فهرس الكتاب

الصفحة 2584 من 3028

وإذا لم يكن هذا كله كافيًا، فسنضع بين يديك مثالًا آخر، من كلام (فلوتن) أيضًا: جاء في صفحة 68 قوله:"وفي عهد عمر الثاني (عمر بن العزيز) الذي آلت إليه الخلافة في دمشق، شكا أهل سمرقند ظلامتهم للخليفة الجديد، وما نزل بهم من خراب وتدمير على يد قتيبة، فأمر عمر بتعيين قاضٍ خاص للنظر في هذه المسألة، وجاء قراره من الخبث، ما يبدو واضحا لأي قارئ متجرد، حيث قضى بأن يتحارب الفريقان - العرب وأهل سمرقند - وراء أسوار المدينة وأن يؤخذ هؤلاء بالقوة قبل عقد معاهدة جديدة معهم."

فإذا ما انتصرت العرب، وهو ما كان محتملًا (حيث فقد أهل سمرقند خاصية الدفاع من مدينتهم داخل أسوارها) عادوا مرة أخرى إلى فتحها عنوة وانطبقت عليها شروط الاحتلال العسكري إلا إذا امتثلوا لتلك التي فرضها العرب عليهم. أي أن قرار القاضي لم يغير شيئًا في وضع المدينة"أ.هـ. (57) "

هذا هو نص كلام (فان فلوتن) ، وقد أسنده للطبري جزء 2 ص 1364، وإلى البلاذري: 420-422.

وقبل أن نناقش هذه الفقرة نشير إلى ملاحظة قد يبدو أمرها هيّنًا، ولكنها لا شك ذاتُ وزن وقيمة، عند من يلتزم (بالمنهج) ويرعى حرمته، ذلك أننا لم نجد أثرا لهذا الكلام عند البلاذري، لا في الموضع الذي حدده ولا قبله، ولا بعده، ولا في كل ما ذكره عن فتح (سمرقند) .

ثم ننظر في عبارة (فلوتن) بكل تجرد - على تعبيره - فنجده يقول فيها ما يأتي:

(1) إن أهل (سمرقند) شكوا إلى عمر بن عبد العزيز، ما أصابهم من خراب وتدمير وظلم على يد (قتيبة) .

(2) إن الخليفة قبل الدعوى، وعين لهم قاضيًا ينظر في وقائعها.

(3) إن القاضي رأى أنهم محقون.

(4) إن حكم القاضي كان خبيثًا مبينًا واضحًا لكل من يقرؤه بتجرد.

(5) إن خبث الحكم جاء من أن القاضي حكم بأن يتحارب الفريقان - العرب وأهل سمرقند - خارج أسوار المدينة، فإما انتصر العرب، فدخلوها عنوة، وإما استسلم أهل (سمرقند) فدخلها العرب صلحًا.

(6) إن خبث هذا الحكم ظهر في فرضه على أهل سمرقند أن يخرجوا خارج أسوار المدينة"ففقدوا خاصية الدفاع عن مدينتهم داخل أسوارها".

(7) إن قرار القاضي لم يغير من الواقع شيئًا.

هذه الأحكام كلها جاءت في هذه العبارة الموجزة من كلام (فلوتن) ، وقال إنه استقاها من الطبري.

فماذا عند الطبري؟؟

سنضع أمامك نصّ الطبري كاملًا، لنرى هل يمكن أن نفهم منه هذه الأحكام، جاء في الطبري ما نصه:"قال أهل (سمرقند) لسليمان (واليهم) : إن قتيبة غدر بنا، وظلمنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فائذن لنا، فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين، يشكون ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم، فوجهوا منهم قومًا، فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان بن أبي السري (أي والي سمرقند) : إن أهل سمرقند قد شكَوْا إليّ ظلمًا أصابهم، وتحاملًا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي، فاجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم، فأخرجهم إلى معسكرهم، كما كانوا ، وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة."

فأجلس لهم سليمان جُميعَ بن حاضر القاضي الناجي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم، وينابذوهم، على سواء، فيكون صلحًا جديدًا، أو ظفرًا عنْوة.

فقال أهل السغد: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربًا، وتَراضَوا بذلك، فقال أهل الرأي (أي منهم) : قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمنونا وأمناهم، فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب، ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا، ولم ينازعوا"أ.هـ. بنص حروفه."

وحين نقف أمام هذا النص (متجردين) - كما ينصحنا فلوتن - فهل نجد فيه أن القاضي حكم بإخراج أهل سمرقند خارج أسوار مدينتهم، وأفقدهم بذلك خاصية الدفاع عنها، داخل أسوارها؟ إن نص الطبري أمامنا واضح تمام الوضوح، وقد جاء ذكر هذا الأمر في عبارتين هما:

(الأولى) - ما جاء في رسالة الخليفة عمر بن عبد العزيز:". . فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة."

(الثانية) - ما جاء في منطوق حكم القاضي:". . أن يخرج عرب سمرقند، وبنابذوهم على سواء. . .".

فأين في هذا الكلام إخراج أهل سمرقند خارج أسوار مدينتهم؟؟

إن العبارة الأولى، عبارة الخليفة عمر بن عبد العزيز ، تأمر إن قُضي لهم، أن يخرج القوات الإسلامية من المدينة، لا أن يخرج أهل سمرقند، ولقد قطع الخليفة رضي الله عنه أي احتمال للخطأ في الفهم، ففسر المقصودين بالإخراج بقوله:"كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة". أي عودة الوضع إلى ما كان عليه"قبل أن يظهر ليهم قتيبة!!"وهل كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة خارج أسوار مدينتهم؟؟ إن عبارة الخليفة هذه لم تدع مجالًا لوهم من يتوهم أن الضمير في قوله:"فأخرجهم: يعود على أهل (سمرقند) عملًا بالقاعدة التي تقول:"إن الضمير يعود على أقرب مذكور"وهم هنا الشاكون: أهل سمرقند، ثم إن العرب لم يرد لهم ذكر في اللفظ حتى يعود عليهم الضمير.. قطعت العبارة الأخيرة"كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة"، هذا الوهم، مع أن المقام عند من يلحظ السياق ليس في حاجة إليها، ذلك أن الشكوى كانت من (دخول المسلمين) : (جيش قتيبة) فكان قوله:"فإن قضى القاضي للشاكين فأخرجهم"كافيًا في بيان أن المراد بالضمير هم المسلمون، فهو بمثابة، قوله:"شكَوا إليّ فإن حكم لهم القاضي فأزل شكواهم، أي سبب شكواهم"وسبب شكواهم، هو دخول جيش المسلمين مدينتهم، وإزالة السبب يعني إخراجهم."

كان هذا وحده كافيا، لأن يفهم القارئ (المتجرد) مَن المقصود بالإخراج، ولكن جاءت العبارة الأخيرة في رسالة الخليفة"كما كانوا وكنتم، قبل أن يظهر عليهم قتيبة"، لتقطع أي وهم، مع أن ما قبلها كان كافيًا للفهم السليم، فجاءت بمنزلة التأكيد.

وأما العبارة الثانية، وهي:". . . فقضى (القاضي) أن يخرج عرب سمرقند، إلى معسكرهم، وينابذوهم على سواء"فهي أيضا في غاية الوضوح عند القارئ المتجرد، وليس فيها أي لبس أو احتمال، فقد وضع القاضي الاسم الظاهر، مكان الضمير"يخرج العرب"ثم أيضًا أكد المعنى بقوله:"وينابذوهم على سواء"أي لا يبدءوهم بحرب إلا بعد أن يعالنوهم بها ويعلموهم.

فمن أين أتى القارئ (المتجرد) فلوتن بأن حكم القاضي جاء بإخراج أهل سمرقند من مدينتهم، وبالتالي أفقدهم خاصية الدفاع عنها داخل أسوارها"؟ من أين أتى بهذا الفهم المتعسف العجيب؟ إن الأمر هنا ليس أمر خطأ، أو وهم، فالعبارة واضحة للقارئ (المتجرد) كما رأينا وإنما هو التعسف، وليّ أعناق النص، ليصل إلى النتيجة التي رتبها عل هذا الفهم وهي الحكم بخبث القاضي وسوء نيته، حيث لم يستطع إنكار صدق أهل سمرقند، في دعواهم، فتظاهر بالإنصاف وأنه حكم لهم، ولكن جاء حكمه لا قيمة له حيث"لم يغير شيئًا في وضع المدينة". ."

هذا هو السر في لي عنق النص، والتعسف في تفسيره.

إن الرجل راعه - وهو المتحامل على الفتوحات العربية أبشع التحامل - أن يرى هذه الصفحة الناصعة، وأعشى ضوءها بصره، فراح يتلمس في ظلام الحقد وسيلة يطمس بها هذه الروعة، فلم يجد إلا هذا التزييف والتحريف، لكي يفرج به عما يعانيه من مكنون حقده، فيرمي قاضينا العظيم (بالخبث) قائلًا:"فجاء قراره من الخبث، ما يبدو واضحًا لأي قارئ متجرد"!! فأين الطهارة إذًا؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت