فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 3028

إن العمل الذي قام به فقهاؤنا على مدار التاريخ الإسلامي هو حقًا شيء يثير الإعجاب. وتأتي روعته من انضباطه بأصول محددة ومن حركته داخل النصوص. ترى فيه الثبات والاتفاق في الأصول والمسائل الكبار. وترى فيه المرونة والاتساع للتنوع والاختلاف في الفروع والمسائل الجزئية. وأعتقد أن قدرًا غير قليل من (المناعة الفكرية) يجب أن يستمد من الارتكاز على روح الإنجاز الفقهي ورسومه. وإذا تأملنا في كثير من الانحرافات الفكرية لدى بعض الطوائف الإسلامية وجدنا أنها تشكل نوعًا من الخروج على منهج الاستدلال الذي سار عليه الأصوليون والفقهاء، كما تشكل خروجًا سافرًا على الأحكام التي انتهوا إليها. إن الفقيه يقدم لنا دائمًا نموذجًا لاعتبار الرأي المخالف. وكتب الفقه المقارن مثل: (المحلى) لابن حزم، و (المغني) لابن قدامة، و (المجموع) للنووي...؛ شاهدة على هذا. وإذا عدنا مرة أخرى إلى (الغلو) بوصفه العدو اللدود لاستقامة الفكر ومناعته واستمراره وجدنا أن الغالين يصدرون في معظم شأنهم عن تجاهل لقول غيرهم واستخفاف بالمخالف كائنًا من كان. ولا شك أن هناك الكثير من المسائل التي يكون الخلاف فيها ضعيفًا حتى كأنه غير موجود، لكن هناك أيضًا الكثير من المسائل التي يعد فيها تجاهل الخلاف وتجاوزه ضربًا من الجهل العريض والطيش الكبير. وعلى سبيل المثال فقد ذهب بعض الغلاة في عصرنا هذا إلى تحريم التقليد وإيجاب الاجتهاد، وحجتهم في ذلك أن التقليد طاعة مطلقة. وهذه الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله، ولذلك فإنهم يكفرون المقلد لأنه حكَّم غير الله، واتبع غير رسول الله. وهذا يذكرنا بالخوارج حين أطلقوا مقالتهم الذائعة الصيت:"لا حكم إلا لله". والقول بحرمة التقليد يتجاهل ما قرره علماء الأمة في هذا الشأن ويتجاهل تاريخ الأمة كله؛ حيث إن لدينا ملايين الناس المشهود لهم بالخير والصلاح والعلم ومع هذا فإنهم لم يجتهدوا، وكانوا يقلدون أحد الأئمة المتبوعين. كما أن هذا القول يجافي ما تواضع عليه البشر في كل العلوم؛ إذ لا يجيز أي أهل علم أو اختصاص لأي إنسان مهما بلغ أن يجتهد في كل شيء لأن في ذلك هدمًا لقطعيات العلم ومواطن الإجماع فيه. وإذا كانوا لا يجيزون الاجتهاد المطلق من القيود؛ فكيف يوجبه هؤلاء في أخطر العلوم، وهو علم الحلال والحرام وتحديد ما يحبه الله -تعالى- ويبغضه؟!

ويتجاهل الغلاة الخلاف بين أهل العلم في تحديد بعض المصطلحات، فيصيرون إلى فهمهم الخاص غير عائبين بتعريف غيرهم، ويلتزمون بما فهموه التزامًا صارمًا، ولا يكتفون بذلك، وإنما يصيرون إلى إلزام غيرهم، ويرتبون لأحكام على ذلك، ويتصرفون وكأنهم أمام نص قطعي الثبوت.. قطعي الدلالة؛ هذا مع أن كل العارفين بمناهج البحث وطرق الاستدلال يعرفون أن المصطلح حين يكون هشًا أو انتقائيًا أو غامضًا فإن المنهجية تقضي بمراعاة ذلك والأناة في البناء عليه. والمصطلحات التي أساء بعض الغلاة المعاصرين التعامل معها عديدة، ولعل منها مصطلح (جماعة المسلمين) ؛ فقد قامت مجموعة منهم بتنصيب أمير عليها، جعلته في مقام أمير المؤمنين، وجعلت نفسها جماعة المسلمين، وصاروا يعتقدون أنهم جماعة آخر الزمان المجتباة قدرًا المعلومة عند الله والمكتوبة في اللوح المحفوظ! ويقول أحد قيادييها: نحن جماعة المسلمين، وما عدانا فليس بمسلم. وقد جعل من لم ينضم إليهم بمثابة التارك لدينه المفارق للجماعة، والذي ورد في الحديث الصحيح أنه حلال الدم. مع أن الذي يعود إلى كلام أهل العلم في مفهوم (جماعة المسلمين) يجد أن منهم من ذهب إلى أن جماعة المسلمين هم الصحابة -رضوان الله عليهم- على وجه الخصوص. ومنهم من ذهب إلى أن جماعة المسلمين هم السواد الأعظم من أهل الإسلام. وذهب بعضهم إلى أنها أئمة العلماء المجتهدين. وذهب فريق رابع إلى أنها أهل الإسلام في مقابل الكفار...

ومن المعاصرين من لم يدّعوا أنهم جماعة المسلمين، لكنهم أقرب الجماعات إلى أن يكونوا جماعة المسلمين، ولا ريب أن هذا القول أخفّ من السابق لكنه ترك على تلك الجماعة آثارًا سيئة حيث أصيبت بعقدة الأخ الأكبر الذي يُستشار، ولا يستشير، ويُطلب منه التعاون ولا يطلبه..

الغلو في التكفير مظهر آخر من مظاهر استغلال غموض المصطلحات والإعراض عن الشروط والتعريفات. وقد ورد الكثير من النصوص التي تحذر المسلم من المسارعة إلى تكفير أخيه المسلم، منها قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما". وقال:"... ولعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله". إن أهل العلم الثقات العارفين بموارد النصوص والفاقهين لاستخدامات هذه الكلمة يقولون: إن الكفر يَرِد في الكتاب والسنة ويراد به الكفر المخرج من الملة، وأحيانًا يَرِد ويراد به كفر لا يخرج من الملة، فكما أن للإيمان شعبًا كذلك للكفر شعب والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى. لكن الغلاة لا يأبهون للتفصيلات ولذلك حكموا على مرتكب الكبيرة بالكفر، وكفروا كل من لم يحكم بما أنزل الله مع أن الحاكم إذا لم يحكم بما أنزل الله لأن شهوته حملته على ذلك مع الاعتقاد بأن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ لم يخرجه ذلك من الملة، وإن كان ارتكب كبيرة من أعظم الكبائر. والراسخون في العلم يحرّجون كثيرًا في تكفير شخص بعينه؛ لأنه قد يكون جاهلًا أو مكرهًا أو دخل في موازنة مخلصة يحقق بها ما يمكن تحقيقه من الخير للمسلمين، ويدفع بها من الشر ما يمكن دفعه. وقد يكون له إيمان وعمل صالح كثير وقد... وقد...، وهذا مما ينقل الحكم على الحاكم من حيز الكفر الأكبر إلى حيز الكفر الأصغر.

إن الغلاة حملوا أنفسهم على المركب الصعب، وقد وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في الزاوية الضيقة. وكانت النتيجة هي الاضمحلال والانحسار؛ فمنهم من قُتل، ومنهم من شُرد، ومنهم من تراجع عن أفكاره، ومنهم من لا يزال على طريقته الأولى لكنه يجد نفسه دائمًا عاجزًا عن تقديم شيء إيجابي تنتفع به الأمة.

وللحديث صلة، والله الموفق.

المناعة الفكريّة (10)

د. عبدالكريم بكار 23/8/1425

ذكرْت أنّ الغلوّ قصير النَفَس، وهو ما دخل فكرًا أو مشروعًا أو مؤسّسة إلا شكّل نقطة ضعف فيما توضّع فيه، والسؤال الذي علينا أن نحاول الإجابة عنه هو: لماذا ينشأ الغلوّ؟ وما الخلفيّة النفسيّة والثقافيّة والبيئيّة التي تساعد على انتشاره وكسبه للأنصار؟

والجواب عن هذا السؤال جواب طويل، ولكن سأحاول إجماله في مفردات قليلة.

1-كثيرًا ما ينشأ الغلوّ نتيجة فهم خاطئ للنصوص كما حدث للخوارج في صدر الإسلام. وتعدّد النصوص في القضيّة الواحدة، وكون معظم النصوص ظنّية الدلالة يساعدان على هذا. أضف إلى ذلك القصور الذي يشكّل ما يشبه العاهة الدائمة للنظام اللّغوي في العالم كله وفي كل اللغات؛ حيث إن اللّغة ناقل غير شفّاف، وهي تُنتج لنا -في معظم الأحيان- الفهم المتعدّد بل المتناقض، ولهذا أسباب وحيثيّات يطول شرحها.

2-اعتقاد الاكتمال قبل الأوان سبب من الأسباب القويّة للغلوّ؛ حيث إنك تجد شبابًا يُصدِرون الفتاوى بغاية السهولة، وبالقليل القليل من الشعور بالمسؤوليّة في أمور توقّف فيها كثير من أهل العلم، وتنازع فيها أهل الاختصاص، وكل هذا بسبب الجهل، وبسبب الغرور وسوء الطريقة التي تثقّفوا بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت