فهرس الكتاب

الصفحة 2575 من 3028

ثم ينتقد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: (كان محمد صلى الله عليه وسلم حاكمًا مطلقًا، وكان يعتقد أن من حق الملك على الشعب، أن يتبع هواه ويعمل ما يشاء، وكان مجبولًا على هذه الفكرة، فقد كان عازمًا، على أن يقطع عنق كل من لا يوافقه في هواه، أما جيشه العربي، فكان يتعطش للتهديد والتغلب، وقد أرشدهم رسولهم أن يقتلوا كل من يرفض اتباعهم، ويبعد عن طريقهم) (14) .

ولعل تعبير المستشرق (ليوبولد فايس) الذي أسلم وتسمى باسم (محمد أسد) عن أزمة الأوروبي تجاه الإسلام، وأزمة المستشرق بصفة خاصة - هو أوضح تعبير، وأدقة حيث جاء من واقع الخبرة، والممارسة العريضة العميقة لكتابات المستشرقين، قال:(… لا تجد موقف الأوروبي تجاه الإسلام، موقف كره في غير مبالاة فحسب، كما هو الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور، يقوم في الأكثر على صدود من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقليا فحسب، ولكنه يصطبغ أيضًا بصبغة عاطفية قوية…. إن الأوروبي لا يحتفظ تجاه الإسلام بموقف عقلي متزن، مبني على التفكير، بل حالما يتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب، غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام.

ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر كما لو أن الإسلام، لا يمكن أن يعالج على أنه موضوعُ بحت في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته، إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام، الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع، فهو مع اقتناعه شخصيا بإجرام موكله، لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء من الفتور، اعتبار الأسباب المخففة).

ثم يقول بعد ذلك مبينًا أن الإسلام وحده، دون الثقافات الأجنبية المختلفة، وقفت منه الدراسات الغربية هذا الموقف: (أمّا فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبا والعالم الإسلامي، غير معقود فوقه بجسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءًا أساسيًّا من التفكير الأوروبي.

والواقع أن المستشرقين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية، وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها عن تعاليم الإسلام وتاريخه، مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيين من (الوثنيين) غير أن هذا الالتواء العقلي، قد استمر مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير، ولم يبق لعلوم الاستشراق هذا عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها، أما تحامل المستشرقين على الإسلام، فغريزة موروثة وخاصة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية، بكل ما لها من ذيول في عقول الأوروبيين الأولين) (15) .

هكذا أصبح تحامل المستشرقين على الإسلام موروثة، وخاصة طبيعية، تزول المؤثرات، والدوافع، والأسباب، ولا تزول هذه الغريزة، فكيف يقال: إن الدراسات الاستشراقية قد تطورت؟؟

لمن يكتب المستشرقون؟

لم نكن بحاجة إلى هذا العناء، وتناول هذا الموضوع - موضوع المستشرقين وأعمال المستشرقين - أصلًا، لو أن بني قومنا عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو أن المثقف المسلم، وصاحب القلم المسلم، ورجل الفكر المسلم، عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو وقفوا من هذه الأعمال الاستشراقية الموقف الصحيح، فتركوها لمن كتبت له.

لم يكن المستشرقون - في تقديري - يتوجهون بهذه الأعمال، وبهذه البحوث كلها إلا إلى المثقف الغربي، يخافون عليه، ويحصنونه، من أن يقع في إسار الإسلام، دينًا وفكرًا وحضارة، كأنّ الاستشراق - بهذه الأعمال - يريد أن يضرب ستارًا كثيفًا، من التشويش، والتشويه، بين المثقف الأوروبي وبين الإسلام.

كانت الصليبية الأوروبية - والاستشراق لسانها - تخشى أن يملأ نور الإسلام، قلوب المسيحيين الأوروبيين، كما ملأ قلوب المسيحيين، في الشام، وفي مصر، وفي الشمال الإفريقي، وفي الأندلس، فدخل المسيحيون في كل هذه الأصقاع (طائعين مختارين) في نور الإسلام، وتكلموا لغة القرآن، وحملوا رايته، وجاهدوا في سبيله، وقاتلوا أعداءه.

كانت المسيحية الأوروبية في فزع فازع، وكان أحبار الكنيسة، ورهبانها يخشون أن يصل نور الإسلام إلى أوروبا، فيبدد ظلام الكنيسة، ويحطم سلطانها ويحرم رجالها غنائمهم، ومن هنا عمد المستشرقون - وهم لسان الكنيسة - إلى هاتيك الدراسات، ليجعلوها عصابة على عيون أبناء الكنيسة ورعاياها. كما أوضحنا ذلك في صفحات سابقة.

ومن هنا نجدهم في كتاباتهم الأولى، يكتفون بالسب والشتم، في الإسلام وفي رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم - وتنزه عما قالوا - واختلاق الأكاذيب عن المسلمين، ونظام حياتهم ومجتمعاتهم، ثم تطورت هذه الدراسات رويدًا رويدًا فبعد أن كانت في أول أمرها فجة ساذجة، صارت تتجه إلى الترتيب والتنسيق والاستدلال، وأخذت في التعميق، وارتداء ثوب البحث، وطيلسان الأكاديمية، ولكنها ظلت وفّيه لهدفها الأول، لم تنسه ولم تتخل عنه، وهو تحصين الإنسان الأوروبي، ضد الإسلام.

ويظن بعضٌ من أبناء أمتي حين يرون هذا التغيّر، أن هذا تطور في الدراسات الاستشراقية، وتغيير للأهداف، وتنازل عن الأحقاد، وأن القوم ثابوا إلى الإنصاف، فكفوا عن السب والشتم، والتقبيح، ومالوا إلى العلمية، والتزموا بالموضوعية.

ولكن الواقع أنه ليس في الأمر، موضوعية، ولا منهجية، ولا اعتدال، ولا استقامة وإنما كان هذا التغير، أو التطور في الأساليب فقط، وكان تغيير الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، كان لا بد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه - المخاطب أصلًا بالدراسات الاستشراقية - فحيثما كان العصر عصر أمّية وجهالة، وهمجية، كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سبا وشتمًا، في الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وفي المسلمين، حتى يقبحوه ويشوهوه، في أعينهم، وينفروهم منه، أما مع التطور والاستنارة، ومعرفة هؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام، نتيجة للاحتكاك في القتال، والتجارة والانتقال، فكان لا بد من أن يغير هؤلاء أساليبهم، حتى تنطلي على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم ويتواءم مع درجة معرفة هؤلاء عن الإسلام والمسلمين.

كان هذا هو تفسيرنا للتطور (المزعوم) للاستشراق، قلناه من واقع الاستقراء لأحداث التاريخ، ولأدوار الصراع المرير - الذي لم ينقطع بين الصليبية والإسلام، ومن واقع ما رأيناه، في أبحاثهم، من التواء بالمنهج، وطمس للحقائق.

ثم بعد ذلك قرأناه صريحا، مكشوفا في كلام المستشرق الإنجليزي المعاصر (مونتجومري وات) وهو يتحدث عن (مآخذ أخلاقية مزعومة ) ادعاها الغربيون في كتاباتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: (ليس بين كبار رجال العالم رجل كثر شانئوه كمحمد(صلى الله عليه وسلم ) ومن الصعب (16) فهم السبب الذي دعا إلى ذلك، فقد كان الإسلام خلال قرون عدة العدو الأكبر للمسيحية) (17) ، ولم تكن المسيحية في الحقيقة على اتصال مباشر بأية دولة أخرى منظمة توازي الإسلام في القوة، فلقد هوجمت الإمبراطورية البيزنطية، بعد أن فقدت مقاطعاتها في سورية ومصر، وآسيا الصغرى، بينما كانت أوروبا الغربية مهددة في أسبانيا وصقلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت