فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 3028

كما تطرح التساؤلات لاحقا في مستوي الجمهور المستمع إليه. فمن بين مائة فرد تداولوا على المنصة، وقع الاستماع إلى امرأتين متحجبتين فقط، وكأن الأمر لا يعني هذه الطائفة، فكيف يمكن بلورة فكرة واضحة وتكوين رأي سليم إذا كان المعنيون مباشرة لا يمثلون أكثر من 2% من الجمهور المعني، وهذا حسب ظني إحدى المنزلقات التي وقعت فيها اللجنة عن وعي أو غير وعي. كان الأسلم أن يستمع أعضاؤها إلى العديد من الفتيات اللاتي يلبسن الحجاب ويتبينوا الأسباب الكامنة وراءه، عوض أن يكثر الجدل البيزنطي حوله ويغلب طابع الهمز واللمز والتشويه والرأي المسبق والحكم النهائي، في ظل غياب المتهم. كان الأجدى أن تعرف اللجنة وأن يعرف المجتمع من ورائها لماذا قررت فتيات فرنسيات المنشأ والمسقط وفي واقع متمدن ومتحضر وفي ظل علمانية مهيمنة على كل أوصال المجتمع، وأمام هيمنة الموضة واستفحال النموذج الأمريكي الزاحف على الأكل والشرب والملبس، وفي وسط إطار داخلي وخارجي ينظر بعين الريبة والشك والعداء لكل مظهر إسلامي، لماذا لم تستمع اللجنة إليهن حتى نعرف الأسباب فتكون الرؤية واضحة وأكثر صلابة، فلعل منهن من أرغمت على لباسه تحت وطأة أب أو أخ أو جماعة، وللقانون حقه وواجبه أن يتدخل لحماية حريتهن. ولعل منهن من لبسته كموضة تنتهي بانتهاء أجلها وتنحي رموزها، ولعل منهن من لبسته حشمة وحياء وهو موقف يبتعد عن السياسة والأيديولوجيا والإثنية ويلامس الأخلاق والسلوك المرهف، ولعل منهن من ارتدته حتى تتجنب المضايقات والهمز في أحياء مهمشة يغلب عليها التقوقع والانعزال ولغة القوة والعصابة، فيكون الحجاب تعبيرا عن أزمة مجتمع وتهميش مجموعات وطوائف وجهات وبقاع، وليس هو الأزمة، بل لعله يساهم في طرق الأبواب الحقيقية ووضع الإصبع على الموقع الجريح. ولعل منهن من اختارته عن وعي ولبسته عن علم، فكان خيارا لا اضطرارا وكان عقلا وليس نقلا، وهو بالتالي تعبير عن حرية مفقودة، ورمز للتحرر من براثن تقاليد بالية وتصورات واهية حملها الآباء والأمهات من بلدان الأصل وحسبوها دينا والدين منها براء.

المفارقة الثالثة:حجاب وقلادة

هذا العلم النسبي بأبجديات الحجاب، تاريخا وحكما وشرعية، تجلي في محاولة التمييز بين الرموز الدينية الظاهرة مثل الحجاب الإسلامي أو القلنسوة اليهودية، أو الصليب الكبير الحجم (رغم أننا نستبعد أن نري أحدهم يجر صليبا معه داخل المدرسة أو خارجها) وبين الرموز الخفية مثل نجمة داوود أو الصليب الصغير أو قلادة فاطمة! فما هي هذه القلادة التي حشرت حشرا كرمز إسلامي يمكن قبوله وتجاوزه. الحديث عن هذه القلادة هو تعبير في الحقيقة بوعي أو غير وعي عن إفلاس في فهم الحجاب، عن وظيفته، عن دوره، هو إفلاس في فهم هذا الدين، وفهم تاريخه وقواعده، وأسسه. لقد ظن الكثير إلى يومنا هذا أن قرآن المسلمين هو تصوير لحياة الرسول الكريم (ص) كما هو الشأن للسيد المسيح (ص) والإنجيل. وهو إفلاس في فهم ثقافة هذه الأقلية وعلاقتها بدينها وبحضارتها، وعدم تفهم للعلاقة العضوية التي تربطها بأمتها، دون الإخلال بحبها وأمانتها لأوطانها الجديدة. هذا الخلط الواضح بين قلادة لا يعرف أصلها وفصلها، تعود إلى العادة والتقاليد عند بعض الأفراد من بلاد المغرب، حتى أن أهل الشرق الإسلامي لم يفقهوا معناها ولا عرفوا رسمها، والتجأ أحد المواقع على الإنترنت إلى نشر صورة لها لتقريب صورتها إلى أذهان المسلمين المشارقة. زيادة على أن مثل هذه الطلاسم والتعاويذ السحرية، هي أقرب للشعوذة من عالم الدين والعلم، والإسلام منها براء، وهذا ما خفي عن لجنة الحكماء والعارفين، وهو تأكيد على غياب مجحف لأصحاب الشأن في هذا المجال.

هذه النسبية في معرفة الإسلام لم تكن حبيسة اللجنة فقط بل عمّت الجميع، ولعل الغريب أن الكثير من المفكرين وأنصاف المثقفين والسياسيين دخلوا حلبة التناظر بمعرفة قاصرة، أو حتى جهل مدقع بالإسلام كدين، وبالحجاب كظاهرة ووظيفة، وأكثر هؤلاء غرابة رئيس بلدية مونبولي، الاشتراكي السيد فراش حين أعلن في اجتماع مجلس البلدية وبحضور الكاميرا عن علمه بأبجديات الإسلام ومنها أن زوجات الرسول محمد الثمانية (وليس تسعة) لم يلبسن الحجاب قط!.

المفارقة الرابعة: تكريس الطائفية

لما انتهي الرئيس الفرنسي من إلقاء خطابه الذي أعلن فيه دعوته إلى تقنين منع الحجاب في المدارس، كانت تعليقات ممثلي الأديان متضاربة، ورغم القبول المتلكئ والغالب عليه الرضا بالأمر الواقع لدي رئيس مجلس المسلمين في فرنسا، فإن الامتعاض والرفض قد غاب لدى الأطراف الأخرى، بل إن مجلس الطائفة اليهودية أبدي في بيان صدر في باريس الأربعاء 17-12-2003 قبوله للقانون وعلى كل من يريد أن يعيش في فرنسا أن يخضع لقوانينها وعاداتها وأيد المجلس قرار عدم منح طلبة المدارس إجازة في عيد الكيبور اليهودي وعيد الأضحى، معللا ذلك أن منح مثل هذه الإجازة سيؤدي إلى مشاكل أكثر مما يؤدي إلى حلول.

هذه الرؤية المختلفة والمتناقضة سهل فهمها وهي تعبر في الحقيقة عن أن المعنيين والضحايا في هذا الأمر هم المسلمون. فزيادة على أن مظاهر التدين الغالب عند الأطراف الأخرى ليس إلزاميا، فإن وجود مدارس حرة كاثوليكية ويهودية تمول من طرف الدولة وتكاد تماثل المدارس العمومية عددا وعدة، تجعل من القانون غير ذي اعتبار عند الطائفتين. فأكثر من مليوني وستمائة ألف تلميذ يرتادون المدارس الكاثوليكية، وأكثر من 26 ألفا يدرسون في المدارس اليهودية، في حين أن سبعين تلميذا مسلما يرتادون مدرستين مسلمتين بتمويل ذاتي، تأسستا منذ سنة أو سنتين. ولو أرجعنا هذه الكتل إلى نسبها المئوية في مقابل عدد المنتسبين إلى هذه الأديان لوجدنا الإجحاف أكبر وأخطر. المفارقة التي سوف يتعرض لها القرار لا محالة وهو إما أن يؤدي إلى طرد العشرات أو المئات من الفتيات اللاتي يرفضن نزع خمارهن، وهو ما سيدفع لاحقا إلى ضرورة إيجاد بدائل إسلامية، مما يعمق الانكفاء والتقوقع على الذات وعلى الطائفة، وهو عكس ما أراده المشرع الفرنسي.

وإما أن تبقي الفتيات سافرات الشعر داخل المدارس وهو ما سوف يعمق الإذلال لهذه الأقلية وشعورها بأنها مظلومة، وأن الوطن الذي حملها وحملته في قلوبها، قد هضم حقها في العزة والكرامة، وأن عليها أن تبحث عن ذلك الدفء المعنوي والحاسم عند بني طائفتها. إن سياسة الخوف كما عبرت عنها افتتاحية صحيفة لوموند في 17/12/03 تظهر أنه بعيدا على أنه سيكون وسيلة للاندماج والتهدئة كما يريده الرئيس الفرنسي، فإن القانون المرتقب سوف يكون إشارة عكسية إلى مزيد من الانكفاء على الذات والطائفية، فهذه اللائكية الخائفة والمنغلقة والمدافعة ستؤدي لاحقا إلى تهميش قطاع هام من سكان البلاد وتشويه صورته ورفت جانب منه.

المفارقة الخامسة: اللائكية المغشوشة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت