فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 3028

3-اعتقاد كثير من الشباب بوجود مؤامرة ضخمة وصريحة وعامة، يشارك فيها الداخل والخارج -دفع دفعًا قويًا في اتجاه الغلوّ. ومن السهل تكفير حاكم ثبت أنه يضرّ بمصالح المسلمين عمدًا لصالح الكافر الأجنبيّ حبًا فيه وولاءً له، وهذا ما يعتقده كثير من الغُلاة، وهو يعبّر عن جهل عريض بطبائع الأشياء، وعن جهل عريض بطبيعة العمل السياسيّ وتعقيداته وموازناته.

4-الضغط الخارجيّ والهيمنة الأجنبيّة على بلاد المسلمين ومكتسباتهم وثرواتهم يجعل التوازن الفكريّ يختلّ لدى كثير من الناس -ولاسيما الشباب- فتجد الخانع التابع الخائف والباحث عن فرصة لإظهار ممالأته للأجنبيّ، وتجد الغالي الذي يريد تحرير العالم الإسلاميّ بأقصى سرعة وبكل وسيلة.

5-العُزلة وإنضاج الأفكار في الظلّ بعيدًا عن أجواء المناظرة والحوار والجهر بالدعوة، وإذا تأمّلنا في تاريخ الدعوات المنحرفة؛ فإننا نجد أن السواد الأعظم منها نشأ، وترعرع تحت الأرض بعيدًا عن الأنظار، وإنّ ضرْب حظرٍ على الأنشطة السياسيّة والاجتماعيّة في كثير من البلدان الإسلاميّة، يدفع كثيرًا من الشباب إلى الاعتقاد بأن الطريق الوحيد المتبقّي لتحقيق أهدافهم في نُصرة الإسلام هو سلوك طريق العنف والقتال.

ممارسة الأنشطة الدّعويّة والاجتماعيّة والسياسيّة تُبقي باب الأمل للإصلاح مفتوحًا؛ ولذا فإن المجتمعات المفتوحة تكون معاناتها من الغلوّ أقل من غيرها.

6-المثاليّة والنظر إلى الأمور بعيدًا عن الواقع: إن كثيرًا من المُغالين لا يرون إلا جزءًا من الصورة، وهو تراجع مستوى حكام المسلمين عن المستوى الذي كان عليه حكام الأمة في صدر الإسلام، أو الذي كان عليه الصّفوة من حكام الأمة على مدار التاريخ الإسلاميّ. وهم لا ينظرون إلى التراجع الخطير الذي حدث على المستوى الشعبيّ العام. إنهم يريدون حُكْمًا راشديًا على شعوب بعيدة عن أخلاق الصحابة -رضوان الله عليهم- والتزامهم الصارم، ويذكّرني هذا بقوْل من قال لعلي -رضي الله عنه-:"إنك لا تسير فينا سيرة الشيخيْن: أبي بكر وعمر؟ . فقال: نعم. الشيخان كانا أميريْن على أمثالي، وأنا أمير على أمثالكم". وقال معاوية -رضي الله عنه- لابنه يزيد حين عيّنه وليًا للعهد: كيف ستسير في الناس بُعَيْدي؟ فقال: سأسير فيهم سيرة الشيخيْن: أبي بكر وعمر، فقال معاوية: حاولت فيهم سيرة عثمان فلم أستطع". حين تتجه السفينة نحو القاع فإن الماء يغمر كل أجزائها، وحين تراجع مستوى الالتزام في الأمة لم ينجُ منه إلا القليل، وفي بعض المجالات وليس في جميعها. إن كثيرًا ممن يحملون الفكر الغالي يملكون شعورًا مبالغًا فيه بالواجب، ويحمّلون أنفسهم تكاليف لم تحمّلهم إياها الشريعة الغرّاء؛ مما أدّى بهم إلى ركوب المركب الصعب، ثم أخذوا يحاولون جرّ غيرهم إلى ما صاروا إليه، ولو اقتضى ذلك تكفير المسلمين وحمل السلاح عليهم."

7-ثبت أن كثيرًا ممن تُمارَسُ القسوة في تربيتهم، تنشأ في نفوسهم أحقادٌ دفينة، وتميل طبيعتهم إلى القسوة، ويُظهرون قدرًا أقلَّ من التسامح مع المخالِفين، ومع الأفكار المباينة لأفكارهم.

8-استُخْدِم العنفُ الشديد ضدّ بعض الشباب، واستُخْدِمت أنواعٌ من التعذيب تمسّ الكرامة الإنسانيّة، وتؤكّد لهم أنه لا يُعقل أن يقوم بذلك أناس يخافون لقاء الله أو يؤمنون به. وهذا قدّم برهانًا قويًا للقائلين بالتكفير وبنظريّة المؤامرة.

9-لم يستطع كثير من الإعلاميّين، وكثير من المناوئين للشباب الذين يحملون أفكارًا غالية -أقول لم يستطع هؤلاء أن يظهروا بمظهر الخصْم الشريف؛ فألصقوا بهم أشياء لم يفعلوها، ونسبوا إليهم أقوالًا لم يقولوها، وبعضهم استغلّ موجة الهجوم على الغلوّ ليجعل من كلامه هجومًا على الإسلام، وهذا زاد في غلوّ الغالين، وأكّد لديهم صدق معتقداتهم في اتّهام الخصوم.

إننا هنا لا نسوّغ لأحد الغلوّ، ولا نقدّم عذرًا للغالين، ولكن نحاول فهم جذور هذه الظاهرة ومنطلقاتها.وأعتقد أن فتح أبواب الحِوار سيساعد كثيرًا في امتصاص هذه الظاهرة، وقد ثبت من تجربة بعض الحكومات العربيّة في هذا الشأن نجاعة التعامل باحترام وتقدير، وانفتاح وعقلانيّة ومصداقيّة مع حَمَلة الفكر الغالي. وهي تجربة قابلة للتّكرار

صفات المثقف بين الواقع والطموح

خباب بن مروان الحمد

كثيرًا ما نرى أناسًا يعدُّون أنفسهم بالمثقفين ، وكثيرًا ما يكون بعض هؤلاء المثقفين عبئًا على الأمَّة المسلمة ، وكثيرًا ما يكون المثقف أبعد عن الصفات المؤهلة لأن يكون مثقفًا !

وفي خضم الكثير يوجد القليل من مثقفي هذه الأمَّة الذين كان لهم دور ريادي في الإيقاظ الصحوي ، والإيقاد الفكري ، والإقلاع الحضاري .

وهكذا الدنيا يستحيل أن تجمع الناس في بوتقة واحدة ، بل إنَّك حتمًا ستجد تلك المتناقضات والتجاذبات المتغايرة ، فيتأكَّد حينها أن يكون لدى المثقف صفات ترعاه ويرعاها ، ويُربِيها في ساحة العقل وحركات الأعضاء ....

فقد صرنا ـ ويا للأسف ـ نلحظ في خطابات ومواقف وتحركات بعض المثقفين اختراقًا قيميًا أخلاقيًا وفكريًا ، ولا غرابة إذا سمعنا وقرأنا لمثقفين يمهِّدون في خطاباتهم بأحاديث تشي بضرورة استدعاء المحتل إلى أقطار إسلاميَّة ، أو مثقفين يحاولون غرس قيم بلا قيم ، وبذور يتعاهدونها ويسقونها بأفكار الخبال، و مثقفين يشكِّكون في علماء الإسلام ويطعنونهم في خواصرهم ومن خلف ظهورهم متهمين ومقزِّمين لهم.

ولست أستطرد بذكر الأمثلة فلعلِّي فتحت روزنة في ذهنية القارئ العربي والمسلم يلج من خلالها ليتفكر في جهود ثقافيَّة تطوِّح بقيم الدين الإسلامي باللمز والهمز ، بالتزامن مع السباق على الكارزمية للظهور عبر الفضائيات والبرامج الإعلاميَّة ، بتوصيفهم بأنَّهم: (مثقفون مسلمون) !!

لقد أعجبني ما ذكره المفكر الجزائري الإسلامي مالك بن نبي بأنَّ الثقافة تعني السلوك ! وصدق ؛ فإنَّ من لا يحمل السلوك الراقي ، ويندمج هذا السلوك في بنيته النفسية ، أيًا كان مستوى النفس ومعرفتها ، فأولى به أن لا يكون مثقفًا فإنَّ ذلك أمر يحول دونه خرط القتاد !

وعبر هذه الأكتوبة أحبّ أن أكتب حالة وصفية للمثقف المسلم...

كيف يتحلَّى

وبماذا يتحلَّى ...

وما الأشياء التي يتميَّز ويتَّسم بها لعلَّ الله أن ينفع بها ، ويجعلها مضيئة على دروب النهضة الثقافية ، وهي على النحو التالي:

1ـ الأدب الجم ، الناشئ عن قيم الإسلام وتعاليمه العظيمة ، فالمثقف المسلم رجل مؤدَّب ، عفيف النفس ، دمث الخلق ، كريم السجايا ، متواضع ، لا يتكبر على الغير ، ولا يزدري قلَّة علمهم ، بل يتواضع للكبير والصغير ، ويعطف على الأمِّي ، ويستفيد من المتعلم.

ولقد أخبر أهل السير أنَّه كان في عصر الإمام أحمد يجلس خمسة آلاف شخص يستفيدون من الإمام أحمد ، وأنَّ خمسمائة رجل منهم كان يكتب العلم ، والبقية (4500) رجل يلتمسون من الإمام أحمد الهدي الحسن ، والسمت الراقي ، والخلق الكريم.

وكان الإمام ابن المبارك يقول: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منَّا إلى كثير من العلم ، ولهذا فقد ابتدأ الله ـ سبحانه ـ في آياته حين إرسال رسله إلى الخلق بأنَّهم يربّون الناس على الأدب وتزكية النفس قبل العلم فقال ( ويزكِّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) فالتزكية والتربية للنفس ، قبل العلم والتعلم والثقافة والمعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت