فهرس الكتاب

الصفحة 2524 من 3028

ونقض مذهب الإرجاء يكون بطريقتين: أحدهما: عام ، يتناول نقض مبادئهم في النظر إلى الشريعة - وهو ما اشتركت فيه معهم سائر أهل البدع والأهواء - ، والآخر: خاص ، يتناول الرد على أقوالهم قولًا قولًا ، وبيان فسادها بالأدلة الشرعية.

وسنتناول كل طريق منهما بشكل موجز ، يتناسب مع ما قدرناه لهذا المقال من إيجاز.

أولًا - الرد العام:

سلك أهل البدع والأهواء طرقًا معينة في دراستهم للنصوص الشرعية ، أدت بهم إلى النتائج التي وصلوا إليها ، نجملها فيما يلي:

1-عدم الجمع بين أطراف الأدلة ، وذلك باتباعهم أول دليل يرونه دالًا - من جهة معينة - على ما أرادوه ، فإذا صادفوا دليلًا آخر لم يجمعوا بينه وبين الأول ، بل أولوه أو ضعفوه أو أخفوه! بينما (مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها ، وعامها المترتب على خاصها ، ومطلقها المحمول على مقيدها ، ومجملها المفسر بمبينها ، إلى ما سوى ذلك من مناحيها) .

2-الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، مع ترك الأحاديث الصحيحة وإغفالها، بينما مسلك أهل السنة هو في اتباع الحديث الصحيح وما يصح الاحتجاج به في الأحكام الشرعية ، سواء ما صح أو حسن حسب قواعدهم في ذلك.

3-التعويل على جزيئات الشريعة دون ربطها بالقواعد الكلية التي تحكمها وتنتظمها.

4 -تحريف الأدلة عن مواضعها ، وهو نوع من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذمه الله تعالى في كتابه ، وذلك بإيراد الدليل المقصود به مناط معين أو واقعة محددة لتطبيقه على مناط آخر - أو واقعة أخرى - وهي العملية التي تسمى عند الأصوليين: (تحقيق المناط) ، ولا شك أن (من أقر بالإسلام ويذم تحريف الكلام عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحًا إلا مع اشتباه يعرض له وجهل يصده عن الحق ، مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعًا) .

فإطلاق الدليل وتوهم أنه يعم كافة الحالات الداخلة تحته دون تقييد فهو من جملة من حرف الكلم عن مواضعه وصار إلى الابتداع بدلًا من الاتباع. [الاعتصام 1/223] .

ثانيًا - النقض الخاص:

إن ما استدلت به المرجئة من أن الإيمان هو التصديق فليس بصحيح ، والحق أن الإيمان اسم شرعي استعمله الشارع ليدل به على معاني محددة في الشرع ، هي مجموعة الأقوال والأفعال التي يتركب منها ، فلا مدخل للمعنى اللغوي إذ (مما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة وغيرهم) .

[ الإيمان لابن تيمية: 245 ] .

هذا إلا أن الإيمان لا يعني لغة التصديق من وجوه عدّة (فإنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه ، ولا يقال: آمنه وآمن به ، بل يقال: آمن له ، كما قال:(( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) )، وقال: (( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) )»فإن تعدى باللام كقوله: آمن له ، كان تصديقًا وإن تعدى بالباء كان الإيمان الشرعي المتضمن للعمل.

[ الإيمان: 248 ] .

كذلك فإن قسيم الإيمان ليس التكذيب بل الكفر ، فيقال لمن لم يصدق: قد كذب ، ومن لم يؤمن: قد كفر.

ووجه آخر في لفظ التصديق والتكذيب: يطلق على ما هو غائب أو مشاهد ، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغيب [ الإيمان: 249 ] .

والإسلام والإيمان اسمان يدلان على معنى واحد إن انفردا ، وهو الاستسلام لله والعبودية له سبحانه ظاهرًا وباطنًا ، لكنهما إن اجتمعا دل كل منهما على معنى غير الآخر ، فدلّ الإسلام على الأعمال الظاهرة من الصلاة والصوم والحج ، ودلّ الإيمان على الأعمال الباطنة ، كالخشية والمحبة والخوف ، من أعمال القلوب.

وقد دلت الآيات والأحاديث على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان - وعليه أجمع الصحابة والتابعون وسلف الأمة - فهو: قول وعمل ، يزيد وينقص ، يزيد بالطاعات ، وينقص بالمعاصي ، قال تعالى: (( لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَّعَ إيمَانِهِمْ ) ).

وما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »الإيمان بضع وسبعون شعة أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان«.

كذلك ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس في حديث وفد عبد القيس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدي خمسًا من المغنم«.

فالإيمان - إذن - قول وعمل ، قول القلب وهو: التصديق ، وعمل القلب: وهو: الإقرار والخضوع المستلزم للمحبة والانقياد ، وقول اللسان: وهو: النطق بالشهادتين ، وعمل اللسان والجوارح ، وهو العمل بالطاعات ، وترك المحظورات من الشريعة ، وهو يزيد وينقص.

ثم ننظر إلى استدلال المرجئة - سلفًا وخلفًا - بأحاديث الشفاعة على أن قول الشهادتين تلفظًا يُثبت لصاحبة الإسلام والإيمان ، وإن أتى عملًا من أعمال الكفر ، كترك التحاكم إلى الشرع ، فنرى أنها هي طرق أهل البدع في عدم جمع أطراف الأدلة ، والنظر في الأحاديث.

قالوا: روى مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب في حديث جبريل: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا«.

وأغفلوا الرواية التالية لها مباشرة في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان«.

كذلك حديث أركان الإسلام الذي رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر عن أبيه ، قال عبد الله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: »بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان«.

وأغفلوا رواية مسلم الأخرى: في الباب نفسه عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: »بُني الإسلام على خمسة: على أن يُوحَّد الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان ، والحج«.

وغير ذلك من الأحاديث التي ذكروا فيها رواية وأسقطوا روايات ، والتي تدل على أن التلفظ بالشهادتين المعتبر شرعًا هو توحيد الله وعبادته ، وترك الشرك ، وأن التلفظ بالشهادتين دلالة على قيام ذلك المعنى في النفس وفي البدن قولًا وعملًا ؛ ما لم يأت بعمل ظاهر َيكْفُر به ، فلا اعتبار حينئذ بتلفظ ، وهو المعنى الذي ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين من أن الألفاظ تراد لمعانيها لا لذواتها وما فصله من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ . [مسلم بشرح النووي 1/157] .

وبعد .. فما هي الدوافع التي أدت إلى ظهور المرجئة في التاريخ؟ وما هي عوامل بقائهم واستمرارهم؟ لذلك الأمر تفصيل يضيق عنه نطاق هذا المقال ولكن لا بد من كلمتين توفيان بالغرض في هذا المقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت