أما بعد: إن واقع المسلمين في أزمتهم الحالية ونكباتهم المعاصرة كما قلنا أشد من كل سابقاتها، لأن الدين نفسه قد تزعزع في نفوسهم، هذا هو السبب، تخلخلت العقيدة في القلوب فأصبح الشك في صلاحية الإسلام، وحصل الانبهار بحضارة الغرب، وصار الإعجاب بإنجازات الكافر، وفتح باب الاستيراد من الغرب على مصراعيه، يستورد السيارات والأجهزة والأدوات والأثاث، ويستورد معه الأخلاق والسلوك والأفكار بل والعقائد، ونظم الحكم والتشريع، فأصبح هناك مسافات بعيدة جدًا بين الإسلام الصحيح وبين واقع المسلمين، عبادات الناس تغيرت، أخلاقهم تغيرت سلوكهم تغيرت، بل دينهم تغير والعياذ بالله، خلت حياة الناس من الروح، وأصبحت الحياة كلها تقاليد موروثة، يحافظ عليها من أجل أنها تقاليد، لا من أجل أنه دين، فالعبادة تقاليد، والسلوك تقاليد، وحجاب المرأة، الذي صار كل يوم يتقلص تقاليد، وقضية العرض في بعض المجتمعات أيضًا صار تقاليد.
لقد عرف العدو في هذه المرة كيف يغزو العالم الإسلامي، لم يستخدم في هذه المرة دبابات ولا قاذفات قارات، استخدم ما يسمى بالغزو الفكري، ترك الغزو الفضائي والغزو البري، وأحكم قبضته على العالم الإسلامي بالغزو الفكري، وهو أن يسلط على المسلمين فكره وخلقه وسلوكه.
الغزو الفكري يود أن يقنع مجتمعات المسلمين بكل ما لديه، الغزو الفكري يريد أن يجعلك تنظر للغرب بأنه هو الأعلى وهو الأكمل وما عنده هو الأحسن، وتشعر في قرارة نفسك بالذلة والمهانة، فإذا حصل، وقد حصل كل هذا وأكثر مع كل أسف، فماذا حصل هذا؟ سلّم المسلمون ديارهم وأموالهم للغرب، يلعبون فيه كيفما شاؤوا، ويأخذون ما شاؤوا دون حسيب ولا رقيب وصار خيرات هذه الأمة تستنزف، لتصب في جيوب وبطون أعداء الأمة.
وهل توصل الغرب إلى ما توصل إليه، في يوم وليلة، بالتأكيد لا، لكن الأهم من هذا معرفة بعض طرقه التي استخدمها للتوصل لمراده.من هذه الطرق والوسائل أنه سلط على العالم الإسلامي إعلامًا متكاملًا مقروءًا ومسموعًا ومشاهدًا، وكله يصب في قناة واحدة، فقل فكر وخلق وسلوك الغرب، وبإظهاره بمظهر الأفضل، وانتقاد كل ما له تعلق بالدين من جهة أخرى، مرة عبر مقالة لمن يهوى القراءة، ومرة عبر أغنية لمن يهوى الاستماع، ومرة بل ومرات عبر تمثيليات ومسرحيات ساقطة كله يقوم على العشق والحب والغرام، يهدم أخلاق وقيم الإسلام في نفوس الناشئة الذين يتلقون هذا السيل الجارف، ومع كل ما خرّب وهدم ودمر الغرب في ديار المسلمين لم يقتنع بعد، وصار بعد كل فترة يخرج لنا بجديد لإيصال نتنه وزبالة خلقه لمجتمعات المسلمين، فخرج علينا في السنوات الأخيرة، بهذه الدشوش التي وضعها عدد غير قليل من المسلمين فوق بيوتهم، وما بقي إلا أن يضعوها فوق رؤوسهم، إعجابًا بها، وانبهارًا لما تنقله وتدخله في كل بيت، فأصبح الغرب وهو في مكانه، وعبر هذه القنوات، يدخل في بيوت المسلمين ما يشاء من فكر وخلق وسلوك ودين، لا يمر على رقابة إعلامية ولا غير إعلامية، ويربي كل من في هذه البيوت، التربية التي يريدها.
ويتوقع إن لم يتغمدنا الله بلطفه ورحمته، أنه في خلال سنوات قليلة، يتم غسل أدمغة شباب وشابات المسلمين من أبناء هذه الأمة غسيلًا فكريًا كاملًا، يعجبون بكل ما عند الغرب، وتربيهم هذه الدشوش على قلة الحياء وضعف الخلق، واللامبالاة، ويحرك فيهم الغرائز الجنسية فيخرج علينا جيل ينادي بالإباحية ويحارب الفضيلة كما حصل تمامًا في بعض البلدان الإسلامية من قبل، وصار أبناء البلد، هم الذين يحاربون الدين والخلق والفضيلة في البلد.
وما الجرائم الأخلاقية التي تزعجنا أخبارها يوميًا، وما هذه المشاكل التي أيضًا نسمعها يوميًا في المجمعات التجارية والأسواق وما يحصل بين البنات والأولاد، إلا ـ والله المستعان ـ إرهاصات، وإنذار بشيء خطير لا يحمد عقباه.
نسأل الله جل وتعالى أن يصرفه عنا.
أيها المسلمون، إنها حقًا أزمة حادة، بل أزمات، ونحن نستقبل عامًا هجريًا جديدًا، يحمل همها العلماء الربانيون والدعاة المخلصون وطلاب العلم العاملون، والصالحون الطيبون أمثالكم.
فالوضع بحاجة إلى تكاتف الجميع، وشعور بالمسئولية وأن نبدأ بإصلاح أنفسنا وبيوتنا، وأن نهتم ونتابع أولادنا، وبناتنا بكل دقة، والثقة الزائدة، تكون في بعض الأحيان سلبية.
نسأل الله عز وجل أن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا وأن يجعل عامنا هذا عام خير وبر وعمل.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3063)
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
الخطبة الأولى
أما بعد: فهذا بيان صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
نص البيان: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فنظرًا لكثرة التشكيات والاستفتاءات على مدى ست سنوات متواليات من عام 1416هـ إلى عام 1421هـ بشأن مسلسلات (طاش ما طاش) ، لما فيه من مخالفات للشرع المطهر، والآداب والقيم، ويمكن إجمال ما لاحظه الناصحون والمستفتون على المسلسلات المذكورة على النحو الآتي:
1-السخرية بأهل الخير والصلاح وإلصاق المعايب بهم.
2-خروج المرأة مع الرجال الأجانب وما يتبع ذلك من اختلاط وتبرج وسفور وخضوع بالقول وغير ذلك.
3-العمل على توهين الأخذ بأحكام الشرع المطهر، والترغيب فيما نهي عنه، كترك الحجاب، وإبداء الزينة للأجانب، وقيادة المرأة للسيارة، والسفر إلى بلاد الكفر، وإلى البلاد التي تشتهر بالرذيلة وتحارب الفضيلة.
4-لَمْزُه المتصفين بالغيرة على محارمهم ونسائهم.
5-إثارة الشهوات في مشاهد بشعة، تقتل الحياء وتقضي على العفة.
6-القيام بأفعال فيها رعونة وسخرية وخرم مروءة، كالتزيي باللّحى المصطنعة ونحوها.
7-تناول عادات بعض البلدان والمناطق، ومحاكاة لهجاتهم على وجه التحقير لأهلها وإظهار معايبهم.
وإنه بعد دراسة اللجنة لتلك الاستفتاءات، وإطلاعها على رصد موثق لهذا المسلسل، فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تبين لعموم المسلمين ما يلي:
أولًا: يحرم إنتاج هذه المسلسلات وبيعها وترويجها وعرضها على المسلمين لأمور منها:
1-اشتماله على الاستهزاء ببعض أمور الدين والسخرية ممن يعمل بها. وهذا أمر في غاية الخطورة على من ينتهجها، ويخشى عليهم من سوء عاقبتها الوخيمة.
2-اشتماله على ما يعارض الشرع المطهر، وحمل الناس على الخروج على أحكام دينهم وشريعة ربهم، وذلك من خلال: ترسيخ العلاقات غير المشروعة بين النساء والرجال الأجانب، وعيب الغيرة على المحارم، والتهاون بالحجاب وغير ذلك.
3-اشتماله على الدعاية للبلاد التي تظهر فيها شعائر الكفر، والبلاد التي اشتهرت بالفساد الأخلاقي.
4-اشتماله على ما يثير النعرات والعصبيات الجاهلية، عن طريق السخرية بالعادات واللهجات، وهذا ينافي مقاصد الشرع المطهر، من الحث على المحبة والألفة والإخاء والصفاء بين المسلمين، والبعد عن أسباب الشحناء والبغضاء، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:10، 11] .