ليست اللائكية مطروحة للنقاش هذه الكلمات التي رددها الرئيس الفرنسي مكررا، تنبئ بالمكانة التي حفرتها اللائكية في ثقافة هذا البلد وعقلية أفراده وتركت بصماتها في عقلها الجمعي والفردي، والتي بنت وجدان مجتمعه وأسست كيانه وحددت سلوكه، فاللائكية الفرنسية هي لغة وتاريخ وثقافة ومصير. إن القول بهذه المبدئية الصارمة والرافضة للغة الحوار والتجاذب، يحمل في حد ذاته تناقضا جوهريا مع ما حملته اللائكية في دعوتها من أنها تشكل إطارا سليما للقاء بين الأضداد وعدم الإقصاء والاستثناء، رغم أنها تأسست على أنقاض معركة شاحنة بين الجمهورية والكنيسة، بل إن علاقتها التي بنتها مع الأديان كان فيه من المرونة ولو كانت محتشمة ما جعلها تحدد أطر التفاعل رغم تضييق منابر العمل.
فالفصل بين الدين والدولة، وطرد الكنيسة من الفضاء العام، وخاصة القطاع التعليمي العمومي، تولد عنه نشأة قطاع تعليمي خاص ضخم، تسهر عليه الكنيسة وتموله الدولة بضرائب المواطنين. المفارقة الجديدة التي تطرحها هذه الكلمات الحازمة للرئيس الفرنسي وهو إذا كانت اللائكية غير قابلة للنقاش، فهل حرية المعتقد وحرية الملبس قابلتان للجدال؟ وهذا ما جعل عديد الأطراف الخارجية تعبر عن قلقها من هذا الموقف المناهض لحرية المعتقد، فالبيت الأبيض اعتبر عن طريق مسئول الحريات الدينية في الخارجية أن الحجاب وما سواه من المظاهر الدينية يجب أن يكون متاحا، كما عبر التقرير السنوي للوزارة حول الحريات الدينية عن قلقه وانشغاله بالعقبات التي تضعها فرنسا لحرية المعتقد. كما أشارت الوزيرة البريطانية القائمة على الشؤون العرقية، أن المرأة المسلمة في بريطانيا تستطيع ارتداء الحجاب بكل راحة، سواء في الأماكن العامة أو في المدارس.
فالسؤال المطروح إذا كانت أطراف تجمعها بفرنسا وحدة الثقافة وتقارب العقلية وتناسق المواقف والتصورات الفلسفية وأحادية النسق الحضاري، لم تفهم الموقف الفرنسي، فكيف سيفهمه أبناء البلد وبناته؟ كيف ستفهم الفتاة الفرنسية التي تربت في بلد حقوق الإنسان، والتي سمعت آباءها قبل أن تري بأم عينيها مدي انعدام الحرية والاعتداء على حقوق الإنسان في وطن الأجداد، كيف لها وهي التي تغنت وشكرت الأقدار التي جعلتها تري الدنيا بالألوان، في هذه البلاد المفعمة بأشعة الحرية ونسيمها وأشواقها، كيف لها أن تقبل مهما كانت المبررات والدوافع، فلسفية كانت أو حضارية أو سياسية ضيقة، أن يُعتدي على حق ظنته مكسبا لا رجعة فيه، ولا يقبل المزايدة، وليس مطروحا للنقاش؟ كيف لهذا الأقلية الجديدة أن تعقل أن هذه الحرية في المعتقد والملبس التي رعتها اللائكية يوما في مواجهة الكنيسة، تأتي اليوم هذه اللائكية نفسها لتنزعه عن فريق تربي في أحضانها، وشرب من ألبانها على مقاعد الدراسة وأمام شاشات التلفاز؟
المفارقة السادسة: الإسلام كتهمة
لقد أنتجت الحملة حول الحجاب، والقانون الذي سوف تثمره حالة ارتياب وتوجس داخل المجتمع الفرنسي تعبر عنها كلمة الإسلاموفوبيا وهي الخوف من الإسلام فكرا وممارسة، حتى أصبح الحجاب عنوانا لهذه الأقلية ولثقافتها ورمزا لدينها، وتحولت المعاداة والريبة من قطعة القماش إلى النسيج الاجتماعي نفسه، ومن الحجاب إلى الديانة الإسلامية. وأصبحت مناطق الحظر تتوسع وأخذ إطار الحرية لهذه الأقلية يتقلص شيئا فشيئا. فمن المدرسة أصبح الحديث عن المستشفيات، وطالب البعض بأن تحترم اللائكية من طرف الطبيب والمريض، حيث تبين أن البعض من الطاقم الطبي النسائي يلبسن الحجاب، فقبل أن تكون طبيبا أو مريضا عليك أن تكون لائكيا! ثم تم غلق مسبح كان يسمح فيه لسويعات معدودة في الأسبوع، للنساء المسلمات بالترفيه عن أنفسهن بعيدا عن أعين الغرباء، حتى لا يتناقض مع مياه اللائكية التي ترفض الفصل بين المواطنين! ثم قام رئيس بلدية إحدى الضواحي الباريسية (Nogent sur marne) برفض الإشراف وقبول الزواج المدني لعروس لأنها رفضت نزع الخمار، بدعوى عدم احترام القيم العلمانية للدولة! لأن مقر البلدية رمز ومكان مبجل للجمهورية! ثم تلاه رفض أحد مديري المدارس دخول أولياء متحجبات إلى المدرسة لحضور حوار داخلي دعت إليه الدولة لمناقشة دور المدرسة، بدعوى لائكية المكان!
هذه المظاهر الجديدة في المجتمع الفرنسي ليست شواذا، ولكنها تعبير خطير عن عقلية جديدة بدأت تُنسج خيوطها في البيت السياسي أولا، ثم تفشت في النسيج الاجتماعي، وهي الخوف والتوجس من هذا الدين ومن أصحابه، واعتبار أن جزء من هذا الوطن غير مرغوب فيه. وبالرغم من أن الرئيس الفرنسي قد حذر من هذا المنعطف ، فإننا لا نخال إلا أن هذه الحملة والمتبوعة بالقانون، ستؤدي إلى هذه النتيجة الخطيرة على علاقة الطوائف ببعضها، وإلى التدرجات الاجتماعية داخل الوطن الواحد، وسيشعر جزء منه أنه مضطهد، وأنه مواطن من الدرجة الثانية لاختلافه في المعتقد والدين. فهل هو عجز المجتمع الفرنسي عن استيعاب هذا الدين وتفهم ثقافة حامليه والقبول بالظاهرة الإسلامية؟ أم أن الخوف من الاحتواء الإسلامي للثقافة الأوروبية ولتاريخها يبرر مثل هذه القوانين ويبشر بالمزيد منها؟
الحالة الإسلامية على مفترق طرق
إن الحملة الفرنسية وما سوف ينجر عنها من قوانين وأحوال تؤكد على ثلاث استنتاجات هامة ومصيرية وفريدة تتجاوز الواقع الفرنسي، لتلمس حالة الأقليات المسلمة في الغرب فقها وممارسة، و دور المرأة كإنسان وكمسلمة، والعلمانية كإطار مستقبلي مهتز كان ينشد حلولا لأطر متخلفة:
-يحمل المظهر الإسلامي خاصية ذات بعدين، وظيفي ورمزي. وهي حالة يلتقي فيها مع بعض الأديان ولكن يفوقها حجما ودلالة، وهي توحي بفرادته وتجعله يعبر عن ثقافة وعقلية ومنهج حياة يتجاوز الحدود والثقافات.فهل تسبق قوانين الإطار الذي يتنزل فيه تصوراته أم يعلو عليها وينبذها؟ هل يعلو الحجاب على الجمهورية أم يتأقلم مع المعطيات الجديدة ويحترم قانون الأغلبية على مرارته؟ هذه اللحظة التي تعيشها الأقلية المسلمة في فرنسا خاصة وفي بلاد الغرب عامة، تظهر مدي ما يحمله هذا الواقع الجديد من خاصيات ومميزات تدفع إلى الإسراع بإنشاء فقه للأقليات لا يكتفي بدور النصيحة والإفتاء ودعها حتى تقع، ولكن يفرض الجرأة على خوض هذه التجربة المصيرية والهامة في مستوي الفروع، فإذا كان هذا الفقه جزء من الفقه العام، فإنه يجب أن يتميز عليه بواقعه الذي يتنزل فيه وبخصوصية أوضاع طالبيه. إن بروز فقه جديد بقواعد جديدة يعبر عن حالة جديدة لم يعرفها الإسلام سابقا، حيث أصبح قلة في كثير، يعتبر أمرا ضروريا وحاسما لاندماج هذه الأقليات في أوطانها الجديدة مع احترام قوانين بلدانها دون تفسخ أو اندثار أو انعزال.