عابد حميان
من المفارقات العجيبة حقًا في عالمنا العربي الإسلامي اليوم من يوجه إصبع الاتهام إلى الدولة العثمانية وسلاطينها ، لما لحق بالعالم العربي والإسلامي من رزايا وتسلط وانحطاط ، ولعل من أخطر هذه الاتهامات وأشنعها على التاريخ فضلًا عن الإسلام أن هذه الدولة لم تكن في يوم من الأيام تمثل الخلافة الإسلامية بشكل أو بآخر ، إضافة إلى ذلك أنها جهاز استعماري استبدادي ، وأن سلاطين آل عثمان ظلمة مستبدون كانوا يلقون خصومهم بالعشرات وإن شئت بالآلاف في البوسفور ، كما كانت لها قوة ضخمة تشتغل بالتجسس وتصادر الحريات العامة فيجميع الأقاليم التي كانت خاضعة لصولجانه .
والحقيقة أن هذه الافتراءات فات أوانها وأصبح بطلانها من نافلة القول ، وإن كانت من النظريات الدخيلة التي يحاول الغزو الفكري والتبشير إذاعتها في الأوساط العلمية ، ولكن لا بأس أن نوضح ثم نصحح تلك المفاهيم متوخين في ذلك القدر الكافي في استنطاق أحداث التاريخ .
ومن الآراء التي تفند هذه المزاعم مقال طويل كتبه عبد الله النديم في مجلة « الأستاذ » عام 1893 هـ جاء فيه: « لو كانت الدولة العثمانية مسيحية الدين لبقيت بقاء الدهر بين تلك الدول الكبرى ، ولكن مغايرة الدين وسعي أوربا الحثيث في تلاشي الدين الإسلامي أوجب هذا التحامل » . أما محمد عبده الذي قال أثناء إقامته في بيروت عام 1889: « إن الدولة العثمانية وحدها المحافظة على سلطان الدين الكافلة لبقاء حوزته وليس للدين سلطان في سواها » .
أما مسألة ما يقال عن الدولة بأنها كانت تمارس الاستعمار فإنها فكرة مردودة بحكم التاريخ ذلك أنّ الدولة العثمانية عملت على توحيد الشعوب الإسلامية تحت سلطة واحدة محاولة الالتقاء والتكامل بين عناصر الأمة الواحدة من عرب وترك على إثر ضعف المماليك وتعرض بلاد الشام للغزو الصليبي في القرن السادس عشر ويؤكد العديد من المؤرخين والباحثين المنصفين أن هذه الدولة قد حمت أكثر من خمسة قرون ظهر العالم الإسلامي من الغزو الصليبي الاستعماري فما إن سقط أسطولها البحري عام 1837 حتى دخلت فرنسا الجزائر بحملة عسكرية بعد ثلاثة سنوات (1830) ثم تونس (1881) ثم انعقاد مؤتمر برلين الاستعماري عام 1878 الذي يرمي إلى تقسيم ممتلكات الدولة التي كانت تعرف « برجل أوربا المريض » حسب زعم تلك الدول .
ويعتبر تاريخ القرن السادس عشر والسابع عشر بداية التآكل على المستويين الداخلي والخارجي بعد مدٍ وجزر ... وتقدمٍ وتأخر ... وإشراق ونكوص ... انتصار وخيبة ... فتح واسترداد .. وقد حكمها خلال القرون المتعاقبة العديد من السلاطين ، منهم من امتاز بعظمته كالسلطان مراد الرابع الذي حكم للفترة 1633 - 1640 م والذي استطاع أن يخلص بغداد قبل موته بسنة واحدة من سيطرة الفرس الصفويين الثانية على العراق وذلك سنة 1638 م . فاقترن اسه بعد ذلك بـ (فاتح بغداد) . ومن السلاطين الآخرين - من امتاز - بقله تجربته ، وضعف شكيمته كالسلطان مصطفى الأول الذي حكم للفترة (1622 - 1623) فقد تدخل الجيش في شؤون الدولة . كما يحتفظ التاريخ للشعب التركي المسلم بمزايا عديدة منها أنه شعب مناهض متحمس طموح فيه روح الجهاد وكان سليمًا بحكم نشأته وقرب عهده بالفطرة والبساطة في الحياة .
لقد لعبت الطائفة اليهودية المعروفة بـ (يهود الدونمة) دورًا خطيرًا في تأليب الوضع السياسي داخل الدولة بحيث كانت صاحبة اليد الطولى في إنشاء حزب الاتحاد والترقي المتشبع بالعصبية الطورانية المعادية للعروبة و الإسلام حتى يومنا هذا .
المرجع مجلة البيان العدد43 الصفحة 130
سؤال: هناك سؤال كثيرًا ما يلح على المرء منا: لماذا العثمانيون مكروهون بشكل ملحوظ لدى بعض الأوساط ؟ وهل هناك ما يدعو لكل هذا الكره ؟
كلامك هذا ذكَّرني بمقولة أستاذي ( نهاد جتين ) : ( العثمانيون يُشتمون في كتب التاريخ العربي ، وفي كتب التاريخ التركي ، وفي كتب التاريخ الإيراني ، وفي كتب التاريخ الأوروبي ، وفي كتب التاريخ الروسي ) .
وربما نجد ما يسوِّغ هذا الكره لدى الأوروبيين أو الروس أو الشيعة ، ولكن المسوِّغ لدينا - نحن العرب - أو لدى الأتراك غير موضوعي ويجافي الإنصاف ؛ لأن الإنصاف يقتضي أن دولة بلغت كل هذا المجد ، وتحقق لها كل هذا التمكين خلال أكثر من ستة قرون من الزمان ، وامتدت رقعتها إلى ما لم تصل إليه دولة في تاريخ الإسلام ، وحفلت بما لم تحفل له دولة في التاريخ البشري كله - بعد الدولة النبوية في المدينة - من حيث القوة والحضارة والعدل ، ومع هذا يستحيل أن تكون
بكل هذا السوء ! فالغربيون والروس والشيعة قد ورثوا هذا العداء وراثة طبيعية ؛ أما العرب والأتراك فقد رضعوه من النظرة الأوروبية .
سؤال: إذن المسألة مسألة مصادر ؛ فأين هي المصادر السليمة ؟
المصادر غير متوافرة ليس لعدم وجودها وإنما لأسباب أخرى ؛ فقد كان
العثمانيون شديدي الولع بالتاريخ ، مهتمين جدًا بكتابة تاريخ دولتهم حتى إنه كان هناك مؤرخ رسمي للدولة له تلاميذه وطريقته في الكتابة ، ولكن عدم توافرها ناتج عن عدم استطاعة الأجيال اليوم التعامل معها وقراءتها ؛ لأنها مكتوبة بالحروف العثمانية التي ألغاها أتاتورك وبدَّلها بالحروف اللاتينية ، وبهذا نجد أن الحضارة العثمانية لم تنل حظها من الدراسة لضخامة التعتيم العلمي والسياسي في الوقت الذي تُدرس فيه الحضارات القديمة وتُفك رموزها ! والأجيال اليوم ظُلمت من هذا الباب . ومن جانب آخر تأثرت بالنظرة الغربية التي نقلتها الدراسات الأكاديمية التي تربى منظِّروها والمتخصصون فيها في الجامعات الأوروبية مثل أوكسفورد وكمبردج ، وهم لا يعلمون أن هذه الجامعات كانت عبارة عن مدارس أنشئت في الكنائس لدراسة الحالة العثمانية - بعد أن توالت الهزائم الأوروبية أمام الجيوش العثمانية - من أجل فتح القلعة من الداخل ، وهذه المدارس كان لها رصيدها العدائي لا للدولة العثمانية فقط وإنما للتاريخ الإسلامي كله ، وإذا كانت قد نجحت في تشويه تاريخ
أكثر من ستة قرون من تاريخ هذه الأمة فمعنى ذلك تشويه ما يقارب من نصف تاريخ الإسلام .
سؤال: معلوم أن الاشتغال بالتاريخ يورث المشتغل خبرات واسعة ، ومعارف كثيرة ؛ وها أنت قد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال ؛ فما هي أبرز النتائج التي يمكنك أن تهديها للقارئ ؟
يمكنني أن أوجز ذلك في أمرين:
الأول: هو: من أين نستقي تاريخنا الإسلامي ؟ أو ما هي مصادر الاطلاع عليه ؟ لا بد أن يكون ذلك من مصادر موثوقة ؛ لأن التاريخ الإسلامي على امتداده وامتلائه بكل عناصر القوة والسمو والإبداع نجد أن معالجاته المتأخرة قد ملأته بالتشكيك والتشويه ، هذه المعالجات تأثرت بمنهجين منحرفين أو بأحدهما وهما: المنهج الشيعي ، والمنهج الأوروبي .
أما الشيعة فبرزوا في تشويه أكمل فترات التاريخ الإسلامي بعد عصر النبوة ؛ حيث أوّلوا الأحداث تأويلًا شيعيًا أضر بعلاقات المسلمين بالمسلمين وأفسدها ، وهي إلى اليوم فاسدة !
وأما الغرب فقد أثَّر ميراث عداوته للإسلام على منهجيته في دراسة تاريخنا الإسلامي ؛ هذه المنهجية هي التي امتدت إلى جامعاتنا وباحثينا ، ومن خلالها يُقَدَّم لنا التاريخ الإسلامي ، والعثماني منه بالذات .
ولهذا أقول: إنه متى استطعنا إبعاد أثر الشيعة والغرب على دراسة التاريخ استقامت كل أمورنا .