لَقَد كَانَ التَّربَوِيُّونَ ـ مُعَلِّمِينَ وَمُدِيرِي مَدَارِسَ وَمُرشِدِينَ ـ يَطمَعُونَ في أَن يَتَعَاوَنَ الآبَاءُ مَعَهُم في تَربِيَةِ أَبنَائِهِمُ التَّربِيَةَ الصَّحِيحَةَ وَتَحلِيَتِهِم بِمَكَارِمِ الأَخلاقِ وَمحمُودِ الصِّفَاتِ، وَلَقَد أَصبَحُوا الآنَ يَرضَونَ مِن أُولَئِكَ الآبَاءِ بِأَنْ يُمسِكُوا الشَّرَّ عَن أَبنَائِهِم وَيَمتَنِعُوا عَن جَلبِ أَجهِزَةِ الفَسَادِ في مَنَازِلِهِم وَبِأَموَالِهِم.
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّها المُسلِمُونَ ـ فِيمَن تحتَ أَيدِيكُم، وَارعَوا أَمَانَاتِكُم وَلا تُضيعُوا وِلايَاتِكُم، لَقَد مَضَى العَصرُ الذِي يَتَلَقَّى فِيهِ النَّاسُ كُلَّ جَدِيدٍ بِالقَبُولِ دُونَ تَمحِيصٍ وَلا تَدقِيقٍ، وَآنَ الأَوَانُ لِتَفَحُّصِ كُلِّ مَا يَدخُلُ إلى البُيُوتِ مِن أَجهِزَةٍ وَأَدوَاتٍ وَمُختَرَعَاتٍ، وَإِذَا كُنَّا ـ وَلا سِيَّمَا الشُّيُوخُ مِنَّا وَالكُهُولُ ـ لا نَعِي مَا تحمِلُهُ هَذِهِ الأَجهِزَةُ مِنَ الآفَاتِ وَالشُّرُورِ وَلا نَعلَمُ كَيفَ تَعمَلُ وَلا نَتَصَوَّرُ مَخَاطِرَهَا المُحتَمَلَةَ فَلْنَعلَمْ أَنَّ دَرءَ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلبِ المَصَالحِ، وَالتَّخلِيَةَ أَولى مِنَ التَّحلِيَةِ، وَالوِقَايَةَ خَيرٌ مِنَ العِلاجِ، وَالسَّلامَةَ لا يَعدِلُهَا شَيءٌ، فَامتَنِعُوا عَن شِرَاءِ هَذِهِ الأَجهِزَةِ لأَبنَائِكُم، مِن دُشُوشٍ وَجَوَّالاتٍ وَمَا يُسَمَّى بِالبلاي ستيشن. نَعَمْ، امتَنِعُوا عَن شِرَائِهَا وَجَلبِهَا لأَطفَالِكُم وَإِدخَالِها بُيُوتَكُم؛ لِئلاَّ تَكُونُوا مَعَاوِلَ هَدمٍ في دِينِهِم وَأَخلاقِهِم وَقِيَمِهِم وَأَنتُم لا تَشعُرُونَ، فَتَندَمُوا يَومَ لا مَندَمَ، وَلا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: إِني أَقدِرُ عَلَى تَقنِينِ استِعمَالِ أَبنَائِي أَو بَنَاتي أَو أَهلِي لِهَذِهِ الأَجهِزَةِ وَضَبطِ أُمُورِهِم حِيَالَهَا، فَوَاللهِ إِنَّ هَؤُلاءِ الشَّبَابَ وَالشَّابَّاتِ لَيَعلَمُونَ مِن أَسرَارِ هَذِهِ الأَجهِزَةِ مَا لا تَعلَمُونَ، وَيُحسِنُونَ مِن تِقنِيَاتِهَا مَا لا تُحسِنُونَ، وَيَستَخدِمُونها في الشَّرِّ بِمَا لا يَخطُرُ لأَحَدِكُم عَلى بَالٍ، يَظهَرُ أَحدُهُم أَمَامَكُم بِمَظهَرِ المُسَالِمِ الوَدِيعِ الذِي لا يَستَخدِمُ الجَوَّالَ إِلاَّ لِلمُهَاتَفَةِ النَّافِعَةِ وَالمُكَالَمَةِ المُفِيدَةِ، وَلا يَنظُرُ في القَنَوَاتِ إِلاَّ لِلأَخبَارِ وَالبرَامِجِ العَادِيَّةِ، فَإِذَا مَا غِبتُم عَنهُم أَو غَابُوا عَنكُم تَفَنَّنُوا في إِشبَاعِ شَهَوَاتِهِم بِهَذِهِ الأَجهِزَةِ، أَنتُم تُسلِمُونَ أَعيُنَكُم لِلنَّومِ مُتعَبِينَ مِن أَعمَالِكُم وَمَعَاشِكُم، وَهُم يَتَسَمَّرُونَ أَمَامَ هَذِهِ الأَجهِزَةِ مِن وَرَائِكُم، يُقَلِّبُونَ النَّظَرَ فِيمَا يُسخِطُ اللهَ ولا يُرضِيهِ، وَيَتَنَاقَلُونَ مَا يُمَزِّقُ لحمَ الوُجُوهِ، فَاتَّقُوا اللهَ ثم اتَّقُوا اللهَ ثم اتَّقُوا اللهَ، فَوَاللهِ إِنَّ جُزءًا كَبِيرًا بَل هُوَ الأَكبرُ مِنَ المَسؤُولِيَّةِ لَيَقَعُ عَلَى عَوَاتِقِكُم. صَحِيحٌ أَنَّكُم سَتُوَاجَهُونَ بِأُمَّهَاتٍ جاهِلاتٍ وَنِسَاءٍ نَاقِصَاتٍ، يَتَّهِمْنَكُم بِالتَّحجِيرِ وَالتَّضيِيقِ عَلَى أَبنَائِهِنَّ وَعَلَيهِنَّ، أَو يَلُمْنَكُم عَلَى أَنَّكُم لم تُوَاكِبُوا العَصرَ ولم تَفعَلُوا كَمَا يَفعَلُ النَّاسُ، وَقَد يَكُونُ أَبنَاؤُكُم هُم مَصدَرَ الضَّغطِ عَلَيكُم لِيَكُونُوا كَزُملائِهِم وَأَقرَانِهِم، أَلا فَلا يَكُونَنَّ كلُّ هَذَا عَائِقًا لَكُم دُونَ تَحَمُّلِ أَمَانَاتِكُم وَرِعَايَتِهَا، وَوِقَايَةِ مَن تحتَ أَيدِيكُم مِنَ النَّارِ، وَالعَمَلِ عَلى نجاتِكُم وَنجاتِهِم، وَتَذَكَّرُوا مَا صَحَّ عنه حَيثُ قال: (( مَن أَرضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إلى النَّاسِ، وَمَن أَسخَطَ النَّاسَ بِرِضَا اللهِ كَفَاهُ اللهُ مَؤُونَةَ النَّاسِ ) )، وَمَا صَحَّ عنه أَنَّهُ قال: (( مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يموتُ يَومَ يموتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ ) ). أَفَلَيسَ مِنَ الغِشِّ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يُوَفَّرَ الجَوَّالُ لِطِفلٍ لا يَتَجَاوَزُ خمسَ عَشرَةَ سَنَةً؟! أَلَيسَ مِنَ الغِشِّ إِدخَالُ القَنَوَاتِ الهَابِطَةِ في المنزِلِ؟! أَلَيسَ مِنَ الغِشِّ تَوفِيرُ أَجهِزَةِ البلاي ستيشن دُونَ رَقَابَةٍ وَفِيهَا مَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ وَالبَاطِلِ؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ وَاعلَمُوا أَنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولاَدُكُم فِتنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ.
الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ، فَقَدِّمُوا مَا يَسُرُّكُم وَيُنجِيكُم يَومَ تَلقَونَهُ.
أَيُّها المُسلِمُونَ، إِنَّ أَعدَاءَنَا لا يَمَلُّونَ مَا بَينَ آوِنَةٍ وَأُخرَى مِن تَوجِيهِ ضَرَبَاتٍ قَاسِيَةٍ إِلى مَقَاتِلَ في مجتَمَعِنَا عَامَّةً، وفي صُفُوفِ النِّسَاءِ وَالشَّبَابِ وَالأَطفَالِ خَاصَّةً، ضَرَبَاتٌ لَيسَ سِلاحُهَا الصَّوَارِيخَ وَلا المَدَافِعَ وَلا الطَّائِرَاتِ، فَتِلكَ جَرَّبُوهَا فَلَم يُفلِحُوا ولم يَنجَحُوا في إِخراجِ النَّاسِ بها مِن دِينِهِم وَلا صَدِّهِم عَن مُعتَقَدَاتِهِم، وَلَكِنَّهَا ضَرَبَاتٌ مَعنَوِيَّةٌ فِكرِيَّةٌ، قَصدُها إِبعَادُ المجتَمعِ المُسلِمِ عَن دِينِهِ وَهَدمُ عَقِيدَتِهِ، وَتَجهِيلُهُ بِحَقِيقَتِهِ وَتَضِييعُ هُوِيَّتِهِ، وَمَسحُ مَبَادِئِهِ وَإِلغَاءُ قِيَمِهِ، وَمَسخُهُ إِلى مجتَمَعٍ مَفتُوحٍ عَلى كُلِّ الثَّقَافَاتِ، دُونَ احتِفَاظٍ بِشَخصِيَّةٍ مُستَقِلَّةٍ وَلا تَمَيُّزٍ مُعَيَّنٍ، وَإِذَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الخَطرَ الغَربيَّ عَسكَرِيٌّ محضٌ وَنقصُرُ خَطرَهُ على مَا عِندَهُ مِن سِلاحٍ نَوَوِيٍّ أَو قَنَابِلَ عُنقُودِيَّةٍ أَوِ انشِطَارِيَّةٍ فَإِنَّنَا نَرتَكِبُ خَطَأً جَسِيمًا، وَنَستَجِيبُ لِغَفلَةٍ حَضَارِيَّةٍ خَطِيرَةٍ، ذَلِكُم أَنَّ التَّأثِيرَ في القِيَمِ أَو نَسفَهَا وَتَغييرَ المَبَادِئِ أَو وَأدَهَا أَكثرُ خُطُورَةً مِنَ التَّهدِيدِ العَسكَرِيِّ؛ لأَنَّ التَّهدِيدَ العَسكَرِيَّ لا يَلبَثُ أَن يَنهَارَ أَو يَسقُطَ يَومَ أَن تَنتَفِضَ عَلَيهِ الشُّعُوبُ الحُرَّةُ، وَلَكِنَّ الخُطُورَةَ كُلَّ الخُطُورَةِ في التَّأثِيرِ الذي يُلبَسُ أَثوَابَ التَّسلِيَةِ وَالتَّرفِيهِ وَهُو يَسرِي في العُقُولِ كَالسُّمِّ في العَسَلِ، فَالحَذرَ الحَذرَ، فَإِنَّ المُخطَّطَ كَبِيرٌ وَالغَزوَ مُستَمِرٌّ، وَالحِملَ كَبِيرٌ وَالمُسؤُولِيَّة عَظِيمَةٌ، وَالانتِبَاهَ وَاجِبٌ وَاليَقَظَةَ إِيمَانٌ، وَ (( لا يُلدَغُ المُؤمِنُ مِن جُحرٍ مَرَّتَينِ ) )، وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا.
أخطر أنواع الابتلاءات، وأعظمها ضررًا، وأعمقها أثرًا على الأمة، تلك التي تنتج من بعض الشبه التي يثيرها بعض المنتسبين إلى السنة، المنتمين إلى السلف.
على الرغم من تعدد الابتلاءات وتنوعها في هذا العصر بحيث يصعب حصرها، إلا أننا يمكن أن نجملها في الآتي: