فهرس الكتاب

الصفحة 2143 من 3028

مفكرة الإسلام: أصبح معروفًا بين قطاع واسع من المثقفين والعرب والغربيين، أن إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن استغلت هجمات 11 سبتمبر 2001 , لإطلاق الحرب العالمية الثالثة , التي أسمتها هي 'الحرب العالمية ضد الإرهاب' , ولم يأت ذلك بطريقة عابرة , بل جاء نتيجة قرار مسبق وتخطيط مدروس جري علي مدي سنوات سابقة , بما يشير إلي أن هجمات سبتمبر لم تكن إلا استغلالا جيدا لظرف معين لتنفيذ مخطط مسبق وجاهز. وبالتالي فإن واشنطن أشعلت الحرب وهي تدرك هدفها وتعد وسائلها , وتتطلع إلي نتائجها .

وكانت نقطة البدء في تنفيذ هذا المخطط الأمريكي، بعد إقناع العالم بشرعية الرد الأمريكي على من دمروا رمز الحضارة وقتلوا المدنيين وعرضوا أمن بلادهم للخطر، هو ترويج مقولة أن الشرق الأوسط هو معمل تفريخ الإرهاب في العالم، وأن العراق هو البلد الأكثر إثارة للقلق والمشاكل، وبالتالي فإنه للتخلص من ذلك كله لا بد من إعادة صياغة لدول المنطقة العربية كلها واستبدال الأنظمة القائمة بأنظمة ديمقراطية، والبدء بإقامة نظام ديمقراطي في العراق مؤيد للغرب، يمكنه أن يحدث موجة من عمليات التحول الديمقراطي من شأنها أن تغير أو تزعزع الأنظمة الاستبدادية القائمة، بدون الحاجة إلى جلب مزيد من القوات الأميركية إلى المنطقة، هذه المقولة هي مقدمة خاطئة وقادت بالتالي إلى نتائج خاطئة.

ونحن في هذه السطور نحاول رصد جملة من الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية، سواء منها ما يتعلق بالفلسفة والتصور والمنهج، أو ما يتعلق التصرف والسلوك والعلاقة مع الدول والبشر.

وأول هذه الأخطاء هو إرسال القوات الأمريكية لاحتلال بلدانًا عربية وإسلامية، وإسقاط نظمها السياسية وإعادة بناء نظم سياسية أخرى موالية لأمريكا، وقد كان ذلك خطأ كبيرًا، لأن ذلك لم يؤد إلى القضاء على تنظيم القاعدة والقضاء على قادته، فالقاعدة ليست منظمة محددة بأرض أو بلد ولا تعتمد على دعم دولة، بل هو تنظيم منتشر في أنحاء العالم.

والخطأ الثاني أن الحرب العشوائية التي بدأتها الولايات المتحدة، زادت من التوترات في الشرق الأوسط، وعززت مواقع الاتجاهات الدينية والقومية، ودفعت بإيران لكي تكون الدولة الرئيسية في المنطقة، بعد القضاء على أعدائها [صدام حسين وطالبان] ، والإتيان بحلفائها الشيعة ليحكموا العراق، وليكونوا مع إيران الهلال الشيعي، المسلح نوويًا، والذي ربما تعارضت مصالحه مع الأمريكان في يوم من الأيام، وبالتالي يكون الأمريكان قد صنعوا عدوهم وساعدوه بأيديهم.

والخطأ الثالث أن عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي فشلت فشلا ذريعًا، لأنها لا يبنيها نظام سياسي مصنوع من الخارج، وإنما يبنيها مجتمع يتطور ذاتيًا حسب ثقافته وتقاليده. ولكي تنجح الديمقراطية في العالم العربي فإنها يجب ألا تكون عبر بناء نظم سياسية هشة تابعة لأمريكا، وإنما يجب أن تكون متجذرة في العنصرين اللذين يمكن أن يمنحا الشرعية السياسية للعملية كلها وهما: الإسلام والقومية. كما أن الإدارة الأمريكية استمعت إلى نصائح الحكام العرب من أن الديمقراطية معناها صعود الإسلاميين إلى الحكم في معظم أنحاء العالم العربي.

بل إن من عجائب السياسة الأمريكية في حربها على الإرهاب أنها تقف في وجه القوى السياسية الحقيقية في العالم العربي، بل وتشن حربًا شرسة ضد حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيًا، وفي نفس الوقت تدعم الاستبداد والمستبدين.

حينما غاص بوش في وحل العراق

والخطأ الرابع أن العراق نفسه لم يتم تحويله إلى الديمقراطية، فالدستور تمت صياغته بأيدي الأمريكان، وتم فرضه على العراقيين، في استفتاء مشكوك فيه. كما أن العملية السياسية الدائرة فيه هي مجرد تمثيليات ومخططات لتقسيم العراق ونهب ثرواته، أدت إلى حرب أهلية أكلت وتأكل الأخضر واليابس في هذا البلد الغني. وفوق ذلك لم تحقق هذه السياسات للمواطن العراقي أي شيء على صعيد ضمان الأمن، والخدمات وأبسطها المياه والكهرباء، وإنما أصبح المواطن العراقي أتعس إنسان في العالم. والعجيب أن القوم يتبجحون ويقولون إن العراق أصبح مثالًا يحتذى.

ومن الأخطاء الفرعية في الملف العراقي، أن الإدارة الأمريكية لم تمتلك إستراتيجية واضحة للتعامل مع كل الأطياف العراقية بعد سقوط نظام صدام، وانحازت لأصدقائها السابقين من الشيعة والأكراد، مما دفع بقطاعات واسعة من السنة لحمل السلاح ضد الوجود الأمريكي، وللتعبير عما أصابهم من ظلم وتهميش.

ومن الأحلام التي كانت مسيطرة على عقول جنرالات الحرب الأمريكيين، الاعتقاد بأنه ما أن يسقط نظام صدام حتى يتحول العراق في فترة قصيرة إلى الديمقراطية، ويتم حل كل مشاكل بلاد الرافدين المعقدة. وقد علم الجميع بعد ذلك مدى سذاجة هذا التفكير الذي قاد إلى تدمير العراق وتفكيكه.

وقد ارتكب الأمريكان خطيئة حرمان العراق من قياداته عندما أبعدوا معظم المسئولين البعثتين، وركزوا على الانتخابات وكتابة الدستور، ولم يوفروا خبرات قوية للوزارات الأساسية مثل الدفاع والداخلية، كما اعتمدوا على خبرات ضعيفة تنظيمًا على مستوى المحافظات.

استفزاز العنف الإسلامي

أما الخطأ الخامس فقد كان من النتائج المباشرة لهذه الحرب، وهو اتجاه طلاب وشبان مسلمين يعيشون في الغرب نفسه نحو التطرف . فقد أجريت دراسة علي طلاب وشبان مسلمين في الجامعات السويدية وبعض الجامعات الأوروبية , وأشرف عليها ماجنوس رانستورب الأستاذ في كلية الدفاع السويدية، وخلصت الدراسة إلى أن الطلاب المسلمين المقيمين في أوروبا يتجهون إلى التطرف كرد فعل على الاستهداف الأمريكي الغربي للبلاد العربية والإسلامية.

لكن عيب هذه الدراسة هو عزل العينة التي أجريت عليها الدراسة عن المؤثرات الأكثر أهمية عليها , مثل تعرض شعوب عربية وإسلامية لظلم شديد يثير غضبا قد يشتد ويصل إلي مستوي الاندفاع صوب الانتقام ممن يحملهم الغاضبون المسئولية عن هذا الظلم وتجلياته اليومية في فلسطين والعراق وأفغانستان...الخ .

إلا أن الدراسة تشير إلى نقطة هامة وهي أن السياسات الأمريكية التي تدعي تخليص العالم من التطرف الإسلامي، سوف تكون هي السبب الرئيسي الذي يدفع قطاعات متزايدة من الشباب المسلم لممارسة العنف ضد المصالح والأهداف الغربية، كرد فعل مباشر للتطرف الأمريكي ضد العرب والمسلمين.

وهناك الآن قطاع متزايد من المثقفين الأمريكيين يعتقدون أن التفكير والمنهج والفلسفة التي قاد بها المحافظون الجدد حربهم ضد ما يسمي بـ'الإرهاب' كان خطأ كبيرًا جعل تلك المأساة بداية لمآسي أخري لا نهاية تلوح في الأفق لها بدلًا من أن تكون بداية لمرحلة جديدة من النظر في لب المشكلة والبحث عن حلول لها. فأصل المشكلة نتج عن التدخل الأمريكي المباشر في شؤون الدول الإسلامية، وهو أمر لا يعالج بمزيد من التدخل السافر في عدوانيته وتبجحه.

ولقد كان استمرار العدوان الأميركي على العرب والمسلمين وزيادة حدة العمليات العسكرية والجرائم الإنسانية والأخلاقية التي ارتكبت بحقهم في العراق وفلسطين ولبنان سببا في تصاعد موجة العداء لأميركا، سياسة وثقافة ومصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت