الحقائق من الفطرة الثابتة التي لا تتغيّر، قال: (فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها لا تَبْديلَ لخَلْقِ اللهِ) . [الروم،30] ، فطالما أنّ هناك فِطرة ثابتة لا تتغيّر فهناك حقائق ثابتة لا تتغيّر، وهذا ما قادت الظروف التاريخية أوروبا لإنكاره، وليس بالضرورة أن يكون الصواب مع أوروبا.
غازي التوبة 9/6/1427
زاد الاهتمام بالمسألة الثقافية بعد أحداث 11 سبتمبر2001م، وتكرّر الحديث عن ضرورة إحداث تغييرات ثقافية واسعة في منطقتنا العربية في القرن الحادي والعشرين، وطرحت أمريكا من أجل تحقيق تلك الغاية"مبادرة الشراكة الأمريكية-الشرق الأوسطية"في 12/12/2003م على يد كولن باول وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، كما طرح جورج بوش رئيس الولايات المتحدة"مشروع الشرق الأوسط الكبير"الذي ناقشته ووافقت على تبنّيه الدول الصناعية الكبرى الثماني في حزيران (يونيو) من عام 2004م، وقد تضمّن المشروعان السابقان الصادران عن مؤسّسات أمريكية ودولية توجّهات نحو إحداث تغيير في كل تفريعات المسألة الثقافية في منطقتنا من مناهج، وإعلام، ولغات، وطرق تربية، ومدارس، وخطاب ديني الخ...، واستهدف المشروعان إقامة ورش عمل للتدريب على العمل الديموقراطي، والممارسات الانتخابية والنقابية الخ...، واعتمد المشروعان تعميم ثقافة حقوق الإنسان، وحرية المرأة، والمبادئ الديموقراطية الخ...، ورصد المشروعان مبالغ مالية من أجل الإنفاق على مراكز التدريب والتعليم والورش والمؤتمرات والدعاية المرتبطة بهما.
والسؤال الآن: هل الاهتمام بالمسألة الثقافية أمر جديد على المنطقة؟ الجواب: لا، بل هو قديم منذ القرن التاسع عشر، فقد اهتم رفاعة رافع الطهطاوي وهو أول مَعْلَم من معالم النهضة بالمسألة الثقافية، وربما كانت المسألة الثقافية اهتمامه الأول، فقد كتب رسالته المشهورة"المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين"في صدد الحديث عن التعليم والتربية والمدارس، كما أنشأ دارًا للترجمة من أجل نقل جانب من التراث الفرنسي الذي اطلع عليه أثناء مرافقته للبعثة المصرية خلال إقامته في فرنسا.
وأكّدت سيرة محمد عبده (ت 1905م) أبرز رموز النهضة أيضًا الاهتمام بالمسألة الثقافية، فقد كتب مذكّرتين في إصلاح التعليم قدّم إحداهما إلى شيخ الإسلام في استنبول، والثانية إلى اللورد كرومر في مصر، وكتب رسالة في إصلاح الأزهر تناولت المدرسين ونظام التدريس والامتحان وكتب التدريس ورواتب المدرّسين الخ...، وقدّم هذه الرسالة إلى مجلس إدارة الأزهر الذي أصبح عضوًا فيه، وكتب مذكّرة في إصلاح المحاكم الشرعية، كما وضع لائحة لإصلاح المساجد وقدّمها إلى مجلس الأوقاف لإقرارها والعمل بها، وأنشأ جمعية إحياء الكتب العربية افتتحها بطباعة كتاب"المخصص"لابن سيده الخ... وألّف محمد عبده كتبًا عالجت مختلف النواحي الثقافية والدينية، فألّف"رسالة التوحيد"التي عالجت الجانب العقائدي في تراث الأمّة، كما ألّف"تفسير المنار"الذي عالج التقريب بين الغيب الديني والمادية الغربية الخ...