فهرس الكتاب

الصفحة 2523 من 3028

لا أذكر من أسألتهم إلا سؤالا واحد وهو قولهم:"لم تختارون الإسلام مع أن المسلمين في شدة وضيق وتفرق وفقر وبعد عن الأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة ؟"فأجبتهم قائلا:"ما اخترت الإسلام إلا بعد مطالعة قواعد الإسلام لا بدراسة أحوال المسلمين اليوم وإن كنتم في ريب منه فأعرضوا علي ما أشكل عليكم من أصل الإسلام وعقيدته". ولكن جهودهم ذهبت أدراج الرياح فبهتوا وسكتوا وانقلبوا خائبين يلومون أنفسهم كما هي عادة المعاندين عند المحاولة فصدق عليهم قول الله عز وجل: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . فما كنت أرجع إلى بيتي إلا وقلبي مطمئن بالإيمان واستمر هذا البحث والنقد خمسة عشر يوما متوالية.

المرحلة الثالثة: ثم جاءت مرحلة الأذى والتعذيب التي كنت أنتظرها بفارغ الصبر فمن أذاهم حبسهم الماء والطعام عني وانقضوا علي ضربا بالعصا والنعال فاستمروا بجهودهم شهرين متتابعين وبعد ما يئسوا من رجوعي إلى دينهم تآمروا على قتلي ولولا أن الله أنجاني منهم بلطفه الخفي لقتلوني شر قتلة، فيسر الله لي طريق الهجرة وهاجرت إلى مكان هادئ تاركا والدي والرفقاء والأصدقاء والكثير من العشيرة الأقربين لأحافظ على ديني وإيماني كل المحافظة بفرح وسرور، كما هاجر أبونا إبراهيم عليه السلام قائلا: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

المرحلة الرابعة: فلما خرجت من وطني مهاجرا إلى ربي ووصلت إلى بعد 400 كيلومتر غربا إلى بلدة بدايون أردت أن أقرأ القرآن وأتعلم اللغة الأردية فعينت مدرسا للغة الهندية والإنجليزية والتاريخ والرياضيات في مدرسة إسلامية صغيرة، وفي أوقات الفراغ كنت أتعلم القرآن. ولكن الهندكيين علموا بذلك سنتين ولم يرضوا بهذا فجاءت المؤامرات الأخرى. ووجدت نفسي مضطرا إلى الخروج من هذه الناحية إلى ناحية أخرى بعيدة عنها وهي مدارس في جنوب الهند وتبعد عنها بدالون ألفي ميل.

و لما وصلت إلى مدارس التحقت بمدرسة دينية معروفة تسمى (( بجامعة دار السلام ) )وهي محاطة بالجبال والأشجار ذات بهجة ومنظر ممتع يسر الناظرين، ثم أصبحت طالبا رسميا في تلك المدرسة وهذه المدرسة تهتم بالتعليم والتربية متمسكة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فبذلك حفظني الله من التعصب للمذاهب واتباع الأهواء والفرق المبتدعة والطرائق الخرافية.

فطفقت أتعلم اللغة العربية وآدابها وعلومها والعلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه، وتعلمت شيئا من المنطق والفلسفة. واستمرت دراستي ست سنين، ثم بعد التخرج في المدرسة قدّمت طلبا للالتحاق بالجامعة الإسلامية إلى صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كي أنهل العلوم الشرعية من مناهلها الصافية فقبل الشيخ طلبي فسافرت من بلاد الهند إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم سائلا الله تعالى أن يجعلني من الحنفاء المخلصين له الدين ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين .

الحرية

حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررا كاملا وحقيقيا من العبودية للبشر.

و لا حرية في الحقيقة ولا كرامة للإنسان في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد.

المعالم / سيد قطب

12 / 07 / 2007 ... د.طارق عبد الحليم.

إن من الصفات اللصيقة ببني الإنسان: العجلة في الأمور، وكيف لا؛ وقد قال فاطر الناس جل وعلا: (( وكَانَ الإنسَانُ عَجُولًا ) )، ثم منَّ تعالى على المؤمنين بأن وجّه تلك الفطرة العجولة لديهم إلى معنى قُدّ من العجلة ، إلا أن جالب للبر والخير ، وهو (المسارعة) إلى الخيرات ، وقد قدمت بهذه المقدمة لأستميح القارئ عذرًا لمسارعتي بالكتابة في موضوع هذه المقالة عن الإرجاء والمرجئة ، رغم أنه يدخل ضمن مجموعة الكتب التي اعتزمت - وأخ لي - أن نصدرها تباعًا - بعون الله تعالى - عن الفرق الإسلامية ، والتي صدر منها بالفعل مقدمتها عن أسباب التفرق والاختلاف ، وما فعلت ذلك إلا بعد أن قدرت مدى الحاجة إلى إظهار عوار تلك الفئة التي ما زالت جرثومتها خافية تارة ، وظاهرة تارات بين صفوف المسلمين - بل وعجبًا! بين صفوف الإسلاميين منهم - فتصيب ذلك الكيان الإسلامي بالضعف والوهن وفقدان القدرة على تمييز الخبيث من الطيب ، ومعرفة المفسد من المصلح ، وبالتالي أثرها البالغ السوء في الواقع الإسلامي أخلاقيًا وسياسيًا.

ونحن لا نعتزم الخوض في هذه العجالة في تفاصيل مذهب (الإرجاء) ومناقشة أصحابه فيما ذهبوا إليه ، أو الإتيان على ذكر كافة فروع المرجئة التي انقسمت إليها ، إلا أننا سنذكر اختصارًا ما ذهبت إليه المرجئة بشكل عام في بدعتهم ، ثم نعرِّج بنقض تلك الأقوال وبيان وجه الحق فيها كما اختطَّه أهل السنة والجماعة ، ثم نلقي نظرة على الواقع الإسلامي لنرى مدى تأثره بتلك الجرثومة الإرجائية التي لازالت تنتقل في الجسد الإسلامي، لتنخر فيه نخرًا يفسد عليه قوته ، ويجعله عرضة للتفكك والانهيار. بعد أن يفسد المحكوم ويطغى الحاكم ويمهد لكليهما سبل الزيغ والانحراف.

الإرجاء: مصدر أرجأ بمعنى أخر ، يقال: أرجأ الأمر أي أخره. وقد أطلق هذا الاسم على طائفة المرجئة لما قالوا بتأخير العمل عن الإيمان، أي فصله عنه وتأخير مرتبته في الأهمية كذلك لعدم حكمهم على الفاسق أو الكافر بما هو أهلٌ له ، وادعاء إرجاء ذلك إلى يوم الحساب وتدور عقائد المرجئة حول الإيمان ، إذا ذهب أكثرهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان - عدا بعضهم ممن زعم أنه تصديق القلب ولم يشترط أنه النطق بالشهادتين مع القدرة عليهما - ولم يُدخلوا العمل في مسمى الإيمان ، فالإيمان عند هؤلاء متحقق كاملًا لمن صدق بالرسالة ونطق بالشهادتين ، وإن لم يأتي بعمل من أعمال الطاعات!.

وقد دخلت عليهم تلك البدع من أصل تصورهم للإيمان ، وأنه واحد لا يتجزأ ولا يتبعض (1) ، أي لا يزيد ولا ينقص.

وقد تمسكت المرجئة في أقوالهم تلك بما ادعوه من أن معنى الإيمان في اللغة: التصديق، كما في قوله تعالى: (( ومَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ) )، أي: مصدق لنا.

كذلك بظواهر الأحاديث ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - ، فيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: »أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله « ، وفيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له: » فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة«.

وقالوا: إن تلك الأحاديث تدل على أن الإيمان هو: تصديق القلب والتلفظ بالشهادتين، وهما كافيان لإثبات الإيمان ودخول الجنة دون العمل!.

وقد تجاوز بعض من ابتلاهم الله بشبه الإرجاء ؛ فلم يكتفوا بإخراج أعمال الطاعات من الواجبات والمستحبات من مسمى الإيمان بل كذلك الأعمال اللازمة لتحقيق التوحيد، كالحكم بما أنزل الله من الشرائع - والذي هو من معاني الشهادتين والمتعلق بتوحيد ألوهية الله عز وجل - ولم لا؟! والإيمان محله القلب والتصديق متحقق؟! وما يضر من يترك التحاكم بغير إثم أو ذنب يقترفه مثله كمثل سارق البرتقالة ، أو من يؤذي جاره؟!.

فأتوا بذلك بما لم يأتِ به الأولون من أسلاف المرجئة ، ومهدوا لما سنلقي عليه نظرة عاجلة في واقع المجتمع الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت