ولعل من أخطر وسائل الغزو القديمة الجديدة اليوم، إنما تكمن في محاولات الاختراق للمؤسسات الإسلامية، ومواقع العمل الإسلامي ومحاولة الانحراف بها من الداخل، لإخراجها من الإسلام، أو لحملها على ممارسات، تشوه صورتها، تأتي نتيجة للضغوط الاجتماعية، وردود الأفعال، في محاولة لتشويه البديل الإسلامي المأمول، بعد أن سقطت القيم الثقافية والسياسية، التي تغري بالحضارة الغربية، وتبين أن طرحها في بلاد المسلمين كان لونًا من الغزو، لتحقيق العمالة الحضارية، والثقافية، التي تمكِّن وتقود للعمالة السياسية،واتجه الناس صوب الإسلام.. ومحاولات هذا الاختراق الثقافي، ستبقى دائمة ومستمرة، يقول تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) (آل عمران:72) . فمحاولات الدخول والخروج مستمرة، والاختراق قائم دائمًا. والشواهد كثيرة.
وقد يكون من أخطر وسائل الاختراق، أو الغزو الثقافي، أو الفكري،عند عدم القدرة على مس معارف الوحي في الكتاب والسنة، بشكل مباشر، التحول إلى التفسير والتأويل لهذه المعارف، بما يوهن القيم في نفوس المسلمين، ويخرج بالمعنى عما وضع له اللفظ، كلون من التحريف المعاصر، في محاولة لتوفير الغطاء، والمسوغات الشرعية لقيم الحضارة الأوروبية.
لذلك لابد من التأكيد، أنه من الناحية الشرعية، والعلمية، والمنهجية، والثقافية، لا يجوز بحال من الأحوال الاستقلال بالتفسير بالرأي، والخروج به، عن إطار، وضبط، التفسير بالمأثور، والبيان النبوي، حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، وحتى لا نخترق، ويصبح الغزو ذاتيًا، ومن الداخل الإسلامي. فللعقل أن يرتاد الآفاق، ويمتد بالنص، ويجرده عن قيود الزمان والمكان، ويعدِّي الرؤية، ويحقق الخلود، لكن ذلك لا بد ألا يخرج عن نطاق البيان النبوي، أو يعارضه أو يلغيه.
وفي تقديري، أن عملية التجديد، التي أخبر بها المعصوم عليه الصلاة والسلام بقوله: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) (رواه أبو داود في الملاحم) -والذي أرى فيه أمرًا تكليفيًا زائدًا عن الإخبار- إنما تتركز في إعادة المعايرة للواقع، وما صار إليه، وما لحقه من إصابات الغزو الفكري، وما توضع عليه من اجتهادات بشرية، بعد أن تبدلت الظروف، وتغيرت المشكلات، وما استجد من أوضاع، وما ساده من تقليد، كاد يحجب الرؤية عن القيم المعصومة في الكتاب والسنة.. هذه المعايرة أو التجديد، هي في الحقيقة ليست إلغاءًا، أو تبديلًا، أو تعديلًا للقيم، وإنما هي عودة إلى المعايرة للواقع، بالقيم المعصومة، وإعادة النظر في تنزيلها على الواقع، واستئصال نابتة السوء، ومحاصرة البدع والخرافات، التي ألفها الناس، وبيان فسادها، ومخالفتها للشرع، وتحديد مواطن الانحراف، وإصابات الغزو الفكري، وكشف علل التدين.. وبكلمة مختصرة: التجديد والمعايرة: عودة إلى الينابيع الأولى للإقلاع من جديد. وبعد؛
فلعل المرحلة التي نمر بها الآن، تقتضي منا العودة إلى عملية التعبئة العامة،والنفرة خفافًا وثقالًا، في الميادين المختلفة، في مواجهة الهجمة الشرسة، وإدراك أبعاد ووسائل الغزو الفكري، وأهدافه، التي يعمل لها في بلاد المسلمين، في حقبة العلو اليهودي الثقافي والسياسي، بعد العلو العسكري، الذي سبقه، ومهد له، في محاولة لتحقيق الحصانة الحضارية، والمناعة الفكرية للأمة، والحيلولة دون سقوطها، بما يراد لها في هذا الزمن، الذي يتعاظم فيه أجر الالتزام بالقيم الإسلامية، بتعاظم الفتن، التي لا بد من مبادرتها بالأعمال الصالحة، كمسالك، ونماذج عملية، تحقق الحماية، وتحمي نسيج الأمة، وتحول دون الذوبان، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتنًا كقطع الليل المظلم"، (رواه مسلم) إضافة إلى إعادة بناء نسيجها الثقافي، وتصويب معاييرها، ولا سبيل إلى ذلك، إلا بالعودة للاستمساك بالكتاب والسنة، حتى نأمن الضلال، والتضليل الفكري والثقافي.
والكتاب الذي نقدمه اليوم، هو محاولة لإلقاء بعض الأضواء الكاشفة على وسائل الغزو الفكري، وأهدافه، في بلاد المسلمين، والتعرف إلى جذورها ومظاهرها.
ولعل الاقتباسات الكثيرة التي أوردها مؤلف الكاتب - جزاه الله خيرًا - تفتح نوافذ واسعة على مراجع ومصادر فكرية، في المكتبة الإسلامية للكثير من القضايا المطروحة، وتكون دليلًا لمتابعة هذه المسألة الخطيرة في حياة المسلمين.
والله نسأل أن يلهمنا رشدنا، ويهدينا إلى سواء السبيل.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين. جعل الدين عنده الإسلام. والصلاة والسلام على رسول الإنسانية محمد الصادق الأمين.
أما بعد:
فإن التيارات الفكرية، والحركات المعاصرة، تشكل تيارًا جارفًا يزحف على المجتمعات الإنسانية في خبث ومكر ودهاء. ليصرف المجتمعات عن حركة الحياة، ويشغلها بما هو بعيد عنها.
ولقد عانت المجتمعات الإسلامية من التيارات الفكرية الزاحفة، وشغل الناس بها. مما صرف الناس عن المواكبة العلمية، والفهم الصحيح لمبادئ الإسلام . ومما لا يخفى على عاقل: أن التيارات الفكرية، تعمل بكل ما تمتلك من إمكانات على غزو المجتمعات الإسلامية، غزوًا يفتت الأمة ويضعف من انطلاقها، ويقيد حركاتها، ويبعدها عن الواقع.
ولكم تهاوت أمم وشعوب وأجيال، وتساقطت في هاوية الفساد بسبب هذه التيارات . والتي يرقص السذج والجهال على نغم إيقاعها. ويفتنون بمظاهرها وواجهاتها.
وقد لا يخفى: أن الأمم، تسعد، وتشقى، وتصح وتمرض، وهي بحاجة إلى علاج إذا سقطت فريسة الأوبئة، التي تنتاب النفوس المظلمة، التي فقدت مناعتها، فخارت قواها.
ولا توجد مدرسة تتناول بالرعاية والعناية، النفس الإنسانية، كمدرسة الإيمان. لأن الإيمان يخط المسار، ويضع المنهاج، ويحول بين النفس، وبين دواعي الانحراف، بما يوفر من قيم فعالة، تعالج ما قد يبتلى به الإنسان.
وقد لا يكون المرء مجانبًا للصواب، إذا ما تأكد لديه: أن ما تعانيه المجتمعات الإسلامية من هزائم فكرية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، هو نتيجة حتمية لانهدام الشخصية الإسلامية.
ويكاد يكون معروفا، أن أخطر ما تتعرض له الأمة هو هدم شخصيتها الإسلامية هدما عقديًا، وثقافيًا وسلوكيًا.
ولعل طبيعة الهدم، لم تنشأ إلا من جراء انهدام الشخصية، وما أعقب ذلك من غياب الفاعلية في حياة المسلم.
ولهذا جاء هذا الكتاب ليبين: أن الأمة الإسلامية هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار. وأن سوق الأفكار من أخطر أسواق المنتجات، وأكثرها تقبلًا للتزييف والإفساد.
ومن حق مجتمعات الأمة الإسلامية أن تتنبه للأخطار الفكرية، والتيارات الهدامة التي تحدق بالأمة.
ومن حق الأمة الإسلامية أن تتبصر المواقع ، وتتعرف على طريق الصواب.
ولا بد لهذه الأمة أن تدرك وجودها ، وتبحث عن مكانتها التي نيطت بها.
وإن أمة تخطو إلى الأمام، لا بد وأن تنطلق بقوة، ووعي، مسترشدة بمبادئ وتعاليم الإسلام
بداية نقف عند مصطلح (الغزو الفكري) الذي يتردد في هذا العصر كثيرا على ألسنة الباحثين، والكاتبين، والمتحدثين، وإن وقفة استقرائية، تكشف في وضوح: أن هذا المصطلح، لم يسمع به قبل القرن الرابع عشر الهجري (القرن العشرين الميلادي) .