فهرس الكتاب

الصفحة 2576 من 3028

وأخذت الدعاية الكبرى في العصور الوسطى - حتى قبل أن توحد الحرب الصليبية اهتمام المسيحيين حول طرد العرب من الأرض المقدسة - تعمل على إقرار فكرة (العدو الأكبر) في الأذهان، ولو كانت تلك الدعاية خالية من كل موضوعية.

وأصبح محمد (أمير الظلمات) حتى إذا ما حل القرن الحادي عشر، كان للأفكار الخرافية المتعلقة بالإسلام والمسلمين، والقائمة في أذهان الصليبيين، تأثير يؤسف له.

فلقد أُنذر الصليبيون بأن ينتظروا أسوأ الأمور من الأعداء.. ولما وجدوا بين هؤلاء الأعداء كثيرا من المحاربين الفرسان، شعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية.

ولهذا حاول بطرس الراهب أن يعالج هذا الوضع بإذاعة معلومات أصدق عن محمد والديانة التي يدعو إليها.

وقد حدث تطور كبير في هذا السبيل، ولا سيما منذ قرنين من الزمن، وإن ظل كثير من الأوهام عالقًا في الأذهان (18) .

فها هو يكشف عن سر هذا التطور:"وجدوا (أي الصليبيين) بين هؤلاء الأعداء (أي المسلمين) كثيرًا من المحاربين الفرسان (أي النبلاء والأبطال) فشعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية، (هكذا اطلع مسيحو أوروبا أثناء الحرب الصليبية، على صورة المسلمين ، غير الصورة التي صورها لهم رهبانهم(المستشرقون) فحاول بطرس الراهب (من قواد الحروب الصليبية ومشعلي أوارها) أن يعالج هذا الوضع، (الشعور بالريبة من السلطات الدينية المسيحية) بإذاعة معلومات أصدق عن محمد (صلى الله عليه وسلم ) والديانة التي يدعو إليها".

وبعد ذلك، ومع ذلك، نجد من (الأساتذة الكبار) من يبشر فينا بتطور الدراسات الاستشراقية، والتزامها بالمنهج، وأصول البحث، وتجردها ونزاهتها

قلنا: إن الاستشراق بأبحاثه وأعماله (كلها) موجه إلى المواطن الأوروبي نعم للمواطن الأوروبي ، فما كان المستشرقون يطمحون بل يحلمون أن تكون أعمالهم هذه توجهًا وتعليمًا للمسلمين، بل مرجعًا يعتمدون عليه، وموئلا يلوذون به، ومصدرًا يرتوون منه، ومنبعًا يعبون منه، في دراساتهم، وأبحاثهم وكتبهم، فتقوم صروح الفكر والثقافة على أعمال المستشرقين، فتكون على شفا جرف هار ينهار بنا في وهدة السقوط والضياع، والاستلاب الحضاري.

لم يكن يطمح ولا يحلم المستشرقون بشيء من هذا، ولا دون هذا، فلم تشهد الدنيا قط في تاريخها، رجلًا غريبًا عن الأمة - أية أمة - صار مسموع الكلمة في أدب هذه الأمة، وتاريخها وحياة مجتمعها، بل ودينها.

لم تشهد الدنيا في تاريخها ما شهدته أمتنا(أرأيتم قط رجلًا واحدا من غير الإنجليز أو الألمان مثلا، مهما بلغ من العلم والمعرفة، كان مسموع الكلمة في آداب اللغة الإنجليزية، وخصائص لغتها، وفي تاريخ الأمة الإنجليزية، وفي حياة المجتمع الإنجليزي، يدين له علماء الإنجليز بالطاعة والتسليم؟.

أليس غريبًا أن يكون غير الممكن ممكنا، في ثقافتها نحن وحدها، دون سائر ثقافات البشر، قديمها وحديثها؟ غريب عجيب لا محالة) (19) .

ولكنه للأسف كان وحدث في ثقافتنا وحدها، وجدنا عالمًا جليلًا يقتعد مقعد الأستاذية، في حصن العربية والإسلام، الأزهر، في كلية الشريعة، يفتتح درسه الأول لطلاب قسم الدراسات العليا قائلًا: (إني سأدرس لكم تاريخ التشريع الإسلامي، ولكن على طريقة علمية، لا عهد للأزهر بها، وإني أعترف لكم بأني تعلمت في الأزهر قرابة أربعة عشر عامًا، فلم أفهم الإسلام ولكني فهمت الإسلام حين دراستي في ألمانيا) (20) ثم ابتدأ درسه عن تاريخ السنة النبوية، ترجمة حرفية عن كتاب ضخم بين يديه، هو كتاب جولد تسيهر (دراسات إسلامية) وينقل عباراته، ويتبناها على أنها حقائق علمية) (21) .

أرأيت؟ صار غير الممكن في أمم الأرض كلها، وفي ثقافات الدنيا كلها ممكنًا، واقعًا في أمتنا وحدها، وفي ثقافتنا وحدها!!.

لقد نبغ من أبناء أمتنا نابغون، في اليونانيات، واللاتينيات، والفرنسية والإنجليزية، أترى لو أن أحدهم كتب في آداب هذه اللغات، أو في شؤون مجتمعها أو في تاريخها، أو عقائدها، يصبح مرجعًا، ومصدرًا لأهلها؟ أترى لو أن أستاذ الجيل، أو عميد الأدب العربي، (22) كتبا في تاريخ اليونان، وفي آداب فرنسا، يصبح لكتابتهما مكان بين المصادر، والمراجع، وتجد من يقول برأيهما، ويعتقده، ويتبناه؟؟.

(لكنها صروف الدهر، التي ترفع قوما، وتخفض آخرين، قد أنزلت بنا، وبلغتنا وبأدبنا، ما يبيح لمثل هؤلاء المستشرقين أن يتكلموا في شعرنا وأدبنا، وأن يجدوا فينا من يستمع إليهم، وأن يجدوا أيضًا من يختارهم أعضاء في بعض مجامع اللغة العربية) (23) .

كان ذلك في صيف 1925م فقد أعطى تيمور باشا عدد يوليه سنة 1925م من مجلة (الجمعية الملكية الآسيوية) إلى الأستاذ محمود شاكر مشيرًا إلى مقال (مرجليوث) قائلًا: (اقرأ هذا) فلما لقيه ثانية وسأله عن رأيه فيما قرأ قائلًا: (ماذا رأيت؟) قال شيخنا محمود شاكر، وكان بعد فتى ناشئا، على أبواب الجامعة، قال: (رأيت أعجميًا باردًا شديد البرودة، لا يستحي كعادته) (فابتسم تيمور باشا وتلألأت عيناه) .

فقال الفتى: محمود شاكر: (أنا بلا شك أعرف من الإنجليزية فوق ما يعرفه هذا الأعجم من العربية أضعافًا مضاعفة، بل فوق ما يمكن أن يعرفه منها إلى أن يبلغ أرذل العمر، وأستطيع أن أتلعب بنشأة الشعر الإنجليزي، منذ(شوسر) إلى يومنا هذا تلعبًا، هو أفضل في العقل، من كل ما يدخل في طاقته أن يكتبه عن الشعر العربي، ولكن ليس عندي من وقاحة التهجم وصفاقة الوجه، ما يسول لي أن أخطط حرفًا واحدًا عن نشأة الشعر الإنجليزي، ولكنها صروف الدهر..) (24) .

فأس البلاء في قضية الاستشراق والمستشرقين، هو ذلك الوضع المقلوب العجيب الغريب، أعني اعتماد بني جلدتنا على (أبحاثهم) و (علومهم) ، التي كتبت في الأصل للمثقف الأوروبي، لا للعلماء العرب.

ولولا أن ذلك الوضع المقلوب كائن عندنا، لما كان للاستشراق قضية، ولما اشتغل بأمر المستشرقين صاحب قلم، والله المستعان على كل بلية.

وأعجب من كل ما تقدم وأغرب، أعني أعجب من اعتماد أبناء أمتنا على كتابات المستشرقين، في دراساتهم، وأبحاثهم، أعجب من هذا اتخاذهم أساتذة، نجلس منهم مجلس التلمذة، ونأخذ عنهم العلم، فيما يختص بتاريخنا، ومجتمعاتها، بل وديننا ولغتنا، ولقد عبر عن هذه المفارقة العجيبة الشاذة، العلامة أبو الأعلى المودودي بقوله: (من تقلبات الدهر وعجائب أمره، أنه قد مر على المسيحيين في أوروبا حين من الدهر كانوا يشدون فيه الرحال إلى الأندلس، ليتعلموا كتابهم المقدس - التوراة - من علماء المسلمين، أما الآن، فقد انقلب الأمر رأسًا على عقب حيث أصبح المسلمون - وا أسفاه - يرجعون إلى أهل الغرب(أوروبا وأمريكا) يسألونهم: ما هو الإسلام، وما هو تاريخه، وما هي خصائصه؟ ليس هذا فقط، بل قد أصبحوا يتعلمون اللغة العربية منهم، ويستوردونهم لتدريس التاريخ الإسلامي.. وكل ما يكتبونه عن الإسلام والمسلمين لا يجعلونه مادة للدراسة في كلياتهم وجامعاتهم فقط، ولكن يؤمنون به إيمانًا راسخًا مع أنهم - يعني الغرب - قوم لا يسمحون لأحد إذا لم يكن من أتباع دينهم بأن يتدخل فيما يتعلق بدينهم وتاريخهم ولا في أتفه الأمور) (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت