وذهب ( كارل هينريش بيكر) إلى أنه بينما تخضع الروح الإسلامية للطبيعة الخارجية فتفنى الذوات الفردية في كل لا تمييز فيه، فلا تتصور الأفكار إلا على الإجماع نجد أن الروح اليونانية تمتاز بالفردية واحترام الذاتية، وهما محل النظر الفلسفي. ولهذا فقد كان اليونان أقدر على التفلسف من المسلمين (128) .
وقد تابع ( جوتييه) وغيره ( رنان ) في دعواه العنصرية . وقال ( جوتييه ) :
( هذه هي عقلية الدين الإسلامي وروحه في حقيقتها ودقائقها وما ظهر منها وما بطن ؟ هو دين سام بحت: مفرق وموحد بأضيق المعاني، وغير عقلي ، ولا يتفق والتفكير الحر، وقليل الميل إلى التصوف ولو في عهده الأول على الأقل ومن ثم في روحه الحقة ) (129) .
وزعم رينان أن الإسلام دين لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها. ويذهب ( تنمان) أيضًا إلى أن كتاب المسلمين المقدس يعوق النظر العقلي الحر (130) .
ولا يعنينا هنا أن نناقش النظرية العنصرية التي تقسم الشعوب إلى ساميين وآريين، فقد كادت تتلاشى لعدم استنادها على أساس علمي سليم (131) ، وإن كانت قد تركت آثارها في العقلية الأوروبية، ولكن الذي يهمنا هنا هو ما رأيناه من إقحام الإسلام في تلك المزاعم، ووصفه بأنه دين يعوق النظر العقلي ولا يتفق والتفكير الحر، وأنه يقف عقبة في سبيل العلم والفلسفة والبحث الحر، فالأمر ليس تجريد العقلية العربية من الأصالة والابتكار فحسب، وإنما هو تفريغ الإسلام من كل قيمة إيجابية، وجعله أداة جامدة تقف في سبيل التقدم الإنساني، وتعويق سيره في هذه الحياة. ولست أدري كيف يستبيح المستشرقون لأنفسهم إطلاق هذه المزاعم، والعالم كله لم يعرف دينًا من الأديان يعلي من شأن العقل مثل الإسلام، والقرآن الكريم شاهد على ذلك ؟
فقد كرم الله الإنسان وفضله على كثير من خلقه . ولم يبلغ الإنسان كل هذا التكريم الذي سما به فوق كل الكائنات إلا بالعقل الذي اختصه الله به وميزه به على سائر خلقه. وقد نوه الإسلام بالعقل والتعويل عليه في أمور العقيدة والمسؤولية والتكليف، ولا تأتي الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم إلاّ في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه (132) . وإذا كانت وظيفة العقل على هذا النحو، فإن محاولة تعطيله عن أداء هذه الوظيفة يعد تعطيلًا للحكمة التي أرادها الله من خلق العقل، مثلما يعطل الإنسان حاسة من الحواس التي أنعم الله بها على الإنسان عن أداء وظيفتها التي خلقت من أجلها. وهؤلاء يصفهم القرآن بأنهم أحط درجة من الحيوان حيث يقول: (.. لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل .. ) (الأعراف: 179) .
ومن هذا المنطلق يعتبر الإسلام عدم استخدام العقل خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب . يقول القرآن حكاية عن الكفار يوم القيامة:
(وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم) (الملك: 10 ،11) .
ولهذا كانت دعوة القرآن الكريم للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل، وسيحاسب الإنسان على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها، مثلما يسأل عن استخدامه لباقي وسائل الإدراك الحسية.
وفي ذلك يقول القرآن الكريم:
(.. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا ) ( الإسراء:66) .
وقد حطم الإسلام العوائق التي تقف في سبيل تأدية العقل لوظيفته ، فرفض الإسلام التبعية الفكرية والتقليد الأعمى، وعاب على المشركين تقليدهم الأعمى لأعرافهم وتقاليدهم متجاهلين في ذلك حكم العقل، كما حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذا التقليد الأعمى الذي لا يليق بكرامة الإنسان فقال: ( لا تكونوا إمَّعة ) [ رواه الترمذي ] .
كما قضى الإسلام على الدجل والشعوذة، والاعتقاد في الخرافات والأوهام، وأبطل الكهانة ، وركز على المسؤولية الفردية، وجعل الأمن على العقل من بين المقاصد الضرورية الأساسية التي قصدت إليها الشريعة الإسلامية لقيام مصالح الدين والدنيا، وهذه المقاصد هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وحرر الإسلام الفرد المؤمن بعقيدة التوحيد من الخوف المهين من السلطة الدنيوية، ورفعه إلى مقام العزة .
وهكذا كفل الإسلام للعقل المناخ الحقيقي الذي يستطيع فيه أن يفكر ويتأمل ويعي ويفهم. وبهذا تم للإنسان استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر. وقد كان لهذا الموقف الأساسي للإسلام من العقل أثرة العظيم في صياغة الحضارة الإسلامية والعقلية والإسلامية .
فقد وعى الإنسان المسلم أن الله قد خلق له هذا الكون بما فيه ليمارس فيه نشاطاته المادية والروحية على السواء ويشير القرآن الكريم إلى ذلك في آيات عديدة منها قوله تعالى: ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ( الجاثية: 13) .
فهل هناك دعوة إلى البحث والنظر والتفكير والتأمل أصرح من ذلك ؟
إن التفكير الذي تنص عليه هذه الآية أمر جوهري مقصود. فإذا كان الله قد سخر للإنسان هذا الكون بما فيه فلا يجوز له أن يقف منه موقف اللامبالاة ، بل ينبغي عليه أن يتخذ لنفسه منه موقفًا إيجابيًا ، وإيجابيته تتمثل في درسه والنظر فيه للاستفادة منه بما يعود على البشرية بالخير . والاستفادة من كل هذه المسخرات في هذا الكون لا تكون إلاّ بالعلم والدراسة والفهم. والنظر في ملكوت السموات والأرض على هذا النحو سيؤدي إلى الرقي المادي، وفي الوقت نفسه إلى الرقي الروحي.. يقول القرآن الكريم: (.. سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .. ) ( فصلت: 53) .
وبعد هذا التوضيح نقول لمن يمارون في ذلك كله ويشككون فيه ، ما قاله القرآن الكريم: ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قُلُوبٍ أقفالُها ) ( محمد: 24) .
من خلال هذا العرض السابق لبعض الأمثلة من آراء المستشرقين ( العلمية ) عن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وتعاليمه ، ومن واقع ما لهم من آراء أخرى تسير في الاتجاه نفسه ، نستطيع أن نستخلص الأمور التالية:
(1) الاستشراق ـ من بين شتى العلوم الأخرى ـ لم يطور كثيرًا في أساليبه ومناهجه. وفي دراسته للإسلام لم يستطع أن أن يحرر نفسه تمامًا من الخلفية الدينية للجدل اللاهوتي العقيم الذي انبثق منه الاستشراق أساسًا. ولم يتغير شيء من هذا الوضع حتى اليوم باستثناء بعض الشواذ. ( ومن الواضح في هذا الصدد أن صورة العصور الوسطى للإسلام قد ظلت في جوهرها دون تغيير، وإنما نضت عنها الثياب القديمة لأجل أن تضع ثيابًا أقرب إلى العصر. وتتعدد علائم الإصرار على الأفكار العتيقة سواء فيما يتعلق بالقرآن أو ما يتعلق منطقيًا بالعقيدة والشريعة والتاريخ في الإسلام ) (133) .