فهرس الكتاب

الصفحة 2540 من 3028

كما أن الفضائيات و مواقع الانترنت الإسلامية اليوم لا تخلو من زوايا للاستشارات والفتاوى المتعلقة بأمور الحياة الزوجية والتي تناقش استشارات القراء بطريقة مفصلة وعلمية بعيدا عن الخجل غير المحمود، وكل هذا لا ينكره أحد بل يشدد عليه العقلاء كضرورة لأخذ العلم من مصادره الموثوقة بدلا من استقائه من المصادر الموبوءة والمشبوهة.

الفرق بين الأسلوبين أن الطريقة الإسلامية في التعامل مع الموضوع هي إظهاره في إطاره وحجمه الصحيحين دون تعميم وتضخيم، وجعله وسيلة إلى حياة اجتماعية نظيفة، وأن الهدف من ذلك هو حل الإشكاليات وتنوير الجمهور بتلك الأمور التي كانت إلى وقت قريب من الأسرار التي لا يتحدث بها أحد. أما المواقع والقنوات المغرضة فهي تعرض المشكلة عرضا لا يهدف إلى إيجاد أي حل لها، بل تحاول قدر الإمكان أن تثير أكبر قدر من الاستثارة والضجة، ثم تخرج من كل تلك المعمعة دون أي نتيجة سوى أنها صورتنا كعبيد للشهوات والأجساد....

د. محمد العبدة

التقليد عريق في الإنسان كما يقول عالم الاجتماع الإسلامي ابن خلدون، فبعض الناس ليس عنده القدرة على التفلت من آصار التقليد أو لا يريد أن يتعب نفسه في البحث و التنقيب و السؤال والجواب، ولذلك كان من الأهمية

الحديث عن التجدد و التجديد فيما يظهر من أحداث و أمور ومشكلات أو فيما نحتاج إليه من مراجعات بين الفينة و الأخرى.

و من الأشياء التي بات الحديث عنها ضروريا إصلاح الوعظ وإصلاح الخطابة و الخطاب، فمن المؤكد أن الخطاب المزدوج والتصريحات المتناقضة في أمور الاجتماع والسياسة التي يتورط بها بعض الدعاة، هذه التصريحات تربك الشباب و تربك الجماهير و تضعهم في حيرة، وانه من غير المقبول أن نؤيد حدثًا ما في اندفاع عاطفي ثم ننقلب على هذا الرأي في اندفاع عاطفي أيضا .

إن الخطاب في ظل مجتمع إسلامي قد يكون مختلفا عندما يكون موجها للآخرين ، وعندما يكون موجهًا لعشرات الملايين سيكون مختلفًا عما إذا كان في عدد قليل، و عندما يتكلم الفقيه في الحلال والحرام يجب أن يعلم الناس الدليل والأسباب و التعليل ولو بشكل مبسط ، و يغرس في نفوسهم التقوى و الأخلاق، أي أن يربيهم من خلال الفتوى.

أرشدنا القران الكريم إلى الطرق الصحيحة في الخطاب (( فعندما تميل النفوس إلى مالا ينبغي ، يُذكّرها الله سبحانه بالمحبوبات التي تزيد ثمراتها أضعافًا عما تريد و تهوى ، قال تعالى:"واعلموا أنما أموالكم و أولادكم فتنة"، و أعقب ذلك مذكرًا لهم بما يفوتهم إن هم افتتنوا بها"وإن الله عنده أجر عظيم"، و كقوله سبحانه:"من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه". ) ) (1) .

شهدت في أحد المساجد واعظًا وقف بعد صلاة العشاء وقال للمصلين: خمس دقائق فقط، و كررها وكأنه يخشى من خروج المصلين دون أن يستمعوا له، وزيادة في التأكيد ، و حتى لا يقوم أحد حذرهم بأنّ من لم يستمع فهو ( محروم) ، و بدأ بكلمته وعظته ونسي نفسه و نسي وعده و استمر و أخذ من الوقت أكثر مما وعد ، و بعد انتهاء الموعظة بدأ بالدعاء و أطال فيه!

ترى كيف ستكون نظرة المصلين إلى هذا الشيخ الذي لم يلتزم بوعده، وهدد المصلين بأنهم محرومون إن لم يستمعوا له ، فهل هذا وعظ أم تبكيت .

خطيب يقف على المنبر في يوم الجمعة أكثر من ساعة و نصف وعندما نوقش في هذا، وما هي أسباب هذا التطويل قال: إنها فرصة لاجتماع الناس و لأحدثهم بما أريد ،هل هذا عذر؟! ، والمصلون سيأتون بعد أسبوع و أسابيع و يستطيع أن يبلغهم ما يريد.

و خطيب ينتقد من على المنبر طائفة من أهل السنة ، و قيل له: ما الفائدة من فتح هذه المعركة و هناك أخطار كبيرة على أهل السنة، ونتمنى أن يقف الجميع صفًا واحدًا أمام هذه الأخطار الواقعة والقادمة.

(1) - عبدا لرحمن السعدي: القواعد الحسان لتفسير القران /144.

حسن الأشرف

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".والحديث في صحيح البخاري، كتاب الشركة، وكتاب الشهادات، وهو عند الترمذي في أبواب الفتن...

وهذا الحديث الذي يسميه بعض علمائنا بحديث السفينة، حديث نبوي رائع المعنى غزير الدلالات، كثيف الصور وعميق المغازي، يصور المجتمع كما هو في أسلوب بسيط نفاذ، مبرزا القواعد والسنن الأساسية في الحياة البشرية، وحتمية المصير المشترك بين أفراد المجتمع انطلاقا من مسؤوليات كل فرد من أفراده.

سفينة واحدة وطبقتان

الحديث المذكور يتحدث عن سفينة واحدة، مسخرة لنقل الركاب (والركاب هنا هم الجماعة البشرية المسلمة) ، وظيفتها أن تنقل الجميع عبر عباب البحر إلى بر الأمان، فلا فرق بين الركاب جميعا ماداموا على مركب واحد، يحترمون شروط ركوبه وقوانين الإقامة فيه إلى أن يبلغ بهم شاطئ النجاة وسط"بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض"، فلا ينبغي أن يعتدي فرد من أفراد جماعة ركاب السفينة على أغراض وسيلة النقل هاته التي سخرها الله تعالى لهم، ولا يخرب ممتلكاتها قصد ذلك أو لم يقصد. وإن حدث هذا التخريب لأي سبب كان، فالسفينة ستتعرض للخطر لا محالة.

ورغم أن السفينة واحدة، غير أن ركابها توزعوا إلى مجموعتين عن طريق القرعة (استهموا) ، فكان أن عمرت مجموعة من الناس الطابق السفلي من السفينة، وآخرون صعدوا إلى الطابق العلوي حسب نتيجة القرعة، فانقسم القوم إلى فريقين أو مجموعتين. وهنا لم يكن سبب هذا التوزيع مرجعه إلى تفاضل لعرق أو نسب أو قوة أو مال أو جاه أو مركز، إنما اقتضته مصلحة السفينة.

مصلحة المجتمع

فكانت مصلحة السفينة ومن يركبها أن يتوزع الناس إلى فريقين اثنين، فإن ركب الناس جميعا نفس الطبقة سفلى كانت أو عليا، لحدث مكروه للمركب، إذ أنه قد يتثاقل تحت ضغط الوزن الزائد وعدم التوزيع الجيد للحمولة البشرية فينهار ويغرق في مياه بحر متلاطم الأمواج، فكان حتميا أن يتجه تفكير الجميع إلى التوزع في طبقتي السفينة، وشاء الله ـ من خلال القرعة التي أجروها ـ أن

تستقل مجموعة الطابق التحتي والمجموعة الأخرى الطابق الذي فوقه مباشرة. وهو تقسيم أراده الخالق الحكيم لكل مجتمع بشري، أن يكون متضمنا لطبقات دنيا وأخرى تفوقها مالا وسلطة وإمكانيات؛ كل ذلك من عين حكمة الله عز وجل الذي يقول في محكم بيانه: (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا،ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف31..

يقول في تفسير الظلال حول هذه الآية:"رزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد وظروف الحياة وعلاقات المجتمع. وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها. تختلف من بيئة لبيئة ومن عصر لعصر ومن مجتمع لمجتمع وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها . ولكن السمة الباقية فيه والتي لم تتخلف أبدًا - حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع - أنه متفاوت بين الأفراد ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت