نحن لا نعجب أن فُتن بنو إسرائيل"بالعجل الذهبي"وأُشربوا في قلوبهم حبه كما قال تعالى: وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93] . لكن نعجب من مسلمين موحدين حنفاء أشربت قلوبهم حب"العجل الفضي"، فقطعوا الساعات الطوال أمام الشاشة الفضية، عاكفين في محرابه في صمت ومتابعة مستمرة، فلا يبالون بالصلوات المضيَّعة، وقد شُغِلت عيونهم بمتابعة مشاهد الفسوق والعصيان، استدبروا قبلة الحنفاء واستقبلوا قبلة العجل الفضي. أحسب أنه ما دخل بيتًا إلا أذن بخرابه، وإذا اقتناه متدين بدأ العد التنازلي في التزامه، وإذا اقتناه فاسق مفرط بدأ العد التصاعدي في فسوقه وعصيانه، وبقدر التصاقه وعكوفه عليه بقدر ما يزيغ عن صراط الله المستقيم، ويذوب في صراط المغضوب عليهم والضالين. ولو أنك تأملت أحوال المنتكسين والمتنكبين، فغالبًا ما تجد أن التعلق بالتلفاز قاسم مشترك بين أولئك الناكصين على أعقابهم.
أيها المسلمون، إن التلفاز له دوره في تحطيم الاستقرار الأسري، والتفريق بين المرء وزوجه، فهو يدفع الزوجة إلى المقارنة بين حياتها ومستواها المعيشي، وبين ما تراه على الشاشة من الكذب والمَشَاهِد، فتنقم على حياتها، وتزدري نعمة الله عليها، وتجحد فضل زوجها عليها، وتنسى المسكينة أن ما تراه ما هو إلا"تمثيل". إضافة إلى إشاعة الأفكار الهدامة المعادية للإسلام من خلال التمثيليات والأفلام، التي يكتبها من لا خلاق لهم، فيسوغون الخيانة، وتبرير الفاحشة، ونفث سموم ما يسمى بالحرية الشخصية بمفهومها الإباحي، وتحريض المرأة على التمرد على أبيها وزوجها، والتنفير من أحكام الشريعة المطهرة في قضايا: الحجاب، والطلاق وتعدد الزوجات، ونحوها.
إن الإسلام دين الستر، ندبنا إلى ستر العورات الحسية والمعنوية على المستوى الفردي والجماعي، وحرم الإسلام إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور:19] ، وأحاط الخلوة بين الزوجين بالسرية والاحتشام والستر، فجاء"هاتك الأسرار"ليمزق الحجب، ويقتحم الأعين البريئة فيغتال براءتها، ويفسد فطرتها، فيتولى الإلحاح في عرض صور النساء في أبهى زينة وأكمل فتنة.
وبينما يحرّم الإسلام هتك أسرار الزوجية المغيَّبة، إذا بـ"هاتك الأستار"يحول الغيب شهادة، والخبر معاينة. إن من أسوأ آثار التلفاز وأضرار توابعه هو خدش الحياء، وتحطيم القيم، ونشر الرذيلة، وقتل الغيرة على حرمات الله التي هي مادة حياة القلب. ولا ريب أن توالي هذه المشاهد المسموعة وتكرارها يجعلها مع الوقت شيئًا عاديًا، فيروِّض المشاهِد على غض الطرف عن الفضائل وقبول الخيانة الزوجية، إلى غير ذلك من الأحوال، ألا ترى أن السذج صاروا يقبلون أن يحتضن رجل بنتًا شابة؛ لأنه يمثل دور أبيها! فلم يعودوا يستنكرونه. وتعجب أن ترى الزوج المسلم يجلس مع زوجه وبناته وأبنائه في محراب العجل الفضي، وهم يرون ما يعرضه من مشاهد إباحية، ويسكر أهله تلك المشاهد، ويلذ لزوجته وبناته وأبنائه، هذه المناظر وهو قرير العين، ثم هو يضحك بملء فيه، وينام ملء جفنه! وهكذا تتعود القلوب رؤية مناظر احتساء الخمور والتدخين، وإتيان الفواحش،والتبرج والاختلاط، وتألف النفوس هذه الأحوال ويكون"التطبيع"مع المعاصي والكبائر والدياثة؟! فما بالكم إذا كان كل هذا في رمضان.
وحينما يُدخِل الأب التلفاز إلى بيته، فإنه يكون قد أحضر لأبنائه وبناته مدرسًا خصوصيًا مقيمًا في البيت، وهو بارع في تلقينهم فنون العشق والغرام، وأصول الفسق والفجور، فينشأ الفتيان على الاستهانة بالخُلق، والفضيلة، والشرف، والعفة، وصيانة العرض، فيصور هذه القيم على أنها تافهة لا يتمسك بها إلا السذج والرجعيون، فهل آن لهذا الكابوس أن يرحل عن بيوتنا؟ ألا فليتذكر أولو الألباب، فإنه من يُعْط ِمن نفسه أسباب الفتنة أولًا، لم ينجُ آخرًا وإن كان جاهدًا.
نفعني الله وإياكم...
الخطبة الثانية
أما بعد: لقد كتب الكثيرون محذرين من إدمان المخدرات والسموم البيضاء، وما أقل الذين انتبهوا لمخاطر إدمان مشاهدة والتلفاز، وها هي وسائل الإعلام تنشر سموم هذا المخدر العجيب، إنه يعتبر أمضى وسائل تخدير الشعوب.
إن هذا المخدر الكهربائي يسرق سمعك وبصرك وفؤادك، ويجوب بك المراقص والمسابح، والحانات والمسارح، ويطوف بك في المسلسلات والأفلام التي تدور حول قطب واحد، هو قيم الحب والغرام، والعشق والهيام وكأن هذه هي المشكلة اليتيمة التي تمزق من الأمة الأوصال، وتتفتت في سبيلها أكباد الرجال، فضلًا عن ربات الحِجال! هكذا يجري قتل الإنسان اليوم: بالمهرجانات، بالرقص الخليع، بالأفلام، باللهو الماجن، وهكذا يجري مسخ الإنسان.
إن أمة هذه حالها تحتاج بالضرورة إلى تحليل نفسي، وعلاج قلبي، وتحويل جذري إلى وجهة أخرى، نحو معالي الأمور، إنها بحاجة إلى من ينقذها من هذا"الإدمان"لتقوم من رقدتها، وتفيق من غفلتها، إنها بحاجة إلى أن تعرف أعداءها الرابضين خلف الشاشة، الذين يُهرِّبون من خلالها هذا العقار الخبيث، في غير كتمان وخفاء، بل في وضوح وجلاء، ليصدوهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وليشغلوهم بهذا اللهو عن حقوقهم وواجباتهم.
فيا أحفاد أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي وصلاح الدين. ويا أصحاب بدر، والقادسية، وحطين، والقسطنطينية! القدس تستصرخكم، والأقصى يناديكم، وإخوانكم في العقيدة مشردون في الأرض، وحرمات الله تنتهك، والفقر والجهل والمرض يخيم في أكثر بقاع العالم الإسلامي، ونحن نطيش هنا وهناك مع من طاش.
فيا قوم، إن هذه الأجهزة ليست عفوية؛ بل هي أجهزة تربوية وتعليمية بالغة الخطورة، تعمل على نسف الأسس الصحيحة للتربية السليمة، إنها والله معاول هدم وتدمير للتحصينات الأخلاقية.
يا قوم، إن من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولًا لم ينج آخرًا وإن كان جاهدًا، فعلى المسلم الحقيقي أن يحتاط لدينه، وعرضه، وتربية أسرته وأولاده، ولا يتأتى ذلك إلا بإبعاد هذا الخطر الداهم، وهذا الكابوس الجاثم على أنفاس البيت والأسرة.
وأي خطر على العرض والشرف والأخلاق أكبر وأعظم من البرامج والسموم التي تنفثها هذه الأجهزة، لمسخ هويتنا والقضاء على قيمنا.
نحن لا نرفض التقنية، ولكننا نرفض المحتوى الإعلامي الهدام، وإننا لندعو الله أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه البشرية أن تفيد من هذه المخترعات الفذة، كالفيديو والتلفاز والكمبيوتر، وأن تقف مع البشرية لا مع أعدائها، ولن يتأتى ذلك إلا حين تصبح المؤسسات الإعلامية في أيد أمينة شديدة الإحساس بما ينفع ويضر.
(1) فتوى رقم (21685) التاريخ: 7/9/1421هـ.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3100)
إسماعيل الحاج أمين نواهضة
القدس
المسجد الأقصى
الخطبة الأولى