فهرس الكتاب

الصفحة 1208 من 3028

وصلوا على رسول الله امتثالا لأمر الله، فقد قال عز قائلا عليما: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب اللواء المعقود والحوض المردود والمقام المحمود، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم بمنك وفضلك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3333)

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فاتقوا الله ـ أيّها المسلمون ـ حقَّ التقوى، وأطيعوه في كلِّ أحوالكم يصلِح لكم الدنيا والأُخرى.

عبادَ الله، إنَّ ضلالَ من ضلَّ عن الصراطِ المستقيم وزيغَ من زاغَ عن الدِّين القويم إمّا بسَبب الشهواتِ وإيثارِ الدنيا على الآخرة كما قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] ، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] ، وكما قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-39] ، وإما أن يكونَ الزيغُ والانحراف عن الدينِ القويم بسبَب الاعتقاد الفاسدِ والفهم الضّال كما قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:103-105] ، وكما قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران:105، 106] .

روى ابن جرير في تفسير الآية عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (همُ الخوارج) (1) [1] ، وقال ابن كثير في تفسيره:"يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ يعني: يومَ القيامة حين تبيضّ وجوهُ أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوهُ أهل البدع والفُرقة، قاله ابن عباس رضي الله عنهم" (2) [2] انتهى.

أيها المسلمون، إنَّ الفتنَ أعظمُ ضَررٍ على الدّين والدنيا، وإنّ القائمين بالفتَن أصحابُ شهواتٍ ومقاصدَ سيّئة محرَّمة، وأصحابُ زيغٍ في العقيدة وضلال في الأفهام، حذَّرنا منهم الكتاب والسنة، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7] ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( فإذا رأيتُم الذين يتَّبعون ما تشابَه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذَروهم ) )رواه البخاري ومسلم (3) [3] .

والفتنُ لا تكون إلاَّ مع الاختلاِف، ولكنَّ أهلَ العلم يعرِفونها ويحذّرون منها. ومعنى الفِتَن كلّ قولٍ وكلّ فعل يضرُّ المسلمين في دينهم ودنياهم ويصدّهم عن الحقّ بذهاب الدين كلِّه عند المسلم أو نَقصِه.

وقد حذَّرنا الله تعالى من الفتن، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] . وحذَّرنا رسول الله من جميع الفِتَن، بل سمَّى بعضَها ووصَفها لنبتعِدَ عنها، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمَّته على خيرِ ما يعلمه لهم، وينذِرهم شرَّ ما ي منه فأولئك الذين علمه لهم، وإنَّ أمتَكم هذه جعَل الله عافيتها في أوَّلها، وسيُصيب آخرها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنٌ يرقِّق بعضُها بعضًا، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلِكتي، ثم تنكشِف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحبَّ أن يُزحزَح عن النار ويدخَل الجنة فلتأتهِ منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه، ومن بايَعَ إمامًا فأعطاه صَفْقة يدِه وثمرةَ قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاءَ آخر ينازِعه فاضربوا عُنقَ الآخر ) )رواه مسلم (4) [4] ، وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن السَّعيدَ لمَن جُنِّب الفتن، إنّ السعيد لمَن جُنِّب الفتن، ولمَن ابتُلي فصبرَ فواهًا(5) [5] ))رواه أبو داود (6) [6] ، وفي الحديث: (( استعيذوا بالله من أربع: فتنةِ القبر، وعذابِ النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنةِ المسيح الدجّال ) )رواه البخاري ومسلم (7) [7] ، ولكن إذا وقعتِ الفِتنُ فقد جعل الله للمسلمِ منها مخرجًا وملاذًا وحِصنًا يَعتصِم به، وملجأً يتمسَّك به.

فممَّا يعصِم من الفتن الدعاءُ، فهو جامعٌ لكلّ خير وصارفٌ لكلّ شرّ، وفي الحديث: (( تكون فِتنٌ لا ينجو منها إلا مَن دعا دعاءَ الغريق ) ) (8) [8] .

ومما يعصِم وينجي من الفتنِ التمسُّك والاعتصامُ بكتاب الله تعالى وسنةِ رسوله وفهمُ معانيها وتفسيرُها عن الراسخين في العلم وليس عن الجاهلين والمبتدعين؛ لأن أكثرَ الانحراف سببُه سوءُ الفهم للقرآن والسنة، قال: (( تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله وسنتي ) ) (9) [9] .

ومما يعصم وينجي من الفتن إنكارُ القلبِ للفتنة والتحذيرُ منها وبُغضُها، عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: (( تُعرَض الفِتن على القلوب كالحصير يُعرَض عودًا عودًا، فأيّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتت فيه نكتة سوداء، وأيّ قلبٍ أنكرها نُكِتت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين، على أبيضَ مثل الصّفا، فلا تضرّه فتنة ما دامتِ السموات والأرض، والآخر أسودُ مربادّ كالكُوز مجخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا من أُشرِب من هواه ) )رواه أبو داود (10) [10] . ومعنى (( أسود مربادّ ) )هو شدّة السواد مع بياض، ومعنى (( مجخِّيًا ) )أي: منكوسًا لا يصِلُ إليه خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت