ويقول أيضًا (رحمه الله) : (وأما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة؛ كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة) (10) .
ثم يقول بعد ذلك:(والسلف والأئمة الذين ذموا وبدّعوا أهل الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل في المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين: في دلائله، وفي مسائله: نفيًا وإثباتًا.
فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ كما قال (تعالى) : (( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ) [البقرة: 213] وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف) (10) .
وهذا المنهج قد استخدمه شيخ الإسلام في كتبه ومناظراته مع الخصوم، ومن أمثلة ذلك: قوله (رحمه الله) : (فيقال له: لفظ الجوهر والعرض في الاصطلاح الخاص: ليس نفيهما عن الله من الشريعة، كما أنه ليس إثباتهما من الشريعة، بل سلف الأمة وأئمتها أنكروا على من تكلم بنفيها، كما أنكروا التكلم بإثباتها وعدوا ذلك بدعة، فليس لأحد أن ينفي بهذين اللفظين ـ الذين ليس لهما أصل لا في نص ولا في إجماع ولا أثر ـ إلا بحجة منفصلة غير هذا اللفظ، إذ الحجج التي يستدل منها باللفظ لابد أن يكون لفظها منقولًا عمن يجب اتباع قوله وهو الكتاب والسنة والإجماع، فكيف باللفظ الذي لا يُنقل عن إمام في الدين ولا أحد من سلف الأمة(11) .
الهوامش:
(1) مجموع الفتاوى (12/113 - 114) .
(2) شرح العقيدة الطحاوية (1/70، 71) ت: د. التركي والأرناؤوط، مؤسسة الرسالة ط. الأولى 1408هـ.
(3) النبوات (333، 334) دار الكتب العلمية، ط. الثانية 1414 هـ.
(4) النبوات (249) ، وانظر بُغية المرتاد: (219) ت: د. موسى الدويش ط. الأولى 1408هـ.
(5) مجموع الفتاوى (12/114) .
(6) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ج/3/927، ت: د. علي الدخيل الله، دار العاصمة 1412هـ. (7) مدارج السالكين (3/158) دار الحديث.
(8) درء تعارض العقل والنقل (2/104) ط/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ت: د/ محمد رشاد سالم ط. الأولى 1400هـ.
(9) درء تعارض العقل والنقل (5/58) . (10) مجموع الفتاوى (3/306 - 308) .
(11) نقض تأسيس الجهمية (2/383-384) ت/ محمد بن عبد الرحمن ابن قاسم ط. الأولى 1392 هـ. مطبعة الحكومة.
30 / 04 / 2007 ... د.السيد العربي بن كمال.
هل هذه القضية تستحق كل هذه الأهمية ؟
اعلم أن الله ما خلق الخلق سدى وهملا ، بل إنه سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه وبالإلهية يفردوه ، وقد أرسل سبحانه رسوله بالحق ليظهره على الدين كله ، وأقام العباد على دين لا يرضى غيره .
فالله قد خلقك في هذه الأرض ، وأرسل لك خير رسله ، وأنزل عليك أتم كتبه لا لشيء إلا لكي تحقق الغاية التي ما خلق الله الخلق إلا لها ، وهي ما أجمله الله تعالى في آية الذاريات وهي قوله تعالى: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( .
فعندما يسألك سائل: لماذا خلقت ؟ تقول: خلقت للعبادة .
هذه الإجابة مجملة ، وهذه الإجابة يجيبها كل من سُئل هذا السؤال ، بالرغم من أنه قد يكون عاملا بهذه الإجابة محققا لما تقتضيه ، وقد يكون بعيدا عنها كل البعد ، فيجيب بها الجميع لكن أنت قد تجيب بما لا تعرف ، وتتكلم بما لا تدري ، فلا بد أن تعرف حقيقة هذا الأمر الذي ما خلق الخلق إلا له .
العبادة التي ما خلق الله الخلق إلا لها تسمى في الكتاب والسنة: العبادة ، التقوى ، الإيمان ، وتسمى: الإسلام ، بحسب مقتضى الكلام ، فعندما يقول الله تعالى: )وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ( ، إذًا أنت ما أمرت إلا بعبادة الله ، وكذلك قوله تعالى: ) إن الدين عند الله الإسلام ( ، وكذلك ) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( ، وكذلك ) اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ( ، وكذلك ) اتقوا الله وكونوا مع الصادقين( إلى غير هذا .
فلا بد أن تعلم أن العبادة والإيمان والصدق والتقوى والإسلام كلها بمعنى واحد فيما يتعلق بالغاية التي ما خلق الله الخلق إلا لها ، فيما يتعلق بقضية وجودك .
فعندما تسأل: ما هي قضية الوجود ؟ تقول: الإيمان ، والإسلام ، والصدق ، واليقين ، والإخلاص ، والتقوى أي من التعريف الذي جاء في الكتاب ، وإن كانت هذه الألفاظ لها مدلول خاص عند التقاء بعضها ببعض ، هذه الألفاظ كلها هي مدلول قوله تعالى: )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( ، بمعنى ليتقون ليؤمنون ليصدقون ليسلمون ، ساعة الإطلاق وساعة التعامل مع الغاية التي ما خلق الله الخلق إلا لها فالأمر واحد ، وكذلك لما تكلم المتكلم عن الإيمان ، عن التقوى ، عن الصدق ، عن الإسلام ، عن اليقين ، ويطلق الكلام ، تعرف أن كل لفظ من هذه الألفاظ يدل على عموم الملة والدين متى أطلق .
أما عندما نقول: لا بد أن تكون مؤمنا مسلما تقيا صادقا ، ونجمع هذه الأمور كلها في ألفاظ متعددة فيكون لكل واحد منهم معنى من بعض عموم الملة والدين .
فأنت يجب أن يكون كل ما ترجوه في حياتك أن تكون مسلما يستقيم ظاهرك مع شرائع الإسلام ، مؤمن يستقيم باطنك على ما يرضي الله من المعتقد الصحيح .
ففائدة المقدمة السابقة هذه: أن نعرف أن الإرجاء هو أعظم آفة تصيب العبد في تصوره بما يترتب عليه ضياع الغاية التي ما خلق الله الخلق إلا لها ، بالرغم من إقبال العبد على الله ، كما في قوله تعالى: )وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ( ، وعاملة أي عابدة ، أي هم الذين بذلوا الطاعات والعبادات ، لكن على غير ما شرع الله أي على غير تصور صحيح .
فإذا عرفت أن الإرجاء هو الآفة التي تتسبب في هلاك دين الفرد والمجتمع والأمم عرفتَ مدى الخطورة التي وراء هذا الأمر .
فالإرجاء يجعل أئمة الدين ينادون بغير الدين ، فهؤلاء ليسوا الأئمة الحق ولكن عند عامة الناس ، وقد قال النبي r: (( أخوف ما أخاف على أمتى الأئمة المضلون ) )، لأن الناس تقبل عليهم وتستقي منهم الضلال باسم الهدى والدين .
فإذا أحسنا الظن بهؤلاء الأئمة قلنا إنهم ضحية الإرجاء إن كانوا مخلصين ، ولذلك ينبغي أن تعرف أمرا ينبغي ألا يغيب عن ذهنك وهو أن سلامة المسلك فرع عن سلامة التصور، وفساد المسلك فرع عن فساد التصور ، والتصور هو العقيدة ، ولذلك الأولون قد حسنت مسالكهم على أتم وجه لأنه قد حسنت تصوراتهم على أتم وجه .
إذًا فلا بد أن تعرف أن قضية الإرجاء من الأمور التي ينبغي أن تعيرها فضل اهتمام وتتعلمها وتعرفها كما تعرف اسمك لتكون على بينة من ربك ، أين أنت في هذا الخضم والمتغيرات .
واعلم أنك لن تنفعل بالحق ولن تستقيم على البر ما دمتَ لا تعرفه ، ففاقد الشيء لا يعطيه ، وجاهل الأمر يعاديه .
معنى الإرجاء: