فهرس الكتاب

الصفحة 2454 من 3028

وفي الختام أقول للمتلهفين على شهادات هؤلاء:من يتقاسم العسل مع الدب فإن له أصغر حصة ،وفي المثل: (الحقيقة قوية ولكن المال أقوى منها) ،ونخشى أن القضية ليست قضية كفاءة بقدر ما هي قضية وفرة ،فلو كنا في بلد فقير لما نوقشت هذه القضية ،ولما جاء إلينا أحد من بريطانيا أو أمريكا أو كندا ليعلمنا البرمجة اللغوية ،،وفي العموم الأرباح غير العادلة تشبه العملة المزيفة ،كلما زادت زاد خطرها، ولو جرى ذلك على يد مدربين محليين، أو عرب .

هذه تساؤلات لا أعني بها سوى الوصول إلى الحقيقة،وإن كانت جارحة، ولا أقصد من ورائها سوى وسطية الإسلام العظيم من غير تحجر ولا ذوبان،والله المستعان.

الكاتب د. عوض بن عوده

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه و سلم عبده ورسوله، وبعد:

إن الناظر لما يحدث في أروقة دورات البرمجة والطاقة وأمثالهما في بلادنا الإسلامية يجد أنها ولجت بعمق في الشؤون الروحية وإعمال الطقوس والرياضات الوثنية الشرق أسيوية؛ لتثير الناس وتستثيرهم بغرض تغيير اعتقاداتهم وثقافاتهم و أحوالهم وقناعاتهم الأساسية. والمشي على النار أو الجمر الحار الملتهب (Firewalk) بدرجة حرارة عالية جدا هو واحد من تلك الطقوس و الأعمال الوثنية أو الشعوذية.

و في هذا المقام، فلن نتحدث عن جذور هذا العمل الوثني القديم؛ و لكننا سوف نسلّط الضوء على التصور السليم في طبيعة المشي على الجمر الحار الملتهب. و هذا التصور يكمن في اعتبار قدرة المشي على الجمر المتقد لا يتعدى من كونه مندرجا تحت إحدى الاحتمالات التالية (و الله اعلم) :

1.قدرة إلهية:

أ . معجزة من الله عز وجل لأحد أنبيائه.

ب . كرامة من الله عز وجل لأحد أوليائه الصالحين.

2.قدرة شيطانية:

أ . عقد سحر بين إنسان وشيطان.

ب . طرب من قِبل الشياطين وتضليل لبني البشر.

3.قدرة إنسانية:

أ . قوة تحمل و تصبر و جلد و تعوّد.

ب . حيلة مصطنعة باستعمال مواد وأحجار ودهانات عازلة و نحوها.

أولا: عرف الناس القدرة الإلهية في إمكانية المشي على النار أو الجمر المتقد من خلال الواقع المشاهد عن طريق معجزة يجريها رب العالمين لنبي من أنبيائه أو بكرامة من الله عز وجل لأحد الصالحين. وحدث هذا وذاك في خلال التاريخ كما ذكر ابن عساكر و ابن كثير و غيرهما، و الله تعالى إذا أراد شيئا وقع و لا مرد له. يقول الله تعالى في ذلك: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (النحل: 40) .

فهذا النبي إبراهيم الخليل عليه و على نبينا أفضل الصلاة و أزكى التسليم أراد له الملك النمرود الهلاك بحرقه بالنار فصيرها رب العالمين بردا و سلاما عليه، و هذه معجزة عظيمة لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام. يقول الله تعالى في ذلك: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ(68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم (69 ) ) (الأنبياء) .

وكذلك، عندما طلب الأسود العنسي لما ادعى النبوة أبا مسلم الخولاني عبداللَّه بن ثوب فقال له: أتشهد أني رسول الله، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله ؟ قال: نعم، فأمر بنار فألقى فيها فوجدوه قائمًا يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ وقال: ( الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله ) .

فهنا في هذه المعجزة أو الكرامة تغيرت الصفة الطبيعية لهذه النار المتقدة بتصييرها بردا و سلاما على النبي أو الولي بقدرة الله العظيمة فلم يصبهما أذى أو حرق، و هذا أمر معجز بحد ذاته خارق للعادة.

ثانيا: تحصل القدرة الشيطانية في إمكانية خرق للعادات الكونية في المشي على النار أو الجمر الملتهب كأنه باردا من خلال عقد و اتفاق شركي بين الشيطان و أوليائه بما يُتقرب لهم من القرابين و الطقوس الشركية و ما شابهها، و يحدث ذلك في إطار قدر الله الكوني. و هذا الأمر كان معروفا في العصور السابقة و العصور الحاضرة، و خاصة في دول شرق آسيا من خلال عمل ما يُعرف اليوم بالسحر الأسود عند الشامانيين و غيرهم. و تقوم الشياطين خلال هذه الطقوس بحماية الماشين على النار أو الجمر، فيشعرون أنه جمر بارد. و هذا الفعل ناتج عن اتفاق بين الشيطان و عامل السحر لتضليل الناس و إفساد عقائدهم أو لمطامع بشرية.

و كذلك، قد تقوم الشياطين لطربهم الخاص بتضليل و إغواء بني آدم في جعل الجمر الحار باردا من غير شعورهم و علمهم استجابة لعمل الطقوس النارية الخاص بهم، فتفسد عقائد الناس و تختل موازينهم. يقول الله تعالى على لسان إبليس الرجيم المتوعد بني آدم في ذلك: ( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) (النساء: 119) .

و في كل وضع من هذه الحالتين هنا لا يصاب الماشين على الجمر الملتهب بأذى أو كي أو حرق لحماية الشياطين لهم من خلال عمل الطقوس المؤدية إلى ذلك العمل الخارق للعادة، و ذلك ضمن قدر الله الكوني. فبمجرد إتمام عمل وتحضير هذه الطقوس في المشي على الجمر و إطفاء المصابيح تحضر الشياطين؛ استجابة لهذه الطقوس فتعمل عملها سواء علم بها الناس أو لم يعلموا.

ثالثا: و يحصل كذلك المشي على الجمر الملتهب من خلال قدرة إنسانية في غير خرق للعادات البتة. و إنما يكون ذلك من خلال التجربة و الممارسة بقوة الإنسان المتصبرة و المتجلدة في فعل ذلك بقدر من الله عز وجل. و يحصل من جرّاء ذلك شيء من الحرق و الكي و الأذى و الشعور بلهيب النار والجمر وآثارهما على القدم.

و قد يُتمكن من المشي على الجمر أيضا من خلال عمل حيل مصطنعة لخداع الناس و تصوير الشي على غير الحقيقة لأغراض في نفوس متبنيها و عامليها. و قد يحصل مثل هذا العمل المصطنع من خلال مواد أو دهانات أو طبقات عازلة تمنع من وصول حرارة النار أو الجمر للقدم أو الجسم. و لا يعرف هذه الحيل أثناء عملها إلا أصحابها فيدهنون أنفسهم لإيهام الناس و تصوير الشيء على غير حقيقته. و هذا من الدجل والشعوذة، وقد حصل مثل ذلك في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية من قِبل البطائحية في تصويرهم للناس وما يظهرونه من المخاريق فتصدى لهم شيخ الإسلام و أبطل مكرهم و حيلهم.

فقد كانوا يستعملون في ذلك النارنج و دهان الضفادع و حجر الطلق للولوج في النار. فطاب منهم شيخ الإسلام أن يدخل معهم بعد غسل أجسامهم بالخل والماء الحار لإبطال مفعول الدهانات العازلة، فرفضوا و أزبدوا وأرعدوا فحجهم شيخ الإسلام وانكشف خبثهم ومكرهم وشعوذتهم على الناس.

و بعد هذا التصور لأمر المشي على النار أو الجمر عامة، نقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت