فهرس الكتاب

الصفحة 975 من 3028

ولهذا السبب، وفي مثل الأجواء الجديدة، وفي ضوء المنطق الاستفزازي للإدارة الأمريكية، وحجم الكوارث الإنسانية الحاصلة في العراق، لم تجد الأصوات القليلة التي حاولت إضفاء الشرعية على الحرب الأمريكية على العراق من يتجاوب معها أو حتى يناقشها.

ما يلفت الانتباه هنا أن أصحاب الفتاوى والمواقف المشار إليها لم يقفوا عند حدود سحب الشرعية عن الاحتلال الأجنبي للأراضي العراقية، وإنما نادوا بالجهاد، وطالبوا بمقاومة القوات الأمريكية والبريطانية، بل إن عالمًا شرعيًّا عُرف بالحكمة والهدوء، وهو مفتي الديار السورية، دعا العراقيين للقيام بعمليات استشهادية؛ معتبرًا أن مقاومة المحتل بكل الوسائل فرض عين. وبما أن دعوة الجهاد لم تقتصر على مذهب دون آخر، وتواترت بشكل واسع أصبح لا مفر من أخذها في الاعتبار: من حيث أهميتها ودلالاتها الدينية والسياسية، وأيضًا من حيث تأثيرها على تطورات هذه الحرب وتداعياتها، خصوصًا إذا صدقنا الجهات الرسمية العراقية التي تحدثت عن تدفق آلاف المتطوعين وما ذكرته بعض الصحف من أن معظمهم جاءوا بدافع ديني.

إطلالة على خصوصية فتاوى الأزمة العراقية

في هذا السياق نشير إلى الجوانب الآتية:

أ- دعت بعض هذه الفتاوى أو المواقف إلى محاربة الأمريكيين والبريطانيين، وورد ذلك أحيانا بصيغ فضفاضة؛ مما يخشى أن يأخذها بعض الشباب المتحمس على عموم لفظها، ويسوغ بها الاعتداء على كل حامل لجنسية أي دولة مما يسمى بدول التحالف، وهو من شأنه أن يتسبب في انزلاقات خطيرة، ويعمق الخلط الحاصل بين الجهاد والإرهاب، ويخلق مزيدًا من المصاعب للمسلمين في أماكن عدة من العالم.

ب- عدد كبير من الفتاوى والنصوص التي صدرت وصفت هذه الحرب بأنها صليبية، وهو توصيف خاطئ؛ لأنها حرب اقتصادية سياسية، وليست دينية. إضافة إلى وقوف قطاعات واسعة من المؤسسات المسيحية والرأي العام المسيحي ضدها، وبالتالي فإن استخدام مصطلح الصليبية يعكس انحرافًا في فهم طبيعة الصراع، ويضر بالتحالف العالمي ضد الحرب، مما يخدم في النهاية الصهاينة وأقصى اليمين المسيحي في الولايات المتحدة.

جـ- أوحت تصريحات بعض القياديين في حركات إسلامية بأن وقت الاعتدال انتهى في ممارسة الحركات الإسلامية، وأن المرحلة تقتضي التصدي والاستعداد لضرب المصالح الأمريكية في كل مكان. إن مثل هذه التصريحات الحماسية لا تعكس نضجًا أو وعيًا، يستبطن اعتبار الاعتدال جريرة يجب ألا تتكرر مرة أخرى. إن الاعتدال في الساحة الإسلامية يجب أن يكون سمة متأصلة ونابعة من ثوابت وأفكار مبدئية.

د- بما أن غالبية أصحاب هذه الفتاوى والمواقف لا يهدفون من ورائها إلى توفير حصانة دينية إضافية لنظام بغداد، وأن مقصدهم هو حماية أرض العراق من غزو أجنبي أو وصاية استعمارية، وحتى تكتسب رؤيتهم مزيدًا من العمق وتشكل تحولًا نوعيًا في الفكر السياسي الإسلامي، لا بد أن يقرنوا الجهاد في الحالة العراقية، وفي كل حالة شبيهة، بتأكيد ضرورة الشرعية للتحرير الداخلي، وذلك بكسر القيود التي يعاني منها العراقيون، وإطلاق الحريات، ودعم مصالحة وطنية حقيقية ترتكز على الديمقراطية والاحتكام للشعب واحترام حقوق الإنسان.

فكما أن حماية الأرض أصل من أصول الدين فإن الحرية جوهر الإسلام والهدف الذي خُلق من أجله الإنسان، وكل محاولة للفصل بين الأرض والحرية هي خدمة للاستبداد وتمهيد لافتقادهما معًا.

هكذا يتداخل الدين والسياسة في موضوع الحرب الأمريكية ضد العراق، وهو أمر ما كان بالإمكان تجنبه، خصوصًا في منعطفات ضخمة وأحداث كبرى من هذا الحجم، إضافة لطبيعة الدين ومقاصده الحامية للحرية والاستقلال والسلم.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل سترشد هذه الحرب الفكر الديني، فتجعله يعيد ترتيب الأولويات، ويرى في القتال استثناء تفرضه ضرورات الدفاع عن الوطن ومقاومة الهيمنة؟ أم أن المنطلق الذي تُدار به هذه الحرب سيفتح الباب مرة أخرى أمام تحويل الجهاد إلى نمط في التفكير والحياة؟

للأسف، إن تهديد الإدارة الأمريكية لسوريا وإيران وغيرهما، وإعلان باول في هذا الظرف العسير التزام بلاده حماية أمن إسرائيل من خلال ضرب العراق وكل من يهددها في المنطقة، كل هذه مؤشرات تدل على أن محنة الفكر والدين ستستمر.

مفهوم العولمة وماذا تعني؟

أ.د. يوسف القرضاوي

(العولمة) مصطلح من المصطلحات التي شاعت بيننا في هذه السنين الأخيرة، مثل الحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد الاستعمار، وما بعد الإمبريالية وغيرها، وهو تعبير جديد على لغتنا، فهو مترجم قطعا، كما سنرى.

والمعروف أن (العولمة) مصدر على وزن (فوعلة) مشتق من كلمة (العالَم) ، كما يقال (قولبة) اشتقاقا من كلمة (قَالَب) .

فالتعبير صحيح من الناحية اللغوية، ولكن يبقى علينا أن نعرف معناه والمقصود منه، حتى يمكننا الحكم عليه؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره، كما قال قديمًا علماء المنطق.

العولمة تعني في نظر البعض: إزالة الحواجز والمسافات بين الشعوب بعضها وبعض، وبين الأوطان بعضها وبعض، وبين الثقافات بعضها وبعض. وبذلك يقترب الجميع من (ثقافة كونية) و (سوق كونية) و (أسرة كونية) .

ويعرفها بعضهم بأنها تحويل العالم إلى (قرية كونية) . ولذا نرى بعض الباحثين يستخدم هنا (الكوننة) اشتقاقا من كلمة (الكون) بمعنى العالم أيضا. كما أن بعضهم استعمل كلمة (الكوكبة) إشارة إلى كوكب (الأرض) التي نعيش عليها. ولكن الكلمة التي ذاعت وانتشرت هي (العولمة) .

ويتعامل الفرنسيون مع كلمة العولمة بلفظة: (Mondialisation) ، في حين أن الأمريكيين والإنجليز يتعاملون مع كلمة (Globalization) الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل.

وبهذا المعنى يمكن أن نحدس، أو على الأقل نفترض، أن الدعوة إلى العولمة بهذا المعنى إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة وجعله يشمل الجميع: العالم كله.

من هنا نستطيع أن نحدس، منذ البداية، أن الأمر يتعلق بالدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله.

وبعبارة أخرى: بما أن الدعوة إلى العولمة قد ظهرت فعلا في الولايات المتحدة الأمريكية بهذا المعنى، في أوساط المال والاقتصاد، فإن لنا أن نستنتج أن الأمر يتعلق ليس فقط بآلية من آليات التطور الرأسمالي الحديث، بل أيضا بالدعوة إلى تبني نموذج معين. وبالتالي فالعولمة هي، إلى جانب كونها نظاما اقتصاديا، هي أيضا أيديولوجيا تعكس هذا النظام وتخدمه وتكرسه. وهناك من الكُتاب من يقرن بينها وبين"الأمركة"، أي نشر وتعميم الطابع الأمريكي. [1]

بين العولمة والعالمية:

وربما كان معنى العولمة في ظاهره يقترب من معنى (العالمية) الذي جاء به الإسلام، وأكده القرآن في سوره المكية، مثل قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء:107) ، {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} (الفرقان:1) ، {إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين} (ص: 87،88) .

ولكن هناك في الواقع فرق كبير بين مضمون (العالمية) الذي جاء به الإسلام، ومضمون (العولمة) التي يدعو إليها اليوم الغرب عامة، وأمريكا خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت