فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 3028

وخرج مرة برتراند رسل وهو من أوائل رواد طريق خالص محتجا على الأسلحة النووية ومتظاهرا مع أعدائها، فما زاد إلا أن رسم ابتسامة على الشفاه تسخر به وتقول وعقل الفيلسوف يكون مضحكا أحينا، ألم يكن في بريطانيا وطائرات هيتلر تصب النيران والهدم على لندن؟ وهل ستوقف الفلسفة الجميلة كل هيتلر؟ فبنت بريطانيا سلاحها وبنت أمريكا وروسيا، ولم تستمع لوصايا أوبن هايمر ولا اينشتاين ولا راسل ولا من لف لفهم. فمصالح الأمم ومصائرها قد لا يفهمها الفيلسوف. ثم سيقول ولكنهم لم يستخدموها بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت طريقا للسلم! أقول نعم فالقوي يصنع السلم، بعد أن يصنع الحرب، أما دعاة الوداعة في مجتمعات الضعف والهزيمة والإندحار فهم بحاجة لقول آخر. لا يدفعهم للجنون ولا يدفعهم للإخبات والإستخذاء.

وقد يقول قارئ حريص أين الأدلة الشرعية على قولنا تأييدا وتوجيها. وأين ما جاء في فضائل الجهاد؟ أقوال ليس الآن مساقها، وقد لا نصل بها مع بعض المخالفين لنتيجة.

ثم يسوق كاتبنا أهوال الحرب ويستنتج في نهاية الفصل الأول هذه الحكمة:"العالم المتقدم يطير الآن إلى المستقبل بجناحي العلم والسلم ويبقى الذي لم يشترك في صناعة العالم المعاصر يحترم أحلام عنتر والمتنبي ويكرر: السيف أصدق أنباء من الكتب ص 27"

ينسى أن العرب قبل نفوذهم انقسموا إلى قسمين العرب الباقية والعرب البائدة. وهكذا كثير من الشعوب، تشويها الحروب حتى تميتها أو تنضجها لصناعة مجد جديد على أرض جديدة.

إن نماذج عربية وغربية، تملي عليه القول، فينطلق وينطق بالمسكوت عنه، شواهد محزنة عاشها في بلده فهي حق، ثم ذهب لألمانيا واستغراق في الإعجاب بها، ألمانيا التي سالمت فيما يرى وتقدمت، وبلده وبقية بلاد العرب التي أهلكتها شعارات الحرب.

من المهم أن يدرك الأستاذ أن ألمانيا تمتد بعمر الحروب أكثر مما امتدت أمة أخرى في أوروبا ولم تهدأ إلا بجيوش جاثمة عليها بعد عام 1944. وهي مسامة مكرهة، كاليابان، ألا ترى أنها استراحة المحارب؟ ولو أنصفت قراءة بعض مراجعك نفسها لا غيرها، لوجدتها ضد قولك تماما، وتنشد الحرب والمجالدة.

فمجد الإسلام بناه مجاهدون، وأسلمه مسالمون، متمدنون خاضعون، والعالم القوي المتقدم القوي الحديث صنعته الحروب، والحريات والسلم صنعتها الحروب، وأمريكا القوية السائدة صنعتها الحروب. فالحرب الأولى والحرب الثانية عادت على أمريكا بخير ما عادت به الحروب للدول، وسموها الحرب الجيدة، واقرأ كتاب"الحرب الجيدة"أو"ذا جود وور"وحرب التوسع في أمريكا وحرب الشمال والجنوب في مسائل الحرية ومن قبل حرب الإستقلال، والحروب الصليبية كانت خير هدية للشعوب الأوربية. كنت أتصفح كتابا عن الحروب الصليبية يقول فيه أن هذه الحروب الصليبية طورت الأسلحة والسفن، وسوغت المغامرات البعيدة والإكتشافات والأسفار في البحار ولذة القوة والغنائم والبلاد الجديدة والبحار الدافئة والأطعمة الحارة، وغيرها فأخرجت الأوروبي القابع في ظلامها إلى العالم وأسس الإمبراطوريات البرتغالية والأسبانية والبريطانية والفرنسية والألمانية، وتطورت الأسلحة ولحقتها الصناعات الأخرى. ولعل الأستاذ يدرك أن الجيوش هي سبب تطور الطائرات المدنية، والدعاية الحربية سبب كبير لتطور الآلة الإعلامية، والتجسس طور وسائل الإتصال، والطرق الواسعة التي تربط شرق أمريكا بغربها وشمالها بجنوبها بنيت لأسباب عسكرية، والإنترنت التي ننعم بفوائدها كانت شبكة تواصل للجيش الأمريكي.

لو كان يكتب خالص للأمريكان والروس لربما كان قادرا ولكان هناك سبب معقول، أما أن ينشر أفكار الرضوخ والإستسلام في عقول مهزومين مستسلمين فهذه هجرة لفكرة غريبة، وجلب لها لغير مكانها، فليس عندنا مشروع لحرب النجوم، وليس عندنا مشروع نووي، وهاهم اليهود يدوسون أرضنا وأعراضنا بسبب قوتهم العسكرية والمالية والعلمية، والمستعمرون يجوبون أقطارنا لهم ثمرتها ولسكانها الحجر. ونحن نذوق مرارة ذلنا لا حربنا، ونذوق عواقب جبننا لا شجاعتنا، وجهلنا بالحرب لا علمنا بها. ثن نترجم ونتفلسف، ونحمل حملة لا أول لها ولا آخر على القوة وعلى ثقافة القوة، وكأن مشكلتنا من القوة وأسلحتنا النووية، وليست مشكلة الضعف والخمول والجهل. لقد كانت هذه الفكرة وهذا الكتاب أكبر شواهد استيراد الفكرة واستنباتها في غير أرضها

وأقف هنا عن بقية قول يطول) .

*"جدلية القوة والفكر والتاريخ"دار الفكر بيروت 1999. 166صفحة.

مجلة البيان - (ج 68 / ص 46)

د/ عابد السفياني

التغريب مصطلح يستعمله بعض الكتّاب للدلالة على جهود

الغرب في نشر أفكاره وقوانينه ونظمه في أقطار العالم الإسلامى .

لقد بذل الكفار - على اختلاف مللهم ونحلهم - جهدًا كبيرًا في نشر التغريب

الذي يمثله النموذج الغربي في مجالات الحياة المعاصرة في التشريع والنظم

الوضعية ، وفي مجال الإعلام ، والاقتصاد ، وفي مجالات أخرى متذرعا تارة

بالديمقراطية ، وتارة بالمحافظة على حقوق الإنسان ، وتارة بالمشاركة في تنمية

أحوال « العالم الثالث » بشرط الالتزام بتلك النظم نفسها .

وأكبر عائق يقف في وجه « النموذج الغربي » هو تطبيق الشريعة الإسلامية ، ولهذا كانت جهود الكفار تبذل في تغيير مفهوم تطبيق الشريعة .

يقول المستشرق « جب » في كتابه « الاتجاهات الحديثة في الإسلام » ص26 ، « ليس لدى الإنسان أنظمة كبرى في العقيدة ، والفكر ، والإرادة من شأنها أن

تظل ثابتة أكثر من عشرة قرون » .

والبديل عن الشريعة الإسلامية هو بزعمهم انتشار العلمانية:

يقول أيضًا في ص 74 « إن انتشار العلمانية في البلدان الإسلامية طيلة

المائة سنة الماضية قد جعل مثقفي المسلمين عرضة لنفس التأثيرات التي زعزعت

التفكير الغربي بالنسبة للمسائل الدينية » .

ويرى هذا المستشرق أن تكوين « الرأي العام » على الطريقة الأوروبية عن

طريق نشر التعليم « العلماني » أي الغزو الفكري الأوروبي ، وذلك هو السبيل

الوحيد لإدخال التطور والتحرر من سلطان الدين ، « وجهة الإسلام » ص 214-

وعندما يتحدث عن استبدال ، القوانين الوضعية بالشريعة الإسلامية ، وأن

ذلك قد أدى إلى تمكن القوانين الوضعية وانتشار النموذج الغربي فإنه يحذر قومه

من الاطمئنان القائم على هذه المكاسب ، ويطالبهم بإدخال الاقتناع بها إلى قلب كل

مسلم عن طريق التعليم ص 213 -214 وهذا الطريق هو « التغريب » وتغيير

المفاهيم وأما تغير مفهوم تطبيق الشريعة ، فبدلًا من أن يكون مفهوم الحكم بالشريعة

شاملًا لجميع المجالات ، فلا بأس أن يكون قاصرًا على جوانب معينة ، وبقية

الجوانب يحكمها « التغريب » ، المهم أن يكون له سلطان مع الشريعة .

ولذلك يقول هذا المستشرق - وهو من المستشرقين الذين يعرفون هذا الدين

كما يعرفون أبناءهم كما قال الله - تعالى - عنهم:[ الَذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ

كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ]2 - الأنعام يقول في

كتابه السابق الذكر ص 121 ، « إن قبول القانون الإسلامي كان منوطا بقبول

الشريعة الإسلامية ، كما كان ذلك النتيجة الحتمية لكون المرء مسلما » وبالنسبة

للذين يتمسكون بهذا المعتقد تعتبر فكرة تعديل هذه القوانين الأساسية أو إلغائها من

باب الكفر 123 - 124 .

وأمامكم هذه العقيدة الإسلامية التي هي أكبر عائق في وجه التغريب ، لابد -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت