فهرس الكتاب

الصفحة 2585 من 3028

ونترك الآن استكراهه للعبارة، ولي عنقها، وإنطاقها بما لا تنطق به، ونناقشه فيما سلم به وخطه بيمينه وذلك قوله:"شكا أهل سمرقند ظلامتهم للخليفة، وما نزل بهم من خراب، وتدمير على يد قتيبة"كيف يمر الباحث (المتجرد) على هذه (العجيبة) ولا يلتفت إليها، بلدة مفتوحة، فتحها سعيد بن عثمان، ثم عادت فانتقضت - ذكر ذلك فلوتن بنفسه في الموضع نفسه - ففتحها قتيبة ثانية، بعد معارك شرسة وصفها الطبري، وقرأها (فلوتن ) طبعًا - ذكرنا شيئا من ذلك آنفًا - تفكر في الشكوى إلى الخليفة، مجرد خطور هذا بالذهن، بذهن أهل المدينة المفتوحة، أليس لهذا مدلول؟

من الشاكي؟ ومن المشكو؟ ومن المشكو إليه؟

تشكو بلدة مهزومة مفتوحة، تشكو القائد الفاتح، تشكوه لحاكم الدولة التي كلفته بالفتح!!! أيمكن أن يأتي هذا من فراغ؟ ألا يشهد ذلك بأن هؤلاء الشاكين كان عندهم - لا شك - علم بأن وراء هؤلاء الفاتحين نظمًا وأخلاقًا ومبادئ تحكمهم، ألا يشهد ذلك بأن هذه المبادئ وهذه النظم قد تداولها سمع الدنيا، وملأت آفاق الأرض حتى سمع بها من في سمرقند على بعد ما بين سمرقند ودمشق، وعلى قلة وسائل الاتصال والإعلام آنذاك، أن يأمل - مجرد أمل مَنْ في سمرقند أن يشكو قائد الجيش وجيشَه في دمشق، وأن يكون ذلك قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا من الزمان؟ فهذا وحده كاف أن يروع الباحث (المتجرد) ليقف ويبحث ويتأمل، ليدرك سرَّ هذه المبادئ ، هذه الأخلاق وهذه القوانين، بل سر هذا الدين الذي بنى هذا كله.

ثم إذا لم يلفت نظره، ويبهره تفكير أهل سمرقند في الشكوى . . . . ألا يروعه أنهم استأذنوا واليهم، وأعلموه أنهم ذاهبون إلى دمشق للشكوى إلى الخليفة، فأذن لهم (58) !!! يا سبحان الله !!! أية سماحة!! وأية أُخوة!! وأية رحمة !! تصل إلى هذا الحد.

ثم إذا لم يلفته ذلك إلى سماحة الإسلام، وعظمة مبادئه، ألا يروعه استقبال الخليفة لهذا الوفد، وهو الحاكم العام لتلك الدولة، التي كانت تمتد من كابل شرقًا إلى طنجة غربًا، ومن جبال البرانس شمالًا إلى جبال النوبة جنوبًا، لم تشغله شؤون هاتيك البلاد المترامية الأطراف عن مقابلة الوفد الشاكي والاستماع له،"لم يحوله على المختص بشؤون الشرق الأوسط"! ثم قبل الدعوى وأمر بالحكم فيها.

ثم جلس القاضي للحكم، ونظر في القضية، وحكم قاضي الدولة الفاتحة، على قائد دولته، وجنوده. قاضٍ يحكم على دولته بإخلاء جيشها وإخراجه من المدينة التي دخلها عنوة!!!

أيضرب فلوتن عن كل هذا صفحًا، وهو بين عينيه، قرأه عند الطبري، ونقله عنه في كتابه، ولا يلفته ذلك، لا تلفته هذه الصفحة الرائعة من حضارتنا ومن صفحات فتوحاتنا، فتوح العدالة، والرحمة، وتحرير الإنسانية؟ ! لم تكن الدنيا بعد قد عرفت القانون الدولي العام، ولا القانون الدولي الخاص، ولم تكن بعد قد تفتقت الأذهان عن عصبة الأمم الموءودة، ولا مجلس الأمن المعوج، ولا الجمعية العامة للأمم المتحدة الشلاء.

لم يكن شيء من ذلك، ولكن أمتنا قد عرفت العدل، والإنصاف، في السلم والحرب فلم تعرف الدنيا، ولن تعرف - إ لا إذا عاد المسلمون لقيادتها - حربًا يلتزم أصحابها - منتصرين أو منهزمين - بمبادئ الحق والأخلاق إلا فتوحات الإسلام، ولن ترى الدنيا قاضيًا - بعد قاضينا - يحكم بإجلاء جيش بلاده عن المدينة التي فتحها وبذل في سبيل دخولها أرواحًا غالية، وساعات عصبية، وأثقالٍ غالية؛ كل ذلك لاحتمال أن القائد لم يكن قد عالنهم بالحرب.

إن المستشرق (فان فلوتن) عاش حياته في القرن التاسع عشر، (59) قرن الاستعمار، ورأى بلاده (أوربا) وهي تجتاح دولنا وتتقاسمها أحيانًا بالمعاهدات والاتفاقات، وتتقاتل وتتنازع عليها أحيانًا أخرى، وفي أثناء كلامه يستخدم كثيرًا لفظ (احتلال) واصفًا به الفتوحات الإسلامية، ألم يسائل نفسه ما بال قومه، يفعلون كل هذا، أو ما با ل دولته (هولندا) تصنع ما تصنعه بالدول التي احتلتها فأذاقتها الهوان؟.

وإذا نعجب من هذا الباحث (المتجرد) الذي لم يُرعه ذلك، ولم تخطف بصره نصاعة هذه الصفحة، فإن الذي لا ينقضي العجب منه هو موقفه الغريب من بقية القصة، فقد عمي عنه تمامًا، وأخفاه عن قارئه، مع أنه جزء من القضية والحكم والتنفيذ، وتلك جريمة منهجية أخرى أبشع وأفظع؛ فقد كان بين أصابعه، وملء عينيه اللتين في رأسه، قول أهل سمرقند، المحكوم لهم ونصيحة ذوي الرأي منهم، فقد حكاه الطبري عنهم، فقال:"فقال أهل السغد (أي بعد الحكم) : بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربًا، وتراضَوا بذلك."

فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم، وأقمنا معهم، وأمنونا وأمنَّاهم فإن حُكم لنا عدنا إلى الحرب، ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوةً في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا" (60) ."

ويلوح لي - وهو صحيح إن شاء الله - أن أهل الرأي الذي حكى الطبري كلامهم هذا لم يكونوا مؤيدين للشكوى إلى الخليفة - ولرفع الدعوى؛ إذ كانوا يرون أن ما هم فيه أفضل وأولى، . . وقد خالطنا هؤلاء القوم وأمناهم، فهم مع المسلمين في أمن ونعمة وعافية، ويخشون أن يجددوا العداوة مع المسلمين لو حكم لهم القاضي، فلو كان هؤلاء، في ذل الاحتلال ومهانة السيطرة، وفي ضيق الظلم، والعدوان والنهب، لكانت الحرب هي الملجأ والمخلص مما يعانون أيا كانت نتيجتها، لكن أن يرتاح (أهل الرأي) من أهل سمرقند إلى المسلمين الفاتحين، ويروْن أنه لا داعي لشكواهم، ولو ضمنوا الحكم لهم، (لأنهم خالطوهم فعرفوهم وأمنوهم) فهذا شيء لا يعجب المستشرق الباحث (المتجرد) ربيب (الأكاديميات) وسليل (الجامعات) ، ولأنه لا يعجبه، فيجب أن يبتره من النص حتى لا ينقض عليه كتابه ويهدم الأساس الذي قام عليه، وهو تبشيع أمر الفتوح الإسلامية، وإثبات أنها ما كانت إلا للنهب وقطع الطريق، وليس هذا من (فلوتن) بغريب، ولا عجيب، فالرجل يكتب لبني قومه، كما قلنا، لغرض ولهدف محدد، فلا تثريب عليه.

ولكن العجب كل العجب من بني قومنا الذين يسمون هذا الكلام (بحثًا) ويسمونه (علمًا) .

كنا قد ناقشنا آنفًا زعم (فلوتن) "أن قتيبة استولى على سمرقند وطرد أهلها، واحتل جنوده منازلها، رغم التزامهم بالمعاهدة المبرمة مع القائد السابق سعيد بن عثمان بن عفان"وأكدنا أن الغدر كان من أهل سمرقند، إذ غدروا بقائدهم (طرخون) الذي عقد الصلح مع المسلمين، ونقضوا المعاهدة وأعلنوا عدم التزامهم بها، مما دعا المسلمين أن يوجهوا إليها جيشًا بقيادة قتيبة لإعادة فتحها، فلم يكن الغدر من قتيبة، وإنما كان من أهل سمرقند.

ثم ذكرنا شكوى أهل سمرقند إلى عمر بن عبد العزيز، وأنهم شكَوْا إليه أن قتيبة غدر بهم، ورأينا أن القاضي حكم لهم.

فهل يعني ذلك صدق كلام (فلوتن) من غدر قتيبة، إذ قد حكم القاضي لهم، بأن قتيبة غدر بهم؟؟

إن (الغدر) الذي ادعاه (فلوتن) ونفيناه أشد النفي، وأقمنا الدليل على كذب ادعائه، غير (الغدر) الذي حكم به القاضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت