ربما كان هذا الاقتباس هو افضل ما يدلل على مدى انخراط الاعلام في القضايا السياسية والعسكرية، فهو دعوة لتلحق اسرائيل بركب الاعلام الدعائي العسكري السائد اليوم في العالم والذي تحول من اعلام الحرب الى حرب الاعلام ومن كونه مجرد ناقل امين لوقائع الاحداث ومجرياتها الى اداة طيعة من ادوات الحرب والقتال والذي يعزى لثلاثة عوامل كبرى مفصلية يشكل كل واحد منها مرحلة متكاملة بحد ذاتها ساعدت على هذا التحول الهائل وهي الغزو الفكري والاسلام فوبيا، الحرب الباردة الثقافية، حرب الارهاب والاعلام الدعائي العسكري او الدعاية السياسية المسلحة.
شهدت فترة الاستعمار القديم غزوا فكريا موازيا لعمليات الاحتلال المسلح بالاضافة لاشكال الغزو الاخرى التي تعرضت لها الامة العربية والاسلامية من سياسي واقتصادي ، وكان الغزو الفكري او الثقافي هو الاخطر لما تضمنه من اساليب تهدف لتقويض مقومات الامة الفكرية والحضارية التي تمثل مصدر قوتها ومعنوياتها وارادتها. وكان الاعلام الغربي الاداة الاكثر فعالية في تمرير كل ذلك مما شكل اداة طيعة للغزو الفكري.
وفي مرحلة متقدمة اصبحت عمليات تشويه التاريخ والعقيدة وكذلك الشخصية العربية والاسلامية هي الابرز في اساليب الغزو الفكري وكان هدف هذه العملية تشكيل ( عقدة الخوف من الاسلام والمسلمين) وكان للاسلام فوبيا اساليبها الخاصة تجلت باغتيال الهوية العربية الاسلامية وانتزاع صفة الانسانية عنها بوصمها بالبربرية والارهاب وبدات الحملات الاعلامية المرافقة تعمل على شن حرب اعلامية تحريضية ضدها. ولا يخفى ما كان لهذه الحملات من اثار على تطويع الاعلام كاداة غير محايدة تم تجنيدها لخدمة تلك الحملات.
ما لبث ان دخل الاعلام الغربي اشد المراحل خطورة في تحوله من اعلام حر محايد الى عنصر فاعل في الصراع واداة من ادوات المعركة وبدا بالتحول من كونه مجرد (اعلام الحرب) ينقل الوقائع والاحداث الى (اعلام محارب) بكل ما تحمله العبارة من معاني ودلالات وذلك في فترة الحرب الباردة التي استعرت بين اميركا والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة والتي كان لها ادواتها ومن اشهرها تلك المظلة الجامعة التي اشتملت على جميع الاذرع والافرع العاملة على امتداد العالم لتجنيد الانصار ودحر الشيوعية في العالم! في معركة ضارية خفية تدور حول (الاستيلاء على عقول البشر) وتروج لعصر التنوير الامريكي الجديد والقرن الامريكي الجديد. وعرفت المظلة الجامعة التي ترتبط بوكالة المخابرات المركزية الامريكية C.I.A بمنظمة الحرية الثقافية التي اسست عام 1950 في باريس وتحولت عام 1967 الى ]الاتحاد الدولي للحرية الثقافية[ وكانت فروعها تنتشر في خمس وثلاثين دولة ولها عشرات من المنابر الثقافية الموالية واضعافها من الواجهات الفكرية والتجارية والفنية ولها منظمات ومؤسسات ادبية وفنية وفكرية وصحافية واعلامية واما الاعلام فقد انغمس في خضم هذه الحرب الثقافية الباردة ليتحول مجددا من ناقل حر محايد الى اداة من ادوات هذه الحرب.
اخيرا فان الهجمات التي تعرضت لها اميركا في ايلول 2001 تمثل تاريخ التحول الاكبر في الاعلام العالمي الذي تقوده امريكا حيث تراجعت النظريات الاعلامية التقليدية امام نظرية جديدة هي (الدعاية السياسية المسلحة) ساعد عليها احتكارها لادوات ووسائط الاتصالات وصناعة وانتاج المعلومات والتحكم بالتدفق الاعلامي وتوجيهه وفقا لمعطيات الظروف المستجدة وفي مقدمتها اعلان الحرب العالمية على الارهاب
معالم الغزو الاستشراقي
سمية العتيبي
الصراع بين الحق والباطل من سنن الله تبارك وتعالى في الكون, ولكن البقاء للحق دون منازع، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} .
والمسلمون في هذا العصر تداعت عليهم الأمم, بالغزو العسكري حينا, وبالغزو الفكري حينًا آخر, فعلى المسلم أن يكون فطنًا يقظًا, يدرك ما يحاك له في العلن فلم يعد هناك خفاء, فلا يكون إمعة يتبع كل ناعق, كما فعل بعض أبناء هذا الدين من التنصل منه بل وإعانة أعدائه عليه, وأعني بالأعداء هنا.. المستشرقين.
فهم طائفة من الباحثين الغربيين اهتموا بعلوم الشرق, فلا تكاد تخلو مكاتب العالم من عدد من المخطوطات العربية المتخصصة في الدراسات الإسلامية, ليعتمدوا عليها في دراساتهم ثم يسمموها بأفكارهم, وبعد ذلك يقدمونها كالطبق الثمين للأمة الإسلامية, لينشروا السم الزعاف ويسمونه بالفكر الثقافي, وما قصدوا إلا الغزو الفكري القاتل..
وتتركز أهداف الاستشراق في الطابع الديني, حتى يحدوا من الامتداد الإسلامي, ويوسعوا دائرة التنصير, أو ما يسمى بالتبشير.. يقول المستشرق"ليويولد":"إن الهدف من المبشرين هو إضعاف القيم الإسلامية عن طريق شرح تعاليم الإسلام ومبادئه شرحًا يضعف المسلم في تمسكه بالإسلام, ويقوي في نفسه الشك فيه كدين وكمنهج سلوك".
ويقول مستشرق آخر:"يجب أن نرغم المحمديين على العودة إلى النصرانية من خلال القرآن ذاته, وعن طريق إثبات أن محمدا كان نصرانيًا بقلبه".
واهتموا بالجانب العلمي للمسلمين, ولقد ظلت كتب المسلمين في العلوم التجريبية مصدرًا وحيدًا للتدريس في جامعات أوربا لفترة طويلة..
وربما كان جُلّ اهتمامهم بدراسة اللغة العربية لينفذوا إلى الصميم, ويضعفوا معاني القرآن الكريم, وقد أوقعوا المسلمين في المصيدة, فقد أشغلوهم بدراسة الفلسفة وعلم الكلام, ليكون ذلك من أسباب فرقة المسلمين وتناحرهم..
فنحن أمام كم لا يستهان به من البحوث التي تتناول الدين الإسلامي, وقاموا بتأليف الكتب وإصدار المجلات بل استطاعوا شراء عدد من الصحف المحلية في بلاد المسلمين.. واعتنوا بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية, معللين ذلك بأن اللغة العبرية أقدر من غيرها لمعرفة مضمون القرآن! بل حتى يتسنى لهم دس أباطيلهم عن الإسلام وتشويهه..
ومن المسلمات التي أثاروا حولها الشبه ما قاله اليهودي"شالوم":"يفرق المسلمون بين دار الإسلام ودار الحرب, فيجب أن تسلم كل الشعوب بالسيف إذا لم يقبلوا دين محمد طواعية".
وهذا اتهام استشراقي إسرائيلي للإسلام بأنه لا ينتشر إلا بحد السيف, ولنا في الرد عليهم ما جاء في آيات القرآن الكريم التي تؤكد حرية الفرد في اتباع الدين الذي يريده.. قال تعالى: {لا إكراه في الدين} وقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وقوله {لكم دينكم ولي دين} .
ولنا أيضا أن نورد أقوالا من المستشرقين المنصفين, فيقول"منتجو مري وات": قد أضحى الغرض من الجهاد لا تحويل أهلها عن دياناتهم إلى الإسلام, وإنما إخضاعهم للحكم الإسلامي باعتبارهم من أهل الذمة, لهم استقلالهم الذاتي برئيسهم الديني"."
لقد خاض المستشرقون مجالًا لن ينجحوا فيه حتمًا, فمحاولاتهم البائسة إنما توضح إفلاسهم البحثي والعلمي, وقصور فهمهم للوحي الإلهي, وعلى الأمة الإسلامية ألا تهاب وتعد ما بوسعها للحفاظ على هويتها الإسلامية, وإن ما يحزن النفس تكالب أبناء الشرق مع تلك الظلمة العاتية.. عفا الله عنهم وأنار لهم طريق الحق والرجوع.
منصور بن عبدالله زبد
مشرف إداري بالشؤون القانونية