فإنه إنما يردد من حيث لا يشعر حجة لجأ إليها الكفار في إنكارهم للرسالة المحمدية: {وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءْيًا} [مريم: 73 - 74] .
وكاتبنا هذا وأمثاله يرون في تفوّق الغرب المادي وتعميره الأرض دليلًا على تفوّق معتقداته وقيمه وأفكاره.
بماذا ينصحنا الكاتب إذًا؟ أن لا نكتفي بشراء بضائعهم بل نشتري معها شرْكهم وإلحادهم وتدهور خُلقهم وظلمهم للشعوب واحتلالهم لها وفرض ثقافتهم وقيمهم الفاسدة عليها؟! إنه مما لا ريب فيه أن التقدّم المادي الذي نشاهده في الغرب بُني على حقائق من العلوم الطبيعية، وأننا قصرنا في هذا الجانب تقصيرًا كبيرًا كان سببًا في إذلالنا، لكننا نعلم أنه تقصير مهما كانت أسبابه فلا علاقة له بديننا الذي كنا بسببه أئمة العالم في مجال هذه العلوم، وأنه ليس منا الآن من يرفض الحقائق الرياضية أو التجريبية، لكننا نعلم أنه ليس في معرفة هذه العلوم والاستفادة منها في المنجزات المادية ما ينهض وحده دليلًا على صحة معتقدات العالمين بها، أو حسن خُلقهم، أو صواب فكرهم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. لو كان هذا صحيحًا لكانت عقائد بناة الأهرامات صحيحة، ولكانت الكنفوشية والشيوعية التي تدين بها الصين صحيحة، ولكانت البوذية والهندوسية أيضًا صحيحة؛ لأن أصحاب كل هذه المعتقدات هم الآن متقدّمون في مجال المنجزات المادية تقدّمًا يذهل له الغرب ويخشاه أشدّ خشية، لكن صاحبنا وأمثاله يريدون لنا أن نضيف إلى تخلّفنا المادي تخلّفًا روحيًا فنخسر الدنيا والآخرة.
أما تعمير الكون فما هو والله بأعظم مسؤولية ولا أعظم كرامة كرّم الله بها الإنسان. أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ لو كان هذا صحيحًا لكان ساكنو القصور العالية وراكبو السيارات الفارهة ومرتدو الملابس الفاخرة في أوروبا وأمريكا أقربَ إلى الله من عباده الذاكرين له وهم محبوسون معذَّبون في سجون (غوانتنامو) . إن عمارة الأرض ليست غاية في ذاتها لكنها وسيلة إلى خير أو شر. إن الخالق العظيم هو الذي قال: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ} [الروم: 9 - 10] .
8 ـ ينصحنا الكاتب قائلًا: ولا ننسَ أن الآخر مؤهل للحوار معنا أكثر مما نحن مؤهلون للحوار معه. لماذا؟ لأننا لا نعرف عنه شيئًا بينما هو يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. علينا أن نعترف أن اكتشافنا لكنوز حضارتنا جاء عن طريق مدارس الاستشراق التي نبّهتنا لهذه الكنوز ونحن عنها غافلون.
أصحيح هذا؟ ألم أقل لكم: إن الرجل في حالة من الهيام الذي يعمي ويصم؟ أصحيح أننا لا نعرف عن الغرب شيئًا، نحن الذين تتكلم الآلاف منا لغات الغرب وتقرأ كتبه وصحفه وتستمع إلى إذاعاته وتتعلم في جامعاته وتزور بلاده وتساكنه فيها، بينما الذين يعرفون شيئًا من لغاتنا وثقافتنا وتاريخنا إنما هم أهل الاختصاص منهم؟
نبّهنا المستشرقون إلى كنوز لنا؟ الحمد لله، فنحن ـ إذًا ـ أمة لها كنوز يعترف بقيمتها حتى عدد من أبناء العالم المتحضر. وإذا كنا نشكر أولئك المستشرقين على اكتشاف شيء من كنوزنا فإننا نحمد الله أن جعل لنا فضل السبق إلى دين هدتهم تلك الكنوز إليه فآمن كثيرون منهم، بل يقال: آمن أكثرهم به بعد أن كانوا تائهين في ظلمات الشرك والأديان الباطلة. لقد أعطيناهم ـ إذًا ـ أحسن مما أعطونا ولله الحمد والمنّة.
9 ـ يقول كاذبًا: ... بينما نحرّم نحن على من يقيم منهم بين ظهرانينا أن يحتفل بمناسباته الدينية في بيته خلف الجدران والأبواب المغلقة.
لولا أن الكاتب يقول إنه من موريتانيا لقلت: هذا رجل لا يعيش في العالم العربي. كيف يجرؤ إنسان فيه مسكة من عقل على مثل هذا القول بينما كنائس النصارى بالنسبة لأعدادهم في بلادنا أكبر من نسبة المساجد في بلادهم بالنسبة لأعداد المسلمين فيها؟ كيف يقال هذا والنصارى يحتفلون بأعيادهم في بعض البلاد العربية حتى على شاشات القنوات الرسمية؟
10 ـ يقول آسفًا: وها نحن نلعنهم في صلواتنا ونفرٌ منا يمتشقون السيوف والعبوات الناسفة ليجبروا الناس على الدخول في حظيرة الدِّين بينما هم يبنون المستشفيات ويقدمون المساعدات الإنسانية ويصلون للمنكوبين.
يا للعجب! أيقال مثل هذا الكلام عن الغرب الذي احتلَّ واسترق وانتهك الحرمات؟! أيقال هذا والأخبار تترى عن استمرار قوات الناتو في قصف القرى الأفغانية قصفًا لا يفرق بين محارب ومسالم، وصغير وكبير ورجل وامرأة؟!
أيقال مثل هذا عن الغرب وقواته مستمرة في عدوانها على شعب العراق، وإسرائيل تدمّر البلاد وتقتل الأبرياء في فلسطين بمباركة منه؟! أيقال هذا في زمان (أبو غريب وغوانتنامو) ؟! ولكن لا عجب فإن التَّتيّم يعمي ويصم.
ثم إن الذين امتشقوا السيوف صرحوا بأنهم لم يمتشقوها لدعوة إنسان إلى الإسلام، وإنما فعلوا ما فعلوا بدعوى الانتقام لإخوانهم الذين عانوا من ظلم أمريكا في فلسطين. كيف يكون قصدهم أن يجبروا على الدخول في الإسلام من هم عازمون على قتله؟ أيسلم بعد أن تفارق روحه جسده؟!
11 ـ واستمع إلى ما يقوله عن التبشير النصراني: لا يمكننا فصل الدين عن الحضارة، فالمجتمعات المتحضرة تمارس دينها، أيًّا كان ذلك الدين، وتدعو إليه وفق أساليب متحضرة، وتقدّمه كخيار حرٍّ لمن يجد فيه ما يروي ظمأ الروح ويقود إلى طمأنينة النفس ويلبِّي حاجة الوجدان ونوازع الضمير.
قارن هذه الصورة الخيالية الدعائية بالواقع الذي يرويه لنا أصحاب تلك الدول المتحضّرة. فهذا (هنتجتون) يقول ـ كما نقلت عنه في مقال سابق ـ: إن الثقافة الغربية فُرضت على الناس باستعمال العنف، وهؤلاء أئمة النصارى في أمريكا يتحدثون عن أطهر رجل عرفته البشرية بكلام بذيء لا يقال حتى عن عامة المفسدين، وهذا أحدهم يحث حكومته على دكِّ الخرطوم بالطائرات، وذاك وذاك. لكن ماذا يحدي بيان الحقائق لقوم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون؟
12 ـ يقول الكاتب في نهاية هذره هذا مادحًا نفسه: هذا الحديث عن الحوار مع الآخر ليس مجرد شطحات نظرية فأنا لا أتحدث من فراغ وإنما... ليت الحديث كان شطحات نظرية إذًا فلربما كان أقل سوءًا.
أ.د. جعفر شيخ إدريس*
إنتشار النصرانية بالسيف نقل البابا عن الإمبراطور البيزنطي كلمته الفاجرة التي قال فيها لمن زعم أنه محاوره: «دلني على شيء جاء به محمد كان جديدًا، ولن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية مثل أمره بأن تنشر العقيدة التي جاء بها بالسيف. إن الله لا تسره الدماء، ولا تسره التصرفات غير العقلية» . فقلت سبحان الله! رمتني بدائها وانسلت. وهل عَهِدَ الناس أهل دين هم أبعد عن العقلانية وأكثر ولوغًا في الدماء وفي ظلم العباد من المنتسبين إلى ما يسمونه بالمسيحية؟