فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 3028

-أصبحت المرأة رمزا للإسلام وهي حقيقة جديدة ومكسبا لم يكن يحلم به أصحاب المشروع نفسه، فحقوق المرأة ودورها الاجتماعي كان الثلمة التي يجب رتقها، وحلقة الضعف الرئيسية في الخطاب الإسلامي وممارساته. كانت دونية المرأة وحقوقها المهضومة عنوانا سلبيا للإسلام عند الضفة الأخرى، وببروز الحجاب ودخوله معترك المطالب النسوية والحقوق الشخصية، وتبنيه كوسيلة تحرير للمرأة من تقاليد العزلة والانسحاب، و من خطاب الإبعاد والإقصاء، وممارسات الدونية والاستخفاف، وتأويلات قرون الانحطاط والسقوط، لتصبح المرأة المتحجبة صورة حية للمرأة الحرة التي لها رأيها في الشأن الخاص والعام. وتصبح المرأة عنوانا إيجابيا للإسلام إذا روعيت القراءة الواعية والمتحضرة والسليمة للأقوال والأفعال. هذه الحالة الجديدة للمرأة لا تعتبر إفرازا فريدا وحالة لم يشهدها التاريخ الإسلامي، ولكن عودة على بدء وارتباطا طبيعيا بعد قوسين من ضلال التقاليد والجور الفقهي، بالروح التحريرية التي حملها النص الإسلامي وتجربته التاريخية أيام مجده الحضاري. ألم تُعرّف النساء المتحجبات بالحرائر وغيرهن من الإماء والعبيد اللاتي ليس لهن أدني دور في الحياة العامة!

-انهيار العلمانية في مفهومها العام كراعية للحريات ومدافعة عن حقوق الإنسان، وتلوثها بلغة المصالح الإثنية والقومية وبالمكاسب الانتخابية على حساب المبدأ والنموذج. هذه الرجات المتوالية التي ما فتئت تهز ديار العلمانية حينا واللبرالية حينا آخر، من مثل قوانين الهجرة في أميركا وانتهاكها لأبسط الحقوق والحريات العامة، إلى مسجونين بدون حساب ولا عقاب ولا يحملون أي صفة قانونية، ومن مثل ما يقع من مضايقات وتهديدات لوسائل إعلامية لا تمشي وراء الركب وفضلت التغريد خارج السرب. كل هذه النقاط السوداء التي بدأت تنهمر ويكثر وقعها على أرض متعطشة لزرع آخر وزارع جديد، جعلت من العلمانية والليبرالية قصور رمل واهية لأي موجة قادمة مهما ضعف زبدها. ولهذه الترهلات وقع شديد في البلدان العربية والإسلامية التي شهدت وما زالت تشهد تعاظم العودة للإسلام الفطري، وانهيار المقولات والشعارات العلمانية والليبرالية التي ساهم آباؤها في الضفة الأخرى في اهتزاز صورتها، مما جعلتها تفقد مصداقيتها وتستعد لمغادرة المشهد السياسي والاجتماعي وهي في حيرة من أمرها.

لخطاب الديني: الموازنة بين مقاومة الاحتلال ومقاومة الاستبداد

أ. صلاح الدين الجورشي **

مرة أخرى يسجل الخطاب الديني حضورًا قويًّا في هذه الحرب الدائرة على العراق. لقد تميزت الحرب العراقية الإيرانية بتصادم حاد بين خطابين، أحدهما مذهبي ذو شحنة ثورية انتصارية جامحة، والآخر قومي علماني في حال تراجع كان يحاول يومها تجديد دوره وطاقاته التعبوية. وقد كان لذلك التصادم تداعياته الملحوظة على الخطابين، خصوصًا فيما يتعلق بالأيديولوجية البعثية.

ثم جاءت حرب الخليج الثانية ليعاني الخطاب الإسلامي بكل ألوانه وأطيافه المذهبية والسياسية حال انشطار حاد بسبب الغزو العراقي للكويت، وإشكالية شرعية هذه الحرب، ومدى شرعية الاستنجاد بالقوى الأجنبية.

أما اليوم فقد اتسعت الدائرة لتشمل، إلى جانب الدوائر والحركات الإسلامية، المؤسسات والمذاهب المسيحية. ورغم أن دوافع هذه الحرب سياسية اقتصادية فإن الظروف التي حفت بتبريرها، واقترانها بالحرب التي تشنها أمريكا ضد ما تسميه بالإرهاب، وفقدانها، إلى آخر لحظة، الشرعية الدولية والسند الأخلاقي، كل هذه العوامل وغيرها أحدثت رجة قوية للضمير الديني العالمي، وجعلت من المستحيل تحييد الدين في صراع سيحدد ملامح العالم في المرحلة المقبلة.

التركيبة الفكرية / السياسية لجورج بوش الابن

عندما انتُخب بوش لم يهتم المراقبون كثيرًا بمكانة الدين في بناء شخصيته، أو بنظرة عدد واسع من مستشاريه للعالم والعلاقات الدولية. لكن بعد صدمة 11 أيلول / سبتمبر ظهر هذا الجانب بقوة في ردود أفعال بوش، وأثر بوضوح في خطابه السياسي الذي حرص على اعتبار المرحلة المقبلة مرحلة صراع بين الخير والشر، حتى اعتبرته الصحافة أكثر الرؤساء الأمريكيين تدينًا، واعتبرت إدارته، التي دعمت التحالف بين إسرائيل والمسيحيين المحافظين، الأكثر ارتباطًا بالكنيسة. وعندما تورط البيت الأبيض في الانتقال من مواجهة تنظيم القاعدة وحركة طالبان إلى فتح ملفات العالم الإسلامي؛ تأكد التداخل بين السياسي والديني والثقافي لدى الفريق الحاكم في واشنطن بشكل أخذ يثير قلقًا متزايدًا.

وحين أخذت القوات الأمريكية والبريطانية تواجه صعوبات ميدانية بسبب المقاومة العراقية القوية؛ لجأ بوش إلى مزيد من إضفاء الطابع الديني على هذه الحرب من خلال دعوته الأمريكيين إلى تخصيص يوم خشوع وصوم وصلاة. وعكس هذا التوظيف الأمريكي للدين أزمة قيمية لدى هذه الإدارة وتشويهًا فظيعًا للفلسفة الدينية المسيحية التي تقوم على التسامح واللاعنف والخلاص الروحي.

ردود فعل المجتمع الكنسي

وفي مقابل هذا التوظيف السطحي والعدواني للعقيدة المسيحية اتخذت كنائس عدة أمريكية بروتستانتية وكاثوليكية مواقف مناهضة للحرب، وهاجمت قراءة بوش للرسالة المقدسة، ونشطت في اتجاه إثبات تعارض ذلك مع القيم التي نشرها السيد المسيح عليه السلام. وجاء ذلك تجاوبا مع موقف تاريخي مناهض للحرب اتخذه البابا، وتجنَّدت مؤسسات الفاتيكان للدفاع عنه، واعتبر رئيس المجلس البابوي للعدالة والسلام والأسقف ريناتو رافاييلي مارتينو أن الحرب على العراق جريمة سيعاقب عليها الله، فأعاد بذلك السلام القيمي المسيحي إلى نصابه؛ بمنع تبرير الاستعمار باسم المسيح. هذا الموقف الذي لقي تجاوبًا واسعًا وتقديرًا من جهات عربية وإسلامية كثيرة، جاء بعد حال ذهول عاشها المسلمون والمسيحيون العرب عندما لم تهتز المؤسسة البابوية حين كانت كنيسة المهد في بيت لحم تقصف بأسلحة إسرائيلية في إطار محاولة قوات الاحتلال قنص فلسطينيين لجئوا إليها، مع العلم بأن هذه الكنيسة الأرثوذكسية قررت منع بوش ورامسفيلد وبلير من دخولها إلى الأبد بسبب ارتكابهم جرائم حرب في العراق.

مواقف المؤسسات الدينية الإسلامية

إذا انتقلنا إلى الدائرة الإسلامية يُلاحظ أن الخلافات الحادة التي شقت صفوف المؤسسات الدينية الرسمية وأوساط العلماء والفقهاء والحركات الإسلامية في مطلع التسعينيات قد اختفت هذه المرة. ويعود ذلك إلى تغير الإشكالية واختلاف التحدي.

فالحرب السابقة نتجت عن غزو العراق للكويت، وضمها بالقوة. ورغم أن الغالبية الساحقة لمختلف تلك الأطراف أنكرت عملية الاجتياح والضم؛ فإنها اختلفت حول إضفاء شرعية على استعمار بلد مسلم بحجة تحرير شعبه من سلطة مستبدة. وبالرجوع إلى البيانات والفتاوى التي صدرت يلاحظ أن فقهاء السنة كفقهاء الشيعة أعادوا ترتيب الأولويات مقدمين حماية الأرض على الديمقراطية التي يخوض الحلفاء الحرب باسمها.

وحول هذه المسألة التقت المراجع الشيعية في قم والنجف مع مشيخة الأزهر وفقهاء الجزيرة العربية وشيوخ منطقة آسيا الوسطى وعلماء تركيا ودمشق والمغرب العربي، وذلك رغم طعن هذه الأطراف أو غالبيتها في شرعية النظام العراقي وتحميله مسئولية المأزق الذي تردت فيه المنطقة منذ التسعينيات؛ إذ إن بعض المراجع في إيران وجنوب العراق سبق له أن كفرَّه، وأخرجه من الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت