أما المدارس الخاصة أو الأجنبية فإنها برغم ما تملكه من إمكانات، إلا أنها توجه إمكاناتها نحو اللغات الأجنبية وليس اللغة العربية، ويهتم أصحاب تلك المدارس أو القائمون على إدارتها - دائمًا - بتغيير سلسلة الكتب الخاصة بالطلاب بعد تقييم نتيجتها مع الطلاب، ولا يهتم القائمون على اللغة العربية بالاستفادة بالمناهج المختلفة لدراسة اللغات الأجنبية، التي قد تفيد بوصفها نوعًا من التطوير في المنهج الذي ربما يكون من أسباب ابتعاد أبنائنا عن هذه اللغة الثرية
وقد توقفت عند طلاب المرحلة الثانوية؛ لأنه إذا كان هذا هو الحال مع الطلاب فماذا عساه يكون حالهم حينما يتخصص بعضهم في دراسة اللغة العربية في الجامعة؟ فإذا كانت الجذور مخلخلة وغير ثابتة فماذا عساها تكون الساق والأوراق؟
السبب الثاني: المجتمع
وقد ذكرت قبلًا أني أعتبر ظاهرة الانسلاخ عن اللغة هي في حقيقتها انسلاخ عن المجتمع، وهذا عند من يسعون إلى الذوبان في المجتمعات الأجنبية المختلفة اغترارًا منهم بهذه المجتمعات، وظنهم بأنها تمثل الحضارة والتقدم والرقي، أما هم فيعيشون هم ولغتهم في تخلف وتقهقر يريدون الهرب منه والارتماء في أحضان المجتمعات الأجنبية عله ينتسب إليها
وهذه النظرة خاصة بفئة من المجتمع العربي ممن يتناولون الأمر بالتفكير والفلسفة، ولكننا نجد فئات من المجتمعات العربية تختلف عندها أسباب الانسلاخ، فقد يكون السبب هو التباهي أو التعالي أو تجهيل ما عداهم ولا شك أن ذلك دليل على انحدار مستواهم الفكري أو الثقافي أو المادي؛ لأننا إذا استعرضنا نموذجًا من هذه المجتمعات الأوروبية فسنجد العكس تمامًا، ففي ألمانيا مثلًا يظهر الاعتزاز بلغتهم الألمانية من فرضها في كل المجالات، فاللغة الألمانية هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تسمعها في كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وقد نسمع ونرى أعمالًا فنية وسينمائية من دول مختلفة، ولكنها لا تعرض إلا باللغة الألمانية، حتى ما هو خاص بالأطفال من أفلام كرتونية أو ألعاب… إلخ
والذي قد لا يعرفه البعض أن اللغة الألمانية لغة صعبة التعلم، وهي لغة فقيرة في عدد جذورها اللغوية، وهم يلجئون دائمًا للنحت والاشتقاق، ويضيفون عددًا من الحروف قبل بداية جذر أو بعده لتكتسب الألفاظ معاني مختلفة تمامًا وهذا لا يوجد عندنا في اللغة العربية؛ حيث يكون هناك دائمًا علاقة بين جذر الكلمة واشتقاقاتها المختلفة؛ مما يسهل الربط بين الاشتقاقات المختلفة، هذا بالإضافة إلى تشابه كثير من القواعد النحوية بين اللغة العربية واللغة الألمانية كالحال والمفعول به والمضاف
ولا نظن أن كل الطلاب في ألمانيا محبون للغة، بل إن منهم من يرونها لغة صعبة التعلم، ولكن لم نجد من الألمان من خرج إلينا؛ لينسلخ عن لغته ويتنصل منها بدعوى صعوبتها وعدم القدرة على تحصيلها، وأن لغات أخرى كالإنجليزية مثلًا أسهل منها وذلك لأمر هام يغيب عن هؤلاء وهو أن لغتي هي أنا هي ذاتي، هي وجودي هي كياني، هي حضارتي وتاريخي، أما لغة الآخر فهي لغة الآخر وليست أنا
ومن الأسباب الخاصة بالمجتمع أيضًا نظرة المجتمع الغربي للمجتمع العربي على أنه سوق لتصريف منتجاته، وأيضًا انفتاح الثاني على الأول، وقد تمثل ذلك في قيام شركات استثمارية مختلفة الجنسيات في الوطن العربي يكون عائد العمل بها مربحًا، مما دفع بأجيال من العرب تسعى جاهدة لإتقان اللغات الأجنبية المختلفة، وتكتفي من اللغة العربية بمجرد نطقها إن نطقت بها
ولا يُحمل كلامي في مجمله دعوة لنبذ اللغات الأجنبية والابتعاد عنها، بل على العكس فأنا من أشد المتحمسات لدراسة اللغات الأجنبية والتفوق فيها، ولكن على أن أكون أشد تفوقًا للغتي وحبًّا
ولعلنا لا نندهش حينما نعلم أن التكامل بين بلدان الوطن العربي يمكن أن يتم حتى في الحفاظ على للغة العربية باستفادة كل دولة عربية بما لدى الأخرى من وسائل الحفاظ على اللغة ومحاربة أساليب الغزو المختلفة
ومن أهم الحلول التي يجب أن يتجه إليها هو تحفيظ القرآن الكريم في مراحل التعليم المختلفة، ووضع خطة شاملة تنتهي بختم القرآن الكريم مع نهاية الدارسة أو ما يعادلها، أو حتى تكمل في الجامعات على اختلافها، فغني عن القول ما للقرآن الكريم من أثر في استقامة اللسان واللغة والبيان، ناهيك عن استقامة الجسد والروح، ولكن على ألا يكون الأمر وكأنه إلحاق عقاب بأبناء العربية، فيجب البحث في أفضل الوسائل وأكثرها تأثيرًا وجذبًا لأبنائنا، ويستفاد في ذلك بما تقوم به السعودية على أن تدرأ جوانب الضعف والنقص عندهم ليتكامل الهدف مع آليات تنفيذه
وهل يمكن أن تتمثل الدول العربية بما يحدث في بعض مناطق المملكة السعودية في اختيار أسماء المواليد؛ حيث يمتنع تسجيل اسم المولود إن كان اسمًا أجنبيًّا، وهل يمكن أن يعمم ذلك أيضًا على أسماء المحلات والشركات؟
إن لمجامع اللغة العربية في الوطن العربي دورًا هامًّا وللهيئات المعنية والجمعيات الرسمية والأهلية كذلك، ولكن الدور الأكثر أهمية - في نظري - هو وجوب البحث في كيف يمكن لكل عربي أن يكون فاهمًا للغته متقنًا لها معتزًّا بها فخورًا بانتسابه إليها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. أما بعد.
تعرضنا في الحلقات السابقة لرؤية تاريخية لأزمة القيادة الربانية في الأمة الإسلامية مرورًا بقراءة في فكر قائد رباني ثم تكلمنا عن إعداد القائد الرباني ثم تكلمنا عن صناعة العملاء وهذه الحلقة إن شاء الله سنتكلم فيها عن عرض تاريخي لخاتمة ونهاية العديد من القادة الربانيين على يد أعداء الإسلام والحاقدين من أصحاب الأهواء والمصالح الدنيوية الزائلة فيما يمثل اغتيالًا لحلم هذه الأمة بالتقدم واستعادة مركزها الطبيعي في قيادة البشرية وسيادة الأمم، فإن الناظر بعين الاعتبار لمصارع هؤلاء القادة العظام يعلم علم اليقين أنه ما حرى لهم إنما يقع في إطار مخطط عالمي للقضاء على الإسلام وأهله حتى أننا لنلمح >لك جديًا من كلامهم وتكاتفهم على اختلاف أهوائهم ضد أحلام المسلمين حرج المستشرق البريطاني [مونتجومري وات] في حديث له لجريدة التايمز اللندنية فقال [إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى] وفي ورقة الغزو الفكري التي وضع لبتها الأولى الملك الفرنسي لويس التاسع بعد هزيمته النكراء على يد المسلمين أوصى فيها [عدم تمكين البلاد الإسلامية من أن يقوم بها حاكم صالح] وأوصى أيضًا: [بالعمل على إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء حتى تنفصل القاعدة عن القمة] .
وقال المستشرق الصهيوني [برنارد لويس] تحت عنوان [عودة الإسلام] [إن غياب القيادة العصرية المثقفة القيادة التي تخدم الإسلام بما يقتضيه العصر من علم وتنظيم إن غياب هذه القيادة قد قيدت حركة الإسلام كقوة منتصرة، ومنع غياب هذه القيادات الحركات الإسلامية من أن تكون منافسًا خطيرًا على السلطة في العالم الإسلامي لكن هذه الحركات يمكن أن تتحول إلى قوى سياسية هائلة إذا تهيأ لها هذا النوع من القيادة] .