فهرس الكتاب

الصفحة 2385 من 3028

ولم يستطع ( الفقه ) الذي يعتبر الثقل المحوري في الاتجاه الديني أن يستوعب المتغيرات الهائلة في حركة الحياة الراهنة وعجزَ عن الانسجام مع تطورات الفكر البشري فكان أن توقفَ عند نقطة الاجترار الفقهي لكل المسوغات الفقهية التراثية الموغلة في القدم والبدائية ..

وفي دائرة وهم ( الغزو الفكري ) الخانقة استطاع المفكر ( علي حرب ) في كتابهِ الثري ( حديث النهايات ) أن يتناول أبعادا ً مهمة تشكّل حجر الزاوية في فهم المتغيرات من حولنا ..

وصاغ من خلال طرحه رؤية ثاقبة ومغايرة للأحداث والحقائق والمشغولات الفكرية وركّزَ في جزءٍ مهم من كتابه على أن الفكر الحي هو القادر على خلق الحدث وانتاجه وصياغته فيقول:

( أن الفكر الحي هو صلته المنتجة بالحقيقة ، بقدر ما هو قدرته الفعالة على قراءة الحدث وصوغه ..

أنه اعتراف بقوة الحقائق من أجل المساهمة في صناعة الأحداث ..

ولذا فالذي يفكر بصورة منتجة وخلاقة إنما يعيش في قلب المشهد ويكون على مستوى الحدث ، بحيث يهتم بمعرفة ما يجري بقدر ما يراهن على ما يمكن أن يحدث ..

ورهاني أن أخرج من الدائرة الخانقة والتصنيفات العقيمة التي تسجن العقل داخلها بحيث أعمل بفكري على خرق السقف واختراق الحواجز بجعل وطني أوسع من مساحته الجغرافية أو لممارسة هويتي الثقافية بصورة علنية ) ..

ويتعمد أصحاب الفكر الديني عدم الإشارة إلى ضرورة الانفتاح على الأفكار والثقافات الأخرى التي تتداخل بشكل ٍ حيِّ وخلاق في مجالات الانتاج الفكري والإبداع الثقافي خشية أن تنكشف أفكارهم وثقافتهم على حقيقتها المقيّدة بالماضوية و الجامدة وغير القادرة على التطور والابتكار والانتاج وفي فصل مهم من كتابه انتقدَ ( علي حرب ) ما تطرحه توجهات الفكر الديني بخصوص الحديث الساذج عن أن الغزو الفكري هو ما تهدف إليه العولمة فيقول:

( والأهم أن قراءة العولمة بلغة الهوية ومنطق الغزو ، لا تخلو من الخداع والسذاجة ..

ذلك أن الذين يحدثوننا عن الغزو الثقافي ، يتغافلون عن كون الثقافة الحية والمتجددة المزدهرة والفعالة إنما هي قدرتها على الانتشار والتوسع والاختراق ، على سبيل الخلق والإنتاج أو الإبداع والابتكار ..

هذا شأن الثقافات الخلاقة والمنتجة على ما نعرف ..

إنها فتوحات وكشوفات ، تتجلى في ابتكارات ومنجزات تقنية وفنية ، أو علمية ومعرفية أو قانونية ومؤسسية ، أو اجتماعية وسياسية ) ..

أن الثقافة تعني فيما تعنيه ( الذاكرة ) المشبّعة بتحولات الأزمنة فعليها أن تبقى ذاكرة لها القدرة على التفاعل مع حضارة اليوم التي ترتكز على استنطاق المكان والحاضر في ارتقائها وتكاملها أما إن بقيت الثقافة منعزلة بذاكرتها عن التجاذبات في المنظومة ( الزمكانية ) المعاصرة فهي ثقافة ميتة كما هي عند تيارات التزمت الديني وبذلك تغدو عملية اجترار مقولات الغزو الفكري من قِبلهم مجرد استهلاك محلي تكشف مدى العقم الثقافي في منظومتهم الفكرية ..

والثقافة الخلاقة تعني القدرة التواصلية على إنتاج الرمزيات والنصوص الحيّة في مماحكة دائمة مع عالم الثقافات المتغير والغزير أما أن بقيت الثقافة عاجزة عن الإنتاج خوفا ً من التشظي المعرفي بسبب هشاشتها الداخلية فهي ثقافة عليها أن تبقى حبيسة الماضي ورهينة الفكر المحدود الضيّق كما هي عند أصحاب الفكر الديني فلذلك كان الضرب الدائم على وتر الغزو الفكري إحدى مهمات الفكر الديني ..

والثقافة في أحد أهم اتجاهاتها المعرفية تؤمن بتعددية التنوع اللوني وليست مصبوغة بالأبيض والأسود فقط فهي على هذا الأساس ثقافة تتشكل وتزدهر بالتنوع الفكري وقادرة على التفرد الخصب حتى على المستويات الفردية وقادرة على الإبداع والخلق لأنها ثقافة غير محكومة للون ٍ واحد أو اتجاه واحد وغير خاضعة لنمطٍ فكري واحد بل مفتوحة لفهم المتنوع من الثقافات والتداخل معها بهدف الانتاجية الفكرية والإبداع الثقافي أما إن بقيت طاردة للتنوع الثقافي وتحت سيطرة الفكر الأحادي ومجبولة على التعصب الفكري فهي ثقافة مصيرها الانزواء في زوايا معتمة تفتقر إلى الضوء والهواء النقي الذي يجدد الخلايا والأنسجة كما هي ثقافة أصحاب الفكر الديني ولذلك كان لابد من أن يرددوا ويرفعوا لافتات الغزو الفكري .

منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى الإسلام، وأعداء الإسلام يحاربونه بكل ما أوتوا من قوة فكريًا كاتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بالسحر والكهانة والجنون... وعسكريًا كما في معارك المسلمين مع المشركين العرب واليهود ثم النصارى بعد ذلك.

ولما لم يستطع أعداء الإسلام القضاء عليه عسكريًا لجأوا إلى الغزو الفكري الذي كان في أول الأمر جهودًا مبعثرة حينًا ومنظمةً أحيانًا أخرى مع كونها في غالبها من داخل الصف - القطر - الإسلامي ، إلى أن بدأت الحروب الصليبية الأولى في أواخر القرن الخامس الهجري بالهجوم على بلاد المسلمين ، حتى تمكنوا من الاستيلاء على بيت المقدس سنة (492ه) (1) .

"لقد كانت تلك الحروب الصليبية الهمجية ذات طابع استعماري يهدف إلى سلب خيرات تلك البلاد الإسلامية المغزوة ولعل أوضح دليل على ذلك ، أن شعار الحروب الصليبية"اتجهوا إلى بلاد المسلمين حيث تتدفق الأرض عسلًا ولبنًا أو لنتجه شرقًا حيث كنوز الذهب والفضة ، وخيرات القمح والفاكهة" (2) ."

بيد أن هذ الهدف لم يكن الوحيد أو الأساس ، بل إن هناك هدفًا آخر قد يكون هو الأساس أو على الأقل في درجة الهدف الأساس ألا وهو ماعرف بعد ذلك بالغزو الفكري.

وقضية الصلة بين الحروب الصليبية والغزو الفكري وردت في كثير من الكتب والمراجع التي ناقشتها ، وكشفت عن معالمها. وبعض هذه الكتب أصدرها باحثون مسلمون، وبعضها أصدرها باحثون أوروبيون، وبعضها أصدرها مستشرقون ، ثم استمر الغزو الفكري وازداد بعد اندحار الصليبيين وطردهم من بلاد المسلمين (وفتح بيت المقدس عام"583ه"يوم الجمعة"27رجب"بعد احتلال دام"92"سنة ) (3) ، وبعدها أصبح الغزو الفكري يوجه ويدرس وينظم بغرض تدمير الإسلام وإبادة أهله ،حتى جاء بعد ذلك استعمار البلاد الإسلامية ليحمي هذا الغزو ويدعمه ويفكك أوصال المسلمين إلى أن أسقطت الخلافة الإسلامية ليتوالى الغزو الفكري ويشتد، ولا يزال إلى يومنا هذا، لذلك سوف نقسم هذا الغزو الفكري إلى فترات زمنية تتمثل في ثلاث مراحل (مرحلة ماقبل إسقاط الخلافة الإسلامية، ثم مرحلة إسقاطها، ثم مرحلة مابعد إسقاطها) .

المرحلة الأولى:مرحلة ماقبل إسقاط الخلافة الإسلامية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت