3 يبدو أن طالبان عندها قناعة بأن أمريكا إذا عجزت عن مواجهة الوضع الحالي، ولم يستطع كرزاي أن يلبي طلباتها؛ فربما يبحثون عن بديل له؛ والبديل من الممكن أن يكون أحد قادة الجهاد السابقين ممن يملك ثقة به في الشارع أكثر من كرزاي وله ناس وتنظيم، وكرزاي ليس له أحد وليس له تنظيم، ويبدو أن الطالبان ما زالوا يحاولون إقامة تنسيق مع أي جهة لمساعدتهم، بشرط أن لا تفرض عليهم شروطًا بل تكون هذه المساعدة لردع أمريكا وحلفائها، ولكن رسميًا لا أظن أحدًا استقبلهم أو اتصل بهم إلى الآن؛ إذ الجميع يخاف الاتصال بطالبان، والأخضر الإبراهيمي مندوب الأمين العام للأمم المتحدة لدى أفغانستان سابقًا، ذكر مؤخرًا أن الخطأ الأكبر الذي يؤسفه له أنه عندما كان يشكل حكومة كرزاي، لم يلح على أن تشارك طالبان في الحكومة؛ لأن اشتراكها كان سينشئ فُرقة بين قياداتها. كما أن إيران وروسيا لا زالتا أكبر المعارضين لمشاركة طالبان في الحكم أو العودة للسلطة. أما الصين فهي لا تنظر إلا لمصالحها، وهي تنظر لطالبان نظرة إيجابية إذا لم تثر قلاقل عليها، وبخاصة في تركستان الشرقية؛ فالصين مستعدة أن يكون هناك تعامل مع طالبان، وبعض الأسلحة التي تأتي الآن، تأتي من جهة الصين ولكن بطريقة غير مباشرة وعن طريق السوق السوداء، وباكستان الآن متمثلة في مشرف ومن حوله لا تريد وجودًا لطالبان، لكن استخباراتهم تريد طالبان؛ لأن بقاءهم مرهون بوجود طالبان، وتلتقي مصالحهم مع بقاء طالبان، لكن الظاهر أن الاتصال المباشر غير موجود وأن دعمهم غير موجود، غير أن الرضى عنهم موجود. وبالنسبة للسلاح الذي تقاتل به طالبان أغلبه قديم، وحتى سلاح إسقاط الطائرات فهو سلاح روسي، والروس الآن يتحالفون مع تحالف الشمال، فيرسلون إليهم السلاح، وإيران ترسل السلاح للروافض وتخزنه عندهم. والعجيب أن طالبان تشتري من التحالف الشمالي، ومن الروافض، ومن الجيش الأفغاني، وسلاحهم أغلبه سلاح روسي، إضافة إلى بعض السلاح المورد عن طريق السوق السوداء من جهات أخرى.
البيان: بالنسبة لتحول القيادة العسكرية من الولايات المتحدة إلى الناتو ما أثر ذلك على الوضع في أفغانستان؟
3 هناك سوء تفاهم بين أمريكا وقوات الناتو، وأمريكا تريد تسليم بعض الأماكن للناتو؛ لأنها تريد التخفيف عن نفسها، وكل هؤلاء كانوا في كابل، وأمريكا كانت تُطالَبُ بأن تقوم القوات الأمريكية بالمحافظة على الولايات الأخرى، فما استطاعت تحمُّل كل العبء الذي عليها، فطلبت من حلف الناتو أن يشارك معها خارج كابل؛ لأن كابل شبه آمنة، لكن الأماكن خارج كابل مثل: قندهار، جلال آباد، وهلمند، وزابل وغيرها؛ ما استطاعت أمريكا حمايتها ولم تجد طريقًا آخر إلا أن تحمِّل الناتو هذه المسؤولية، وهؤلاء طلبوا أن يشاركوا في القيادة وقالوا: إن أمريكا تتحكم فينا وتأمرنا، وعلى هذا لا نستطيع التعامل معها، فيجب أن تكون القيادة بأيدينا. وأمريكا وافقت، ولما خرجت، كان لهؤلاء عملياتهم ولهؤلاء عملياتهم، ولم يعد لهم هناك تأثير كبير؛ فأمريكا رغم أنها سلَّمتهم القيادة فإنها لم تعطهم الثقة، ولا المعلومات التي عندها، ولا تخبرهم بمخططاتها؛ ولهذا فإن الأوروبيين في الناتو ناقمون على أمريكا. وقد حدثني بعض المجاهدين الذين عولجوا في المستشفى الألماني بكابل على أنهم مواطنون، بأن أفرادًا في حلف الناتو شجعوهم على قتال الأمريكان، لما عرفوا أنهم من طالبان وأعطوهم هدايا؛ فالكل ناقم على أمريكا في أفغانستان حتى الأوروبيون شركاؤهم.
البيان: أين وصلت الأهداف الاستراتيجية الأمريكية للاستيلاء على البترول في بحر قزوين والتي كانت من أسباب غزو أفغانستان؟
3 لقد فشلوا في ذلك؛ لأن البترول في بحر قزوين لا يستأهل كل هذه النفقات التي تُنفق عليه؛ لكن هناك أهمية استراتيجية أخرى للبقاء في أفغانستان. فلا شك أن الأمريكان ما زالوا يريدون البقاء على الحدود الصينية من أجل مراقبة أجوائهم وتحركاتهم، وأيضًا قربهم من الهند ووجودهم هناك مطلوب لتحالفاتهم معهم، وأفغانستان مهمة أيضًا لمراقبة إيران من الشرق، إضافة إلى وجود أمريكا غرب إيران في العراق الذي أصبح الوجود فيه أكبر من الوجود في أفغانستان.
ولهذا فالظاهر أن موضوع الانسحاب ليس واردًا الآن، ومع هذا فالخوف يلاحقهم والعمليات كثُرت عليهم؛ فقضية الانسحاب بالنسبة لهم أقرب إلى الموت، والقوات الأمريكية أيضًا إن خرجت اليوم فحكومة كرزاي لن تبقى شهرًا واحدًا؛ فأول دفعة تخرجت في الجيش الأفغاني وهي عبارة عن 8000 جندي، هربوا بعد أن تسلموا السلاح وتقاضوا رواتب لمدة ثلاثة أشهر، 5000 جندي هربوا بسلاحهم والآن أرسلوا للباقين سلاحًا وسيارات، لاستقبال هجوم الربيع، أرسلوا 800 سيارة عسكرية وعددًا كبيرًا من قطع السلاح، لكن هذه كلها إما ستُباع وإما ستُسرق؛ فليس هناك جيش يدافع أو يغطي على الحكومة إلا أمريكا وحلفاؤها.
البيان: من وجهة نظرك: كيف ترى توقع طالبان لزمن خروج القوات الأجنبية من أفغانستان؟
3 الظاهر أن قادة طالبان ليس عندهم توقع، وهم لا يريدون أن يتعجلوا الأمور، فهم يريدون مواصلة العمل واستنزاف العدو، وفيما يبدو الآن لا يريدون أن يقاتلوا قوات عدوهم وجهًا لوجه في معركة فاصلة؛ لأنهم سيخسرون أكثر، وعدوهم سيستفيد أكثر في المواجهة النظامية؛ فعملياتهم الآن فقط هي ما يسمى بحرب العصابات: تفجيرات وهجمات وكمائن؛ إضافة إلى العمليات الاستشهادية التي لم تكن موجودة في أفغانستان من قبل، ولكنها انتشرت بعد إنجازاتها في العراق؛ فالتدريب كثر الآن على العمليات الاستشهادية؛ فالفرد الواحد يدمر عددًا كبيرًا من معدات العدو ويقتل من جنوده، ولكن فيما نرى أن تفجيرات طالبان لا تكون في الأماكن السكنية ولا في الأسواق كما هو حاصل في العراق؛ بل كلها موجهة للعدو.
والظاهر أن عمليات الاستنزاف العسكري التي تقوم بها طالبان هي أيضًا عبارة عن استنزاف اقتصادي واستنزاف نفسي، وهذا يضر بالقوات الأمريكية وحلفائها الغزاة أكثر مما يحدث في الحرب وجهًا لوجه في حرب نظامية قد يستفيدون منها أكثر؛ والذي يبدو أن طالبان غير مستعجلة لخروج أمريكا، ولكنها تريد استنزاف القوات الغازية.
البيان: ماذا عن هجوم الربيع لطالبان، وهل الأمريكان فيما ترى يريدون من طالبان أن تستعجل وتقوم بهجوم كبير ينقلهم إلى مواجهة نظامية؟
3 نعم! هم يريدون هذا الشيء؛ فهم يريدون أن تكون هناك حرب مواجهة وحرب جبهة ليعرفوا أماكن قوات طالبان، كما حدث في (زابل) حيث كان لقوات طالبان مراكز يتنقلون بينها، ولكن الآن تخلّوا عن هذه الفكرة، وهم يعيشون الآن بين الناس يشاركونهم في الأحياء، والمعلومات التي عندنا أن أعدادهم في أي عملية تتراوح بين خمسة إلى عشرة أفراد، وفي المبيت لا يزيد عددهم عن عشرين فردًا، فلا يجتمع 200 فرد أو 100 فرد أبدًا، ولا يبيتون ليلتين في بيت واحد؛ والأمريكان لا يريدون هذا وإنما يريدون حرب المواجهة، وطالبان كما يلاحظ مدركون لهذا الأمر جيدًا؛ ومن ثَم لن يُجَرُّوا لذلك؛ فخطتهم الآن ناجحة ومؤثرة، وهم يمشون على ما يريدون لا ما يريده الأمريكان وحلفاؤهم.
الأربعاء 20 شعبان 1427 هـ - 13 سبتمبر 2006 م
عامر حسين