أما كون أفكار الإسلام هي وحدها الأفكار الحقة الصادقة والأفكار الرأسمالية هي الأفكار الباطلة الكاذبة فذلك ثابت من واقع الأفكار نفسها. فالأفكار الرأسمالية التي تعتبر تعدد الزوجات خطأ وتعتبر الصواب تقييد الرجل بزوجة واحدة هي معالجات لواقع الإنسان لا لفروض منطقية. فأي مجتمع في الدنيا لا تتعدد النساء فيه للرجل الواحد؟ إنه لا يوجد في العالم مجتمع إلا وفيه بعض الرجال لهم أكثر امرأة، إلا أن بضعهم يسمين محظيات، وبعضهم يسمين خليلات، وبعضهم يسمين زوجات، فهل الأحكام التي تجعل هذا التعدد مباحًا له أن يفعله وله أن يتركه، فيجعل الثانية والثالثة والرابعة زوجة شرعية لا محظية ولا خليلة، وهي هذه الأحكام توافق الفطرة وتعالج المشكلة أم الأحكام التي تمنع هذا التعدد. أو هل جعل العِشْرة بين الزوجين عِشْرَة صحبة اختيارية. إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أن يمسكها إن كانت العشرة مُسْعِدة للزوجين ويطلقها إن كانت سببًا لشقائها يتفق مع سعادة الزوجين وطمأنينتهما. أم جعلها مفروضة فرضًا لا تفسخ عراها ولو جلبت أشد أنواع الشقاء؟
نظام الحكم:
أما الحكم فإن واقعه في الدنيا أنه من حيث السلطان هو للأمة تعطيه لمن تشاء، ومن حيث المباشرة للسلطان فإنه لا يمكن أن تكون إلا لواحد ولن تكون لاثنين فأكثر على الحقيقة مطلقًا. إلا أن الواحد إنما يقيد بمنهج معين يعتقد صحته لا يحل له أن يتعداه، والمهمين على هذا الحاكم الواحد إلى جانب دوافع اعتقاده بالنظام الذي يقيد به أي إلى جانب تقواه أو ما يسمونه بضميره محاسبة الأمة التي يحكمها بالقول إن أساء التطبيق، وبالسيف إن خان النظام. على أن لا تعصيه فما يأمر به من فرض أو مندوب أو مباح ولا تطيعه في معصية من المعاصي المحرمة. فهذا هو واقع الخلافة فأيهما المنطبق على الواقع الصادق في التطبيق: نظام الإسلام أم النظام الديمقراطي الذي يقول أن الأمة هي التي تباشر الحكم وهذا من المستحيلات ولذلك كان كاذبًا ولم يكن فيه المباشرة إلا رئيس الحكومة يعاونه الوزراء.
الجهاد:
أما الجهاد فإنه من الكذب على الإسلام أن يقال أن حرب دفاعية، وهو فوق كونه يخالف واقع ما كان عليه الجهاد في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى آخر الدولة الإسلامية من أن المسلمين كانوا هم يبدأون الكفار بالقتال ويتخذونه طريقة لنشر الإسلام فإنه كذب على القرآن في صريح آياته قال الله تعالى في كتابه العزيز: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وقال: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } ، فالجهاد هو قتال الكفار قتالًا ماديًا من أجل إقامة حكم الإسلام وسببه كونه الذين نقاتلهم كفارًا رفضوا الإسلام بعد عرضه عرضًا يُلفت النظر. أي أن توجد الحالة التي يعرض فيها الإسلام عرضًا يلفت النظر ثم يحصل الجهاد. وهذا ما يُمليه أي مبدأ تعتقده أية أمة، فإنها تهيئ القوة المادية وتكون لديها الروح العسكرية القوية إلى جانب القوة المادية، وبناء على هذه القوة تبدأ المعارك السياسية والمناورات الدبلوماسية فتوجد الحالة التي تبلغ بواسطتها الدعوة وترتفع شخصية الدولة السياسية. فإذا حصل الاحتكام المادي كان القتال الذي لا مفر منه. وما الحرب الباردة في العالم اليوم إلا الحالة التي يحاول كل من العسكريين إيجادها لنشر مبدئه وما القوات العسكرية الجاهزة إلا استعدادًا للقتال الذي لا بد أن يأتي. وواقع الحياة أنها أفكار تتباين فتتجسد في دول وتُستعمل القوة المادية لنشرها والدفاع عنها بأساليب سياسية وثقافية وعسكرية واقتصادية. والقوة الإسلامية هي لإزالة الحواجز المادية من أمام الدعوة الإسلامية لجعل الشعوب تعتنق الإسلام وتكون مع سائر المسلمين أمة واحدة لا فضل لعربي على عجمي.
الانغلاقات الفكرية إحدى معضلات الفكر الديني
إمدادات هذا الكاتب محمود كرم ... 01 أغسطس 2005
أحد أكثر العناوين خداعا ً وسذاجة ً في أدبيات الفكر الديني هو تحذير وتخويف العامة من المسلمين من ظاهرة ( الغزو الثقافي ) الذي تسعى إليه العولمة في عصرنا الحالي والتي تهدف من خلاله تخريب الموروثات الثقافية الدينية وتدنيس المعتقدات الفكرية وتمييع الشباب المسلم بأفكار غريبة ( شاذة ) وهي اللافتات الكبيرة التي لا ينفك يرفعها أصحاب الفكر الديني ..
وفي الوقت الذي تتجه فيه البشرية نحو صناعة الحياة الإنسانية التي تتجاوز أطر المفاهيم الفكرية الضيقة وتتجاوز الانتماءات المذهبية السياسية والدينية المحدودة عبر تواصل الثقافات الحضارية فيما بينها وامتزاجها وتداخلها الفكري ضمن سياقاتها الثقافية الخلاقة نجد أن أصحاب الفكر الديني يتخذون موقفا ً عدائيا ً وانهزاميا ً من الأطراف التي تتشارك في صناعة الأفكار الكونية التي تتفاعل بروح ديناميكية مع ضرورات الواقع وروح العصر ..
وفي الوقت الذي نجد فيه جماعات الفكر الديني يقبلون على الاستفادة القصوى من نتاجات العولمة العصرية في مجالات التكنولوجيا وتقنية وسائط الاتصال وغيرها ولكنهم في الوقت ذاته يشنون حربا ً عنفية ضد العولمة الفكرية دون أن يفكروا في التنافس الفكري معها وكما يقول الكاتب السياسي ( أمير طاهري ) :
( إن الرفض اللفظي المجرد للعولمة وفي الوقت ذاته قبول جميع ضروراتها وقواعدها في الممارسة ليس سوى دليل على الكسل الفكري فمحاولة تحديها بأفعال العنف من دون التنافس معها في ميزان الأفكار يصل إلى مستوى الشكلية المتدهورة التي رأينا مثالا ً لها في الهجمات التي شنتها جماعة القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر ) ..
ولو رجعنا إلى زمن الحضارة الإسلامية ( الكلاسيكية ) نجد أن المسلمين قد أخذوا كثيرا ً من علوم وأفكار الحضارات التي كانت تساهم في بناء المشهد الثقافي العام وتفاعلوا معها دون أن يرفع المسلمون في تلك الأيام لافتات ( الغزو الثقافي ) ولكن بعد أن انتكست الحضارة الإسلامية ودخل المسلمون ظلمات التعصب الديني والانغلاق الفكري وكراهية الآخر وبالتالي لم تستطع ثقافتهم المصابة بداء الانغلاق أن تساير التطور المذهل في شتى مجالات الحياة الإنسانية وتقوقعت داخل اتجاهين لا ثالث لهما ( اللغة والفقه ) فتحولت إلى ثقافة متخشبة عرجاء لا تملك أسباب التطور والنقد الذاتي وآليات التجديد الفكري وامكانيات التفاعل الثقافي مع الآخر فكان أن رفع أصحاب الفكر الديني لافتة الغزو الثقافي ورددتها من خلفهم الجموع الساذجة التي لم تسأل نفسها سؤالا ً واحدا ً عن خطورة الانغلاق الفكري والاكتفاء بالعلوم اللغوية والفقهية فقط والدوران في حلقة مفرغة من الأفكار التي لم تستطع تجديد نفسها أو حتى مجرد التفاعل مع ثقافات الغير وكان أن حكمت ْ المسلمين ولعقود ٍ طويلة وإلى الآن عقدة ( الأفضلية ) على كل الأقوام والجماعات والأديان الأخرى وتصدرت هذه العقدة مجمل التفكير الديني عند أغلبية العاملين في الحقل الإسلامي ..
ولا يزال التعاطي مع مفاهيم الفكر ( الجهادي ) في المناهج التعليمية الحالية يتم وفق المنظومة ( الزمكانية ) المُولّدة لها والتغاضي كليا ً عن مناقشة جدوى ملاءمتها للعصر الذي نحيا فيه ..