6 ـ لاسباب عديدة ـ كذلك ـ منها ـ على سبيل المثال ـ: إنكسار حدة الإلحاد بظهور حقائق علمية ساطعة تقود الى الإيمان بالله تعالى، وبانهيار دولة (الإلحاد المنظم) المبشر به على مستوى عالمي، وبوجود حقائق طبية يقينية تربط بين أمراض كثيرة وبين (الخواء الروحي) أو النفسي؛ لهذه الأسباب وغيرها: آب الناس إلى (الدين) : أيًا كان دينهم وملتهم.. ومن هنا ظهرت (صحوات دينية) متنوعة في عالمنا هذا: صحوات مسلمة ومسيحية ويهودية وبوذية الخ.. وما هو بعاقل من ينكر ذلك أو يعده أزمة لا تحل إلا بوضع خطة خمسية أو خسمينية لـ (تكفير) الناس أجمعين، بمعنى أن (الإلحاد العالمي الشامل) هو الحل الأعقل والأمثل لأزمة الصحوات الدينية هذه!!.. وباستبعاد هذا الحل (المجنون) لم يبق إلا خياران: خيار ان تنحرف هذه الصحوات إلى توترات وصراعات دينية تقوض السلام الاجتماعي والسياسي في العالم كله، وأدنى الناس عقلا لا يقول بذلك ولا يتمناه، اما الخيار الثاني فهو: الخيار العقلاني الواقعي: خيار الهدوء والتعايش .
والقاعدة العقلية لهذا الاقتناع هي (المعرفة) . إن فقدان (المعرفة) سبب رئيسي فيما جرى.. مثلا: اتهم الاسلام بتهمة (الانتشار بالسيف) وهي تهمة نقلها البابا عن ذلك الامبراطور البيزنطي، وإنما أسس الامبراطور فكرته هذه على ملاحظة جاهلة غير عليمة، فقد قال: إن آية «لا إكراه في الدين» جاءت في وقت مبكر حين كان المسلمون مستضعفين في مكة ولذلك فهي آية استثنائية مؤقتة وليستأ.. من أين أخذ الإمبراطور هذه المعرفة؟.. من الجهل المحض!!
أ ـ فالآية الآنفة وردت في سورة البقرة. ولما كانت سورة البقرة هي السورة رقم (2) في ترتيب المصحف، فقد توهم الامبراطور أنها الثانية في ترتيب التنزيل وبذلك جزم بأنها مكية ثم بنى على ذلك معلومته العجيبة. بينما الحقيقة العلمية تقول: إن سورة البقرة نزلت في المدينة، وأن نزولها امتد حتى حجة الوداع.
ب ـ بمقتضى دلالات لغة العرب التي نزل بها القرآن، فان جملة (لا إكراه في الدين) نافية لـ (جنس) الإكراه بإطلاق، وبصفة مؤبدة لا استثنائية ولا مؤقتة.
ج ـ إن آية «لا إكراه في الدين» ليست مفردة معزولة بل هي حقيقة في سياق منهج متكامل انتظم آيات أخرى منها: «فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر» .. «وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» .. «.. أنلزمكموها وأنتم لها كارهون» .. «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» ؟!
زين العابدين الركابي*
الفدرالية تأوّل نفر من الناس اسم (نوردوم سيهانوك) ، تأويلًا فهم منه (عروبة) صاحب الاسم. فأصل الاسم عند هذا المتأوّل، هو (نور الدين شيخ النوق) ، معززا تأويله بقرينة أخرى هي: أن كمبوديا نفسها كانت (عربية) في زمن غابر، بدليل أن اسمها الأول العريق الوضعي هو (كان بودي) ، فلا يزال يتحرّف بالاستعمال حتى أصبح (كام بوديا) !.
ويبدو أن هناك من تأوّل ـ أيضًا ـ كلمة (فدرالية) ، حين ردها أو اشتقّها من جذر عربي هو (فدر) . فمن إشتقاقات هذا الجذر: الانقطاع والانعزال عن المجموع، ففعل فدر، أي منعزل. والفدرة هي القطعة المنبتة من كل شيء.. في حين أن (الفدرالية) مصطلح سياسي لا علاقة له بلفظة فدر هذه، لكن التأويل الفاسد لها، أي الفدرالية، يجعلها مثيلا للانقطاع والانعزال والتشظي والانفصال المرن المبرمج المؤصل.
وهذا منفذ إلى موضوع المقال: موضوع أن ما يجري في العراق من صراع فكري وسياسي ودستوري: مشحون بمخاطر التقسيم والتفتيت في ظل مصطلح الفدرالية، ولئن قيل: إنه لا مشاحة في الاصطلاح، فإن المشاحة قائمة وحادة في ما يتعلق بمفاهيم المصطلحات، وفي توظيفها واستغلالها.
إن الفدرالية ـ في عبارة ميسرة جدا ـ هي: تفاهم مجموعة من الأقاليم وتراضيها سياسيا ودستوريا على أن تتحد في ظل دولة واحدة ذات حكومة مركزية لها صلاحيات معينة لا تنازعها فيها الأقاليم ولا تتجاوزها.. ويعني هذا المفهوم (المتفق عليه في غالب المدارس السياسية والدستورية) ، يعني: التراضي العام على صلاحيات غير مركزية للأقاليم.. والتوافق الجماعي على أهمية الحكومة المركزية وسلطاتها.. وألا تُنقض صلاحية المركز باسم الفدرالية.. وألا تكون الفدرالية في يوم ما ذريعة للتقسيم والتفتيت والتفجير بألغام دستورية أو بأجندات سياسية خفية يتواطأ عليها أطراف في الاتحاد.. ومن أبرز النماذج الفدرالية: اتحاد الولايات الأمريكية، فهو اتحاد تفاهم وتراض على صلاحيات الولايات، وعلى صلاحيات الحكومة المركزية التي من حقها استعمال حقها الدستوري تجاه كل ما يخل بالاتحاد. وعلى سبيل المثال: قبل أن يجرى تنصيب إبراهام لنكولن رئيسا للولايات المتحدة، كانت سبع ولايات جنوبية قد انفصلت عن الاتحاد، وأنشأت ولايات منفصلة باسم (ولايات أمريكا الاتحادية) ، ولقد تطلب إعادة تلك الولايات إلى الإطار الدستوري والتطبيقي الاتحادي: تطلب سنوات أربعا من الصراع الدامي الرهيب.
فالفدرالية ـ من ثم ـ ليست منتدى يحتسي اللهو سمّاره، ولا اتفاقا (مزاجيا) يبرمه صاحب المزاج متى شاء، وينقضه متى شاء، ولا صراعا دائما بين المركز والأقاليم، ولا ذريعة لهدم (الدولة) بحجة أن طغاة باشروا السلطة فيها فأساءوا استعمال السلطة بالتجبر والظلم والاستبداد، فلو كانت الدول تفتت أو تلغى بسبب وجود حكام يظلمون ويبطشون ويذلون الإنسان: لتعين إلغاء دولة فرنسا بسبب مظالم نابليون، وإلغاء دولة ألمانيا بسبب طغيان هتلر وجنونه، وإلغاء دولة إيران بسبب استبداد الشاه وبغيه وظلمه.
لقد طرحت الفدرالية في العراق بصورة هي أقرب إلى (الثأر) من المركز منها إلى البحث المعقول المشروع عن (صلاحيات مجزية) للأقاليم في ظل دولة موحدة.
نعم، إن المفهوم الفدرالي المطروح في العراق اليوم، إنما هو (تقسيم حقيقي وكامل) لدولة العراق:
1 ـ تقسيم جغرافي (شمال وجنوب.. الخ) .
2 ـ تقسيم عِرقي (عرب وأكراد.. الخ) .
3 ـ تقسيم طائفي (شيعة وسنّة.. الخ) .
إن مشروع الدستور المعروض للمناقشة، قد نص على المرجعية الدينية واستقلالها الإرشادي ودورها الوطني.. فأي مرجعية يقصد هذا النص؟.. إن الارتفاع الإسلامي الواجب فوق النزعات الطائفية، يقضي بالاكتفاء بالنص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن شريعته هي الهدي العام لجميع المسلمين في العراق.. هذا يكفي.. يكفي.. يكفي.. وثمّة لغم في العلاقات الخارجية مدفون في مشروع الدستور، فقد نص المشروع على أن يتمتع رئيس الإقليم بحق تمثيل إقليمه في الخارج!.
نحن نعلم أن الأكراد قد نزل بهم ضرر شديد، وبلاء عظيم. ولسنا نقول ذلك ابتغاء التوازن في الطرح الآن، بل قلنا من قبل: «إن القضية التي لا يحق لأحد أن يغيبها عن الوعي هي: أن الأكراد مظلومون ثقافيا واقتصاديا وعِرقيا، ومظلومون بحرمانهم ـ بحكم قوميتهم ـ من الصعود إلى المناصب التي من حق أي مواطن أن يصل إليها بكفاءته المجردة» ..